هل تتجه الدراما العربية نحو التطبيع؟

شهدت الفضائيات العربيّة في السنوات الأخيرة عرضاً لعدد من الأعمال الدرامية التي تناولت صورة اليهود في الأوساط العربيّة بشكل لم يكن يألفه المشاهد العربي عن اليهود سابقاً، فبعد أن كان اليهودي بصورة الشحيح القاسي والمستغل والذي يتعامل بفوقية مع عمّاله، أصبحت تتجه الدراما لإظهار جانب يؤسس لأنسَنَة القاتل، ويزرع دون أدنى شك تعاطفاً مع الجاليّات اليهوديّة -التي عاشت في الأوساط العربية-، وبداية لفكرة "التعايش" التي تروّج لها عدد من منصّات التواصل الاجتماعي التي يديرها الكيان المغتصب.

فما الصورة الحقيقيّة التي وُجدت عن اليهود، وهل فعلاً تعرّض اليهود لمتاعب في دول الخليج؟ وما المغالطات التي يمكن أن تقدمها هذه الأعمال؟ وإنّني هنا أتساءل، ما الذي يعرفه الكّتاب والمخرجين العرب عن اليهود في فلسطين؟ هل سمعتم بعشرات العمّال الفلسطينيين الذين تساقطوا من بنايات شاهقة أثناء عملهم في البناء؟ هؤلاء الذين لقوا حتفهم دون أن يوفر لهم اليهودي المدني أدنى ظروف آمنة للعمل، فماذا تعرفون عن عبّاد "الشيقل" اليهود الذين يجمعون ثرواتهم من موت محقق أوعرق بذل ذلاً ومهانة!

دافعت الممثلة "حياة الفهد" عن العمل على اعتبار الوجود الحقيقي لليهود في الخليج وفي كل مكان، ودعا الكاتبان إلى التريّث بالحكم وأقول بأن التبريرات والأقوال الدفاعيّة مهما بلغت حدّها فهي لم تقيم اعتباراً لمشاعر الفلسطينيين

وماذا تعرفون عن غالبيّة الأطبّاء اليهود في عياداتهم الخاصّة عندما يُكلّف السكرتيرة الخاصّة به لترتيب الوافدين إلى العيادة ترتيباً عنصريّاَ يعتلي رأس الهرم اليهود من أصول أوروبيّة ويختتم القائمة بالعرب الفلسطينيين.. هذا ما قالته لي امرأة حامل في عيادة نسائيّة في مدينة قلقيلية الفلسطينيّة عندما تعجّبت لقدومها من منطقة بعيدة، لقد سئمت الانتظار وهي رهينة للعنصريّة التي لا ترف لها عين أمام الفلسطينيين، خذوا الشواهد منّا فنحن أصدق أنباء مما ترون "لو فرضنا فعلاً" أن الحقيقة غابت عن أذهانكم.

من المسلسلات العربيّة التي طرحت في الآونة الأخيرة وتناولت حياة اليهود بصورة خاصة: باب الحارة 7، "حارة اليهود " الذي عُرض في رمضان 2015 من إخراج "محمد جمال العدل" وهو ذاته الذي أخرج مسلسل "أم هارون" الذي يُعرض حالياً. فلماذا يصر المخرج المصري محمد العدل على إخراج أعمال متعلقة بحياة اليهود في الأوساط العربيّة وهل ستكون هذه بداية لترسيخ حضور هذه الدراما في الأعوام القادمة وتجميل صورة التعايش الذي يمكن أن يتمناه المشاهد فيما بعد؟!

عن المسلسل:

مسلسل أم هارون يحكي قصّة امرأة يهوديّة تتعرّض للمتاعب بسبب ديانتها، ويصوّر المسلسل حياة الجالية اليهوديّة في الخليج -لم يتضح بعد الكويت أم البحرين- في فترة الأربعينيّات في القرن الماضي، فهل هذه الصورة -التي أوغل الكاتبان في تصويرها بناء على قصة أم جان حسب قولهما التي تنقلت بين عدة بلدان واستقرت في البحرين صورة أصيلة عن يهود الخليج وإلى أي مدى يمكن تصديق الروايات المرويّة بألسنتهم وهم الذين اعتادوا المبالغة والتهويل ولعب دور الضحيّة دائماً وخير شاهد المبالغات والأكاذيب المتعلقة بالهولوكوست، ويمكن للقارئ أن يتحسس الحقيقة في كتاب "أكذوبة المحرقة اليهودية" لمؤلفه: روبير فوريسون والذي يمكن تحميله بسهولة بصورة مجّانية من متصفح غوغل. 

أمّا عن الإدعاء الذي يطرحه المسلسل فيما يتعلق باضطهاد اليهود في دول الخليج فيمكن أن نفنّد ذلك بما كتبه جون كيلي في تقريره المقدم لبيرطانيا بشأن المستعمرات الموجودة في الكويت بعد أن زارها، بأن سكان الكويت يتمتعون بحريّة العمل والتنقل والتجارة والعبادة وممارسة الشعائر الدينيّة وبمن فيهم اليهود، وأشار إلى أن تاريخ استقرار الجالية اليهودية في الكويت يعود إلى فترة حكم الشيخ عبد الله الصباح حوالي عام 1860م.

أما عن بدايات وجود اليهود، فقد ورد في الموسوعة الكويتية المختصرة "بأن الكتابات اليهودية تشير إلى أن تاريخ تواجد الأقلية اليهودية في الكويت يعود إلى فترة الاحتلال الفارسي للبصرة عام 1776م، حيث هاجر معظم المقيمين في البصرة ومن بينهم بعض أفراد الجالية اليهودية إلى الكويت، فيما تحدد المصادر العربية والمحليّة الربع الأخير من القرن التاسع عشر بداية الاستقرار اليهودي في الكويت التي جاءت من العراق وبلاد فارس".

وقد دافعت الممثلة "حياة الفهد" عن العمل على اعتبار الوجود الحقيقي لليهود في الخليج وفي كل مكان، ودعا الكاتبان إلى التريّث بالحكم وأقول بأن التبريرات والأقوال الدفاعيّة مهما بلغت حدّها فهي لم تقيم اعتباراً لمشاعر الفلسطينيين وما يواجهونه من استفزاز بتأييد هذا العمل والدفاع عنه من قبل الناطق باسم الجيش الإسرائيلي "أفيخاي أدرعي" الذي أبدى اهتمامه ودافع عن العمل ووجه رسالة لحياة الفهد عبر صفحته على الفيس بوك.

خطورة التوقيت:

هذا عدا عن انتشار هاشتاغ (فلسطين ليست قضيّتي) الذي أطلقه مستشار ولي العهد السعودي محمد سلمان، سعود القحطاني والمهاجمة المتعمّدة للفلسطينيين في الآونة الأخيرة من قبل بعض الشبان الخليجيين على مواقع التواصل الاجتماعي وتقاذف الشتائم في الألعاب الإلكترونية حال اللقاء بالفلسطينين وهذا ما يؤكد على خطورة هذا العمل الذي يعمل على تعزيز مشاعر الكراهيّة التي تشكّلت في الآونة الأخيرة لأسباب عديدة.. والأسئلة التي نطرحها هنا، هل يشكل هذا العمل خطراً على الموقف الكويتي الداعم للقضيّة الفلسطينيّة؟، وهل يمكن أن يشرّع أبواب المطالبة بالأثريّات التي تخص اليهود من قبل الكيان المحتل؟! وهل يدعم ويرسّخ فكرة أحقّيتهم في الوجود الشرعيّ في هذه البلاد؟ وما المشاعر التي قد يكتسبها المشاهدين بعد مشاهدة العمل باستخدام صورة مغلوطة لم تكن حقيقة البتة!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة