مستقبل مشروع رؤية السعودية 2030 بعد أزمة كورونا

اصطدم مشروع ولي العهد محمد بن سلمان والمسمى مشروع رؤية السعودية 2030 المعلن عنه في أبريل 2016، والهادفة لتحويل اقتصاد المملكة المعتمد على 45 بالمئة من موارده على قطاع المحروقات والمشكل أيضا لـ 78.6 بالمئة من الصادرات في 2018، إلى اقتصاد متنوع، غير مرتبط في تخطيطه لتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، بتفشي وباء كورونا والذي كان له أثر سلبي على سوق النفط العالمي، وأدى إلى فقدان أسعار النفط لـ 60 بالمئة من جراء ما أعقب تفشي الوباء من تفكك لمجموعة الأوبك بلاس، ونشوب حرب أسعار بين أكبر منتج في مجموعة الأوبك وروسيا الرافضة لخطط تخفيض الانتاج لمواجهة أزمة انهيار أسعار النفط من جراء الإجراءات الاحترازية التي فرضتها كبار مستهلكي النفط والغاز في العالم لمواجهة جائحة كورونا.

ولقد حطمت هذه الجائحة أحد أكبر الدعائم التي ستعتمد عليها المملكة في جلب الاستثمارات لتمويل مشروع رؤية المملكة 2030، وهو عملية طرح أسهم شركة أرامكو عملاق النفط العالمي كما يسميها خبراء أسواق النفط، وهي العملية التي كان أصحاب القرار في المملكة يخططون من روائها لجلب 1.88 ترليون دولار كدعامة للمشروع.

ما هو مشروع رؤية السعودية 2030
إن مشروع ضخم مثل رؤية السعودية 2030، والذي سيغير التوجه الكلي للاقتصاد السعودي، والذي سيرفع من إنتاجيته ليدخل قائمة أقوى 15 اقتصاديات في العالم، يستلزم موارد مالية وبشرية هائلة من أجل تحقيقه

الهدف الأساسي لهذا المشروع هو تخليص المملكة من نقمة الاعتماد على المحروقات والموارد الطبيعية في تمويل نفقاتها، وهو الأمر الذي طرح بقوة مباشرة بعد أزمة جوان 2014، والتي أدت إلى تهاوي أسعار النفط، وبالتالي فقدان المملكة لـ42.7 بالمئة من وارداتها الخارجية، وتأثر سياساتها للإنفاق لهذا العام، تمثل الصحة والتعليم والدفاع حصة الأسد منها بـ 19.3 بالمئة و18.2 بالمئة و17.8 بالمئة على الترتيب، وهذا ما أدى إلى تسجيلها لعجز 187 مليار ريال، وهو ما تسجله المملكة بشكل متصاعد، فعحز ميزانية 2019 بلغ 131 مليار ريال، بفعل تواصل تراجع الإيرادات بحيث بلغت توقعات إيرادات هذا العام 833 مليار ريال متراجعة بـ 83 مليار ريال عن توقعات إيرادات السنة السابقة، مع تقدير تواصل العجز في الأعوام المقبلة بـ 151 مليار ريال لعام 2021، وانخفاضه إلى 92 مليار ريال في تقديرات عام 2022.

كل هذه العوامل جعلت أصحاب القرار يؤكدون على ضرورة التخلص من تبعية الاقتصاد للمحروقات، وإن كانت هذه التبعية هي في طريقها للتراجع، فقد سجلت وزارة المالية توقعات بارتفاع الصادرات الغير نفطية لهذا العام إلى 320 مليار ريال، مقابل 513 مليار للصادرات النفطية مشكلة بذلك 38.4 بالمئة من اجمالي الصادرات، مسجلة ارتفاعا عن نسبة السنة الماضية بـ34.3 بالمئة من اجمالي الصادرات، وهذا ما جعل الناتج المحلي الغير نفطي ينمو بـ 2.9 بالمئة خلال النصف الأول من سنة 2019، في حين يسجل انكماش للناتج المحلي النفطي بـ 1 بالمئة.

ورغم ذلك فإن هذا النمو لا يعكس رؤية ولي العهد والذي يريد من خلال مشروع رؤية المملكة أن ترفع صادرات المملكة الغير النفطية من 16 بالمئة من الناتج المحلي الخام إلى 50 بالمئة في حدود 2030، ورفع مساهمات القطاع الخاص من 40 بالمئة إلى 65 بالمئة، ورفع قيمة أصول صندوق الاستثمارات العامة من 600 مليار ريال إلى 7 ترليون ريال سعودي، بجعله أضخم صندوق سيادي في العالم، له القدرة على الاستخواذ على 3 بالمئة من الأصول في الأسواق العالمية، والعمل على تشجيع الاستثمارات الأجنبية في المملكة من خلال رفع مساهمتها في الناتج المحلي الخام 3.8 بالمئة إلى 5.7 بالمئة. بالإضافة إلى العمل على التركيز على فئة الشباب أصحاب المشاريع المبدعة والابتكارية من خلال العمل على تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومشاريع المؤسسات الناشئة، وتهديد هدف جعلها تساهم في 35 بالمئة من الناتج المحلي الخام، والعمل على تخفيض البطالة من 11.6 بالمئة إلى 7 بالمئة.

جائحة كورونا تؤثر على مشروع رؤية السعودية

إن مشروع ضخم مثل رؤية السعودية 2030، والذي سيغير التوجه الكلي للاقتصاد السعودي، والذي سيرفع من إنتاجيته ليدخل قائمة أقوى 15 اقتصاديات في العالم، يستلزم موارد مالية وبشرية هائلة من أجل تحقيقه، لا تستطيع الصناديق السيادية بقدراتها الحالية من توفيرها، ومع تناسب أحد أهداف المشروع (وهو التحلض من تبعية الاقتصاد السعودي لقطاع المحروقات) مع متطلبات التمويل، فإنه تم طرح فكرة توفير الموارد المالية من خلال التخلص التدريجي من عملاق النفط أرامكو، من خلال طرح أسهمها للاكتتاب العام التدريجي، مع توقعات أولية من إمكانية جني أكثر من 2 ترليون دولار مع نهاية عملية الطرح.

وفعلا هذا ما تم التخطيط له على مدار قرابة الأربع سنوات، فمنذ إعلان ولي العهد السعودي في الرابع من جانفي 2016 أنه يفكر في طرح الشركة النفطية على الاكتتاب العام، وصندوق الاستثمارات العامة يقوم بإعداد ثم تسيير عملية الاكتتاب، وهو ما تم فعلا في نوفمبر 2019 من خلال طرح 1.5 بالمئة من أسهم الشركة في اكتتاب عام أولي جمعت من خلال مبلغ 25.6 مليار دولار، وإن كان أبعد من يحقق آمال ولي العهد بتواجد قيمة الشركة 2 ترليون دولار، إلا أنه يعتبر أكبر طرح أولي في التاريخ ، متجاوزة الطرح الأولى لشركة علي بابا في بورصة نيويورك في سبتمبر 2014 الذي حقق 25 مليار دولار، ومباشرة بعد بدأ تداول أسهم ارتفع سعر السهم من 32 ريال إلى 35.2 ريال، لترتفع القيمة الاجمالية المحتملة للشركة من 1.7 ترليون دولار إلى 1.88 ترليون دولار وهو مستوى يتجاوز شركة Apple والتي وصلت إلى 1.426 ترليون دولار، ثم petrochina وalphabet وAmazon والتي بلغت قيمتها السوقية قبل أزمة جائحة كورونا حدود الترليون دولار.

ولكن ومع تفشي جائحة كورونا في العالم، وخاصة على كبريات الدول المستهلكة للنفط، والتي أدى بها إلى الإقرار بمجموعة من الإجراءات التقييدية لاحتواء انتشار الفيروس، وأثرها على القطاعات المستهلكة للنفط والغاز، كقطاع النقل بكل أنواعه، والانخفاض الكبير في استهلاك الكهرباء والغاز من جراء توقف نسبة معتبرة من المصانع في هذه الدول عن العمل، والابقاء على الصناعات الضرورية كالغذاء والدواء، وهذا ما أثر على ارتفاع المعروض من النفط والذي وصل إلى 22.6 مليون برميل في بداية أفريل حسب مؤسسة TRAFIGURA تاني أكبر مفاوض على عقود النفط في العالم، وعززه ذلك تفكك مجموعة الاوبك بلاس، لرفض روسيا تخفيض الإنتاج رغبة في تحطيم صناعة الغاز الصخري وأكبر منتجيها وهي الولايات المتحدة، وهو ما جعل المملكة تعمل على إغراق السوق بالمعروض باكتساح أكبر حصة في النفطية، وتغير استراتيجيتها من رفع الاسعار، إلى الاستحواذ السوقي، ما جعل أسعار الخام السعودي الخفيف من متوسط 56.84 دولار للبرميل إلى 24.81 دولار للبرميل في مداولات الأسبوع الأول من أبريل 2020، وهذا بعد رغم ظهور بوادر انفتاح الأزمة وطلب المملكة من مجموعة الدول المنتجة للنفط لعقد اجتماع لبحث سبل الخروج من الأزمة الحالية، واحتمال الوصول إلى اتفاق جديد بين كل دول منظمة الأوبك وروسيا والولايات المتحدة، بتخفيض محتمل للإنتاج من الأطراف الثلاث.

خلال هذه الفترة تراجعت قيمة أسهم شركة أرامكو من مستوى 38 ريال للسهم في 16 ديسمبر، إلى 27.8 ريال في 16 من مارس 2020، ولتفقد قرابة 544 مليار دولار من قيمتها، ثم لتشهد تحسنا خلال النصف الثاني من مارس إلى بداية أبريل لتستقر أسعارها عند 31.65 ريال للسهم، وهو تحت مستوى سعر الطرح الأولي، وهو ما يمثل مؤشرا سلبيا لمواصلة عملية طرح المزيد من أسهم الشركة، خاصة وأن هذا من شأنه تقويض ثقة الزبائن لشراء أسهم الشركة، وخاصة في الظروف الحالية، والتي حتى لو تم التوصل إلى اتفاق مع بين المنتجين لتخفيض المعروض من الإنتاج فمن الصعب القضاء على أكثر من 22 مليون برميل من الفائض، خاصة وأن هناك اليوم شركات تدفع من أجل تصريف مخرونها من النفط حسب مؤسسة TRAFIGURA.

وحتى مع نهاية الجائحة الحالية، فتوجد عوامل أخرى سوف تقوض ثقة الزبائن للاكتتاب في أسهم شركات النفط، ومنها تراجع استهلاك المنتجات النفطية لعوامل بيئية بحتة، خاصة مع ارتفاع الوعي في المجتمعات الغربية بضرورة مواجهة ظاهرة التغير المناخي والتوجه نحو الطاقات المتجددة في إطار التوجه الكلي لما يسمى بالاقتصاد الأخضر، وأيضا أثر التغير المناخي على استهلاك الغاز للعديد من الدول خاصة الأوروبية منها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة