كورونا دواء مجاني للشفاء من مرض التعود على النعمة

وصفوه بأنه مرض صامت ينخر أرواحنا بصمت، ونصفه بأنه مرض مزعج ينخر أرواحنا بصخب وضجيج يعكر علينا صفو استشعار فضل الله علينا ويضعنا في خانة قوله عز وجل "وقليل من عبادي الشكور" ويحرمنا من قوله سبحانه "لئن شكرتم لأزيدنكم".. فأي مرض أكثر فتكا على النفس البشرية من هذا المرض الذي له أعراض تديب الروح قبل الجسد؟ إنه مرض التعود على النعمة! مرض حرمنا من لذة الامتنان ولذة الشكر لله عز وجل على رأفته وأفضاله المحيطة بنا، مرض جعلنا نشعر بأن ما لنا وما معنا وما فينا وما حولنا هو لنا، وجزء من تكويننا!

فنشعر ونحن نتنفس لأننا هكذا ولدنا نتنفس! وأن عملية التنفس هذه هي فقط عملية جد بسيطة عبارة عن شهيق وزفير! متناسين غير مستشعرين بأنها تعمل من أجلها كل مكونات الجهاز التنفسي وذلك بأخذ الأكسيجين من الجو ومن تم إصاله إلى خلايا الجسم من خلال الدم، والذي يعود بدوره هذا الدم محملا بثاني أكسيد الكربون فيقوم الجهاز التنفسي بسحبه منه وطرده إلى الجو عن طريق عملية الزفير البسيطة تلك، وبما أن الجسم لا يمكن أن يخزن الأوكسيجين في داخله فإنه من الضروري تزويده بهذا العنصر الهام بشكل متواصل، حيث أن انقطاع وصوله للجسم لمدة ثلاث دقائق في المتوسط يؤدي إلى موت الإنسان..! كم هي مؤدية لعنة هذا المرض الذي حرمنا من استشعار طعم كل نفس حر دون أسلاك وخيوط وويلات ملتسقة بجسدنا الضعيف فقط لأجل أخد نفس اصطناعي والبقاء على قيد الحياة.

جاءت كورونا كصفة صفعت الإنسان من خديه صفعة على اليمين وأخرى على اليسار توقفت كل الخطط والأحلام كل المخاوف والهواجس كل شيئ توقف وبات على قيد الانتظار ينتظر الإشارة الخضراء للانطلاق

إلى أن هذه اللعنة امتدت وانغرست جذورها داخل أعماق حواسنا الإدراكية فبتنا نألف كل نعم الله علينا كأنها ليست بنعم بل حق مكتسب، فألفنها وصرنا نشعر بأننا نرى لأننا ولدنا بعينين.. ونسمع لأن لنا أذنين.. ونتحدث لأننا قادرين على التعبير.. ونمشي لأننا نستطيع المشي.. نأكل ويتولى فكنا مضغ الطعام ومعدتنا مهمة الهضم لأننا من المفروض والعادي أن نأكل ويأتي قوله عز وجل "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"..!

وبعيدا عن لعنة حق الصحة المكتسب المعشش برؤوسنا، جاء فيروس كورونا ليذكرنا ويسلب منا أشياء لم نكن نستشعر مدى أهميتها وآثرها الكبير والجميل في نفوسنا، لم نكن نحس بعظمة نعمة الدخول لبيتنا وعلى أهلنا ونجدهم بخير.. تسلم بالأحضان وتستنشق رائحة أمك وأبيك بدون خوف، لم نكن نحس بجميل الشعور عند الاشتياق لجدتك أو أحد أفراد عائلتك أو أصدقائك فتحمل نفسك وتذهب لرؤيتهم.. لم نكن نستوعب مدى جميل نعمة أن تحن لرؤية البحر فتحمل نفسك وتذهب للحديث قليلا مع أمواجه تشكو لها همك وتحكي لها عن حزنك فتستمع لحديثك دون مقاطعة فتحمل بسرك نحو أعماق البحر.. تنتهي من الفضفضة وتنظر لزرقة السماء وطائر النورس تتنفس بعمق وتعود لمنزلك في تمام عافيتك..

كم لنا أن نحصي أو نعد من جمال كل التفاصيل الصغيرة التي أصبحت كبيرة بحياتنا! كنا نعيشها وكأن هذا هو ما يجب أن يكون! لأن هذا حقك في الحياة! الجميع يبحث عن السعادة واختلفت الفلسفات في تحديدها ولم نكن ندرك أنها ها هنا محيطة بنا.. إلى أن أتت كرونا تحرمك فجأة من كل شيء كنت تحسبه بسيطا في نظرك وأصبحت فقط تتمنى لو تسترجع ولو جزء مجزء منه.

جاءت كورونا كصفة صفعت الإنسان من خديه صفعة على اليمين وأخرى على اليسار توقفت كل الخطط والأحلام كل المخاوف والهواجس كل شيئ توقف وبات على قيد الانتظار ينتظر الإشارة الخضراء للانطلاق.. وهي إشارة أن نسلم من الوباء ونظل في تمام صحتنا هي أن لا يصاب أحد من أفراد عائلتنا ووطننا وكل من هو فوق الكرة الأرضية وباء حرك المشاعر الإنسانية في كل بقاع الأرض ولم نعد نهتم هل المتوفى والمصاب عربي أجنبي مسلم أم يهودي أم ملحد فقط نتألم لأجله ونأسف على طريقة وفاته ودفنه.

استشعرنا نعمة أن نموت وقد قامت صلاة الجنازة علينا، استشعرنا عظمة أن تموت ويأتي من يطلب العزاء ويواسي عائلتك وأصحابك على فقدانك، استشعرنا نعمة أن يكون لك قبر يزوره كل محب لك في لحظة اشتياق ولهفة قلبه عليك، أستشعرنا نعمة الوفاة الطبيعية وليس بفيروس كورونا. أليس كورونا هو دواء مجاني لكل من يعاني من مرض التعود على النعمة؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

هذه الأزمة أبانت عن عنصرية مقيتة لا تزال تعشعش في أذهان الكثيرين، وكشفت الستار عن النزعة الاستعمارية التي لا زالت تشكل عند البعض الزاوية التي ينظر منها للآخرين بتكبر واستعلاء.

أظهرت الصور التي التقطتها وكالة الفضاء الأوروبية "إيسا"، لأوروبا وشمال إيطاليا انخفاضا ملحوظا في انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين، وهو غاز ضار ينبعث من محطات توليد الطاقة والسيارات والمصانع.

الأكثر قراءة