الإسلام واكتشاف علاج السمنة.. كيف يشوّه البعض حقيقة الصيام!

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه". رواه البخاري ومسلم.

 

فإنه لي وأنا أجزي به

لقد اختصّ الله الصيام لنفسه وهناك بعض الأسباب التي قد تجعل الصيام منفردًا بهذا الاختصاص دون غيره من العبادات، فمثلًا: لأنه أحبّ الأعمال إلى الله، ولأنه لا يحمل من الرياء ما تحمله العبادات الأخرى، ولأن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وإنها تضعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام، فإن الله يثيب عليه بغير تقدير، ولأن جميع العبادات توفّى منها مظالم العباد إلا الصوم، ولأنه لم يُعبد به غير الله، بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك، وأخيرًا وليس آخرًا لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه، وكما قال الإمام القرطبي رحمه الله: "معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام، فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه يقول: إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي"… وربما لأسباب أخرى كثيرة لا يعلمها إلا الله، قد جعلت من الصيام عبادةً منفردةً خاصة دون غيرها.

 

الصيام مدرسة!
الصيام قد يحلّ بعض المشاكل العضوية بالفعل لدى بعض الناس وليس جميعهم، ولكن لا يجب أن يصفه الأطباء أو المشايخ أو المحدثين أو الإعلاميين في كل آونة على أنه علاجًا فعالًا قد ابتكره الإسلام منذ أكثر من 1400 عام!

يهذّبنا الصوم، ويعلمّنا ويعوّدنا على قيمٍ قد نفتقدها في بقية الأيام، ونحتاج إليها بين حين وآخر، كما أنه يخلّصنا من رقِّ الشهوة، ويربينا عمليًا على ضبط الغرائز، ويعلمنا أساليب السيطرة عليها، وهذا جهاد شاقّ يعوّدنا على التحمّل والصبر، ويذرع بداخلنا الإرادة وينمّي بداخلنا العزيمة، وهذا يجعل الصوم من العبادات الصعبة الشاقّة، لذا قد جعلَ الله فيها رخصةً لغير القادرين، قال الله تعالى في سورة البقرة "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ".

قد يرهق الصوم قوامكَ، ويقحَل جوفك، ويأخذ منك نومَك، ليحاول ضبط بوصلتك من جديد، ليعلمك الإرادة كيف تكون، والصبر كيف يكون، ويعلمّك كيف تكون عونًا للآخرين، وتعيش حاجتهم، وتشعر فقرهم. قد يجعل الصوم منك رجلًا آخر غير الذي كان قبل الصوم، وإنسانًا جديدًا مهذّبًا بتعاليم القرآن وآدابه وأحكامه، يتأمل آيات الله في الكون والإنسان ويتعلّم.

 

الصيام وهشاشة العظام!

يحاول بعض خطباء المنابر، وبعض السادة غير المتخصصين حشر كل ما يتعلّق بالإعجاز حول الصيام في خطاباتهم ويرددون شعارات تحسّ على أن الصوم معجزة كبيرة كتبها الله على المسلمين قبل تقدم العلم، ليعلَم العالم كلّه أن الإسلام أتى قبل آلاف السنين بما لم يستطيعون أن يأتوا به في خضم هذا التقدم والرقيّ، والحقيقة أن بعض هذه الأشياء ما هي إلا ترّهات حول هذه العبادة السامية الراقية، فينقص هذا من قدرها عند الجهّال ولا يزيد أبدًا، ويفتح أبوابًا كثيرة للمشككين في الدين وثوابته وأصوله أن يخوضوا ويشنّوا الحروب على هذا الدين وفرائضه من خلالها.

 
فتارةً نسمع خطابًا أن الصوم يمنع الأمراض مثل السمنة، وعلى الجانب الآخر نجد في العالم العربيّ ممن يصومون منذ نعومة أظافرهم أعدادًا لا بأس بها تعاني من السمنة المفرطة، وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى يتمتّعون بالصحة والرشاقة! وتجد آخرًا يهلهل أنّ العلم قد اكتشف الصوم على أنه يمنع من تقدم العمر، وعلى الجانب الآخر نسبة كبيرة جدًا من أبناء الدول المسلمة الفقيرة -التي بالطبع تصوم رمضان كاملَا- يعتلي رؤوسهم الشيب، وتظهر عليهم ملامح تقدّم العمر مبكرًا -ربما- في سن الشباب بسبب الأحداث والظروف القهرية التي يمرون بها! بينما أصحاب الديانات الأخرى ربما لا يصابون بهذا إلا قليلًا!

ومثل هذه الخطابات قد تهدم أكثر مما تبني، وتفتح أبوابًا لا حصر لها وأسئلة كثيرة تأتي للوهلة الأولى في ذهن ملحدٍ غبيّ فقير بأقل المعلومات عن الدين والحياة، لتكون له بمثابة حججًا ليشكّك في الثوابت ويطعن في الدين. لا أقول أن هذه النظريات خاطئة تمامًا، بل وربما يكون البعض منها مثبتةً بأبحاثٍ ودراسات، ولكن لننظر إلى الصوم على أنه عبادة فرضها الله واختصّها لنفسه، بل واختصاصه لها وكونها عبادة مختلفة تحمل الكثير من الطبائع الروحانية التي يشعر بها الإنسان المسلم في هذه الأيام المعدودات ويحيا فيها بكل جوارحه هذا أدعى للفتكّر والتدبّر.

 
الصيام قد يحلّ بعض المشاكل العضوية بالفعل لدى بعض الناس وليس جميعهم، ولكن لا يجب أن يصفه الأطباء أو المشايخ أو المحدثين أو الإعلاميين في كل آونة على أنه علاجًا فعالًا قد ابتكره الإسلام منذ أكثر من 1400 عام! ببساطة شديدة لأنه عبادة وليس علاجًا، فقد يصوم مريضًا طوال حياته ولا يأذن الله له بالشفاء، فلو أن إيمانه بأن الصوم سيعالج أمراضه وها هو طريح الفراش، أو ما زال يعاني من مرضه المزمن؛ قد يصل به إلى الإلحاد، لأن إيمانه دفعه إلى الاعتقاد بأنه سيتعافى، وأقرب ما يعوِّل عليه ويبرر حجته في ترك الدين، أنّ هذا الدين يسنّ شرائع لا تفي بالغرض المطلوب منها!
 
إنّ كانت المعجزات الإلهية في العبادات تفيد القائمين عليها، فماذا عن الآخرين الذين لا يعبدون الله ولا يدين بهذا الدين وهذه العبادات؟ هل يُبتلون بكل تلك الأمراض الواردة التي تعالجها هذه العبادات لأنهم لا يقيمونها، وبالتالي لن يستفيدوا من العلاج! وماذا عن المبتلين من عباد الله الصائمين، هل في عباداتهم خلل ما أم انهم ليسوا ممن تفيدهم هذه العبادات لأنها تفيد البعض وتترك الآخرين؟

 
حكمة الله في العبادات والفرائض كثيرة، استطعنا أن نحصيها أو نلمسها أم لم ننستطع، لابد أن نؤمن بذلك، ولسنا مطالبين بأن نبحث عنها وأن نحصيها، لاسيما أننا لسنا مطالين بأن نجعلها موضع إقناع لغير المسلمين بهذا الدين العظيم، فالربّ أسمى من أن يُعبد من أجل أسباب، يسلّم له العبد كل أمور حياته لأنه مأمور بأن يعبده بإخلاص، فالعبادة غاية في نفسها مطلوبة لذاتها، وما يترتب عليها من إصلاح النفس من أهدافها لا أنه غاية لها، قال الإمام الراغب الأصفهاني: "وشرفَ الإنسان أن يوجد كاملًا في المعنى الذي خلق لأجله، ودناءته بفقدان ذلك الفعل منه". فلو صام المرءُ قاصدًا الشفاء من علةٍ أو حتى إصلاح نفسه دون الالتفات إلى حق الله عليه لم يبال الله به، ولا تنفعه هذه العبادة قال تعالى: "وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى*إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى*وَلَسَوْفَ يَرْضَى" [سورة الليل:19-21].



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يتحسّن بفضل الصّيام المؤشّر الوظيفي للخلايا اللّمفويّة عشرة أضعاف، كما تزداد نسبة الخلايا المسؤولة عن المناعة النّوعية بصفة واضحة، وترتفع نسبة بعض أنواع الأجسام المضادّة، وتنشّط الرّدود المناعيّة.

الأكثر قراءة