عام على هجمات سريلانكا.. الحقيقة الضائعة بين حرق جثث كورونا والانتخابات

تشبه أجواء الأمن والانتشار العسكري في سريلانكا بسبب كورونا في الذكرى الأولى لهجمات الفصح حالة التأهب الأمني ومنع التجول الذي أعقبها، ولم تترك للسريلانكيين فرصة للسؤال عن مصير نتائج التحقيق في الهجمات التي وقعت في 21 أبريل/ نيسان 2019، لا سيما بالنسبة للأقليتين المسلمة والمسيحية المعنيتين بنتائج التحقيق أكثر من غيرهما.

 

كما اضطرت الأقلية المسلمة في سريلانكا إلى الانشغال بقرار الحكومة حرق جثث من يتوفى من المسلمين بمرض كورونا المستجد (كوفيد-19)، بدلا من معرفة المسؤولين والمدبِّرين الحقيقيين للهجمات التي استهدفت عدة كنائس وفنادق فخمة وراح ضحيتها أكثر من 250 قتيلا ومئات الجرحى من الأقلية الكاثوليكية التي تقدر نسبتها بنحو 5 % من عدد السكان البالغ أكثر من عشرين مليونا.

 

وقد اعتبرت منظمات حقوقية وسياسية إصرار الحكومة على حرق جثث المسلمين بذريعة منع العدوى من كوفيد-19 تحدٍ لمشاعر المسلمين الدينية والعاطفية، بحسب ما ورد في بيانات أحزاب سياسية ومؤسسات دينية واجتماعية، ومخالفة صريحة لمعايير حقوق الإنسان الدولية وقرارات منظمة الصحة العالمية، وفق تعبير منظمات حقوقية ودولية منها منظمة هيومان رايتس ووتش التي لم تر مصوغا للحرق ما دام أن احترام مشاعر المسلمين ممكن بتشييع منضبط وآمن وفق المعايير الدولية.

 

أما المنفذون فقد عُرفوا في اليوم الأول، وهي المجموعة التي ظهرت مع قائدها زهران هاشم في شريط فيديو تعلن انتمائها لتنظيم الدولة الإسلامية، ولم تنكر أجهزة الأمن السريلانكية أنها كانت على اطلاع بما يدبره المهاجمون التسعة قبل أن يقع، وأن أجهزة استخبارات صديقة خاصة (راو) الهندية أطلعتها على معلومات تكاد تكون تفصيلية قبل الهجمات بأسبوع، وكشفت نتائج التحقيقات الأولية السريلانكية بأن تنظيم الدولة الذي تبنى الهجمات بعد وقوعها بأيام لم يكن على علم مسبق بها، وهو ما فهم حينها بتبرئة ساحة التنظيم من مسؤولية الهجمات، بينما كان يتلقى ضربات موجعة في سوريا ويلفظ أنفاسه الأخيرة فيها.

   

المسجد الأحمر في وسط كولومبو أحد أبرز المعالم الإسلامية في سريلانكا

   

تجاذبات بشأن التحقيق

لقد أعرب الكرادينال رانجيت – رئيس أساقفة الكنيسة الكاثلوليكية في سريلانكا – عن ألمه وصدمته من ضغوط تمارس على الرئيس الحالي غوتابايا راجباغاسا لإغلاق ملف التحقيق والتستر عليه، وطالب بالكشف عن نتائج التحقيق بكل حيثياته وعدم الاكتفاء بالتركيز على المنفذين الذي يرى فيهم كثيرون عرَضا للمرض لا سببا له.

 

ويتمحور الجدل بشأن التحقيقات وحيثياتها على عدة نقاط أهمها:

– دوافع المهاجمين في ظل غياب تاريخ من العداء بين المسلمين والمسيحيين في سريلانكا، وإذا ما كانوا قد استُغلوا لتحقيق مئارب ومصالح لا علاقة للمسلمين أو السريلانكيين عموما بها.

– تجاهل الأجهزة الأمنية والعسكرية السريلانكية للتحذيرات التي سبقت الهجمات، وعلى رأسها تحذيرات المؤسسات الإسلامية من خطورة مجموعة زهران والمطالبة باعتقالهم والتحقيق معهم.

– طبيعة المعلومات التي سلمتها المخابرات الهندية بشكل رئيسي قبل الهجمات، وعلاقتها بالمنفذين أو من يقفون خلفهم.

– الكشف عن التعاون الداخلي والخارجي الواسع، تخطيطا وإمدادا وتنفيذا، والذي تدل عليه ضخامة الهجمات ودقتها، ومعرفة مصلحة الجهة أو الجهات الخارجية في تنفيذ هجمات في سريلانكا.

 

اعترف الرئيس غوتابايا أن أكثر من تسعين في المئة من الأقليات لم تنتخبه، وتعهد بأن يكون رئيسا لكل السريلانكيين، وأن يبني جسورا مع الأقليات لا سيما الأقلية المسلمة
استغلال انتخابي

على المستوى الداخلي تمكنت الحكومة الحالية من الاستفادة القصوى من هجمات الفصح وتجييرها في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، والتي حقق فيها التحالف الحاكم فوزا ساحقا، وأعاد أسرة راجباغاسا إلى السلطة بعد أن أطيح بها عام 2015 في انتخابات رئاسية وتشريعية، وعين الرئيس الجديد غوتابايا شقيقه الأكبر ماهيندا رئيسا للوزراء بصلاحيات واسعة، لكن الرئيس والحكومة الجديدين يعانيان من نقطة ضعف كبيرة تتمثل في أنهما يقودان حكومة أقلية، وأن غالبية البرلمان مع المعارضة، ويسعيان إلى الحصول على غالبية الثلثين في الانتخابات التشريعية المقبلة، بما يمكنهما من تعديل الدستور واستعادة صلاحيات الرئيس التي سلبت منه في تعديل دستوري سابق، وإلغاء تقاسم السلطات الأمنية بين الحكومة والرئيس.

 

لم يكن توقيت إعلان غوتابايا الترشح للانتخابات الرئاسية غداة هجمات الفصح مجرد صدفة، واعتبر استغلالا انتخابيا واضحا لسخط قطاعات من الغالبية السنهالية البوذية على الحكومة السابقة بسبب الانقسام بين معسكري الرئيس ورئيس الوزراء، وتحميلهما مسؤولية الخرق الأمني الكبير، وتبنياً لمواقف المتطرفين البوذيين بتحميل الأقليات مسؤولية المشاكل الأمنية التي تمر بها البلاد، وظهور موجة في الأوساط السنهالية تطالب برجل قوي لقيادة البلاد، والمقصود بذلك غوتابايا حيث يعود الفضل له برأي الغالبية السنهالية في حسم المعركة مع نمور التاميل (الهندوس) عام 2009 عندما كان وزيرا للدفاع في حكومة أخيه الأكبر والرئيس وقتذاك راجباغاسا.

 

أراد الرئيس الحالي غوتابايا تكرار استراتيجيته الناجحة في الانتخابات الرئاسية وقد استغل في دعايته الانتخابية هجمات الفصح إلى أقصى حد، وحددت لجنة الانتخابات العامة يوم 24 أبريل/ نيسان الجاري موعدا للانتخابات التشريعية، لكن انتشار فيروس كورونا أجبرها على تأجيل الانتخابات حتى حزيران/ يونيو المقبل، علما بأن آخر مدة للبرلمان الحالي تنتهي في أغسطس/ آب، ويستبعد ساسة سريلانكيون مسلمون الإعلان عن نتيجة التحقيقات في هجمات الفصح قبل الانتخابات التشريعية، حيث يتوقعون تحميل المسؤولين الأمنيين السنهاليين مسؤولية الإخفاق الأمني وتبرئة الأقلية المسلمة وقياداتها السياسية والدينية من تهمة التعاون أو الاحتضان، وهذان عاملان مهمان في حملات الدعاية الانتخابية وقد يغيران في خيارات كثير من الناخبين  إذا ما أعلن عن نتائج التحقيق بشفافية.

 

لقد اعترف الرئيس غوتابايا أن أكثر من تسعين في المئة من الأقليات لم تنتخبه، وتعهد بأن يكون رئيسا لكل السريلانكيين، وأن يبني جسورا مع الأقليات لا سيما الأقلية المسلمة، وهو الواجب الذي يمليه عليه الدستور لإنقاذ سريلانكا من حرب أهلية ثانية، والتي قد يتجاوز عدد ضحاياها إذا ما اندلعت ضحايا الحرب الأهلية الأولى التي استمرت أربعة عقود وكلفت البلاد أكثر من 100 ألف قتيل، ولن يتوقف الأمر عند حرق جثث أموات المسلمين خلافا لرغبات ذويهم وتحديا لمشاعرهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة