غذاؤك دواؤك.. ماذا نأكل؟

إن الدعوة إلى استخدام الطعام كدواءٍ ليست وليدة حضارة عصرنا المتأخر، إنما هي مبدأ إنساني راسخ لم يغِب عن البشرية ساعة، كما تنبهنا إليه المخطوطات والعادات التي قطعت سبيلها إلينا من الحضارة الفرعونية والإسلامية ودونهما في غير مصر من البلاد التي ما زال فيها أثرٌ حيٌّ ملموس من هذا الماضي المغبور، لكن الصراع الناشب بين دعاة هذا الجانب وغيرهم ممن يدعون إلى كل ما يخالفه قولًا وعملًا هو المركز الذي يقوم عليه الخطأ المنتشر، والشائع المأخوذ به بين الناس من عادات يُتوهم فيها الصحة، ويُظن بها النجاة من الأمراض، ولسنا بصدد التفنيد والوصف، فالقلم عن الخوض في ذلك يترفع لخط ما هو صحيح مثبوت، يعين على الفهم والعمل.

يحتاج الكائن البشري إلى الأُكسجين والماء والطعام بصورة أساسية، ويمكننا البقاء أحياء لمدة ثلاث دقائق بدون هواء فقط، ولثلاثة أيام بدون ماء، ولثلاثة أسابيع بدون طعام، ولأنّ الطعام أمر معقد، ومتنوع وهو هام لبقائنا، وصحتنا، دُرس على نطاق واسع ومنذ عام 1827م عندما اقترح طبيب بريطاني يُدعى ويليام بروت للمرة الأولى أن البشر في حاجة إلى ثلاثة مغذيات للبقاء، حاول الأطباء والعلماء معرفة إلى أي حد بالضبط ستُحسِّن كل من هذه المكونات صحتنا، وتتركز هذه المغذيات الكبيرة حول البروتين الحيواني منه والنباتي، والكربوهيدرات، والدهون على اختلافها وتنوعها، واللاتي يستخدمها الجسم مجتمعة في توفير الطاقة اللازمة للحياة، ويعمل على تخزين الزائد منها في صورة دهون.

الكربوهيدرات
من حسنات هذه الفترة الوعي بالفرق بين ما يسمى الدهون النافعة والدهون الضارة، فالدهون الغذائية يمكن تقسيمها إلى نوعين، الدهون المشبعة والدهون غير المشبعة، سُميت الأولى هكذا لأنها من الأحماض الدهنية المشبعة بجزيئات الهيدروجين

شاع الحديث عن الكربوهيدرات، في السنوات الأخيرة، وقد ظهر العديد من اتجاهات الحمية الغذائية التي تشجعنا على خفض السكريات بشكل جذري في طعامنا، حتى إلى درجة تحديد استهلاكنا من الفاكهة الطازجة، لكن الكربوهيدرات هي في الحقيقة عائلة واسعة جدًا من الأطعمة، بعضها يمكن أن يكون ضارًا لصحتنا على المدى الطويل وبعضها يمكن أن يدعمها، ويقويها، وواجبنا هو تعلم كيفية اختيار الأطعمة المناسبة ضمن كل صنف من المغذيات.

فالحبوب الكاملة والأرز البني والشوفان والكينوا وغيرهم يعتبروا من الكربوهيدرات التي تزود جسمنا بمصدر طاقة جيد، بل وجمعها في نفس الوجبة بكمية موزونة يجعل منها كنزًا هامًا من الألياف، التي تقلل من تحرر السكر من الطعام إلى مجرى الدم، وبالتالي خفض هرمون الإنسولين، من جهة أخرى، فإن الطعام الغني بالكربوهيدرات المكررة، مثل الخبز الأبيض، الصودا، سيؤدي لتحرر أكثر سرعة للسكر في الدم؛ استجابة لذلك سيحرر الجسم كمية أكبر من الأنسولين، الهرمون الذي يخفّض سكر الدم داخل أجسامنا، الأمر الذي يجعلنا عرضة أكبر لمرض السكر من النوع الثاني، مع مرور الوقت.

البروتين

إنَّ الأطعمة الغنية بالبروتين -النباتي منه والحيواني- قد تختلف كثيرًا من حيث الجودة والتاثير طويل المدى على صحتنا، وتعمل البروتينات كحجر الأساس فى أجسامنا، فمصادر البروتين الحيواني، كالأسماك والبيض تمدنا بجميع الأحماض الأمينية بتركيزات كافية لذا يطلق عليها مصادر لبروتين متكامل، على النقيض في هذه النقطة فمصادر البروتين النباتي كالفول، العدس، الفاصولياء هى مصادر لبروتين غير متكامل.

ولكن فى الحقيقة فإن الفوائد الغذائية لاستبدال البروتين النباتي بالبروتين الحيواني، بالتحديد لأيام قليلة لا تتجاوز الأسبوع تمحو مخاطر نقص الأحماض الأمينية الأساسية، غير أن المصادر النباتية للبروتين تحتوي أيضًا على الكثير من الألياف والقليل من الدهون، وخصوصًا الدهون المشبعة، مقارنة بالحيوانية، ويمكن أن تسهم الدهون المشبعة فى رفع مستويات الكولسترول إذا كنا نأكل الكثير منها؛ لذلك فإن الاعتدال فى تناول اللحوم الحمراء، على سبيل المثال خطوة هامة، وإذا كنت تفكر في اتباع نظام غذائى قليل الكربوهيدرات، غني بالبروتين من المهم أن تختار بعناية النوع الذي تستخدمه.

الدهون

من حسنات هذه الفترة الوعي بالفرق بين ما يسمى الدهون النافعة والدهون الضارة، فالدهون الغذائية يمكن تقسيمها إلى نوعين، الدهون المشبعة والدهون غير المشبعة، سُميت الأولى هكذا لأنها من الأحماض الدهنية المشبعة بجزيئات الهيدروجين، وهذا يعني أن أنها يمكن أن تتكثف معًا، والدهون الحيوانية كالزبد أقرب مثال لها، وفي المقابل، الأحماض الدهنية غير المشبعة أقل وجودًا للهيدروجين، وهي لا تندمج معًا، وأقرب مثال لها أوميجا 3، والمكسرات، وبذور الكتان، وغيرها من الزيوت النباتية، والأحماض الدهنية أوميجا 3 هي النوع الوحيد الذي لا يمكن أن يصنعها جسم الإنسان، لذلك هي أساسية لصحتنا، ونحن بحاجة لتوفيرها فى الطعام الذي نأكله.

ويمكن أن يصنع الإنسان دهونًا غير مشبعة، لكن المشكلة بالنسبة للمعالج كيميائيًا منها، أن الروابط الكيميائية بين ذرات الكربون أقل استقرارًا، لذلك تغير من شكلها، ومن هنا يأتى اسم الدهون المتحولة، والتي تمثل خطرًا كبيرًا على صحتنا؛ إذ تزيد من كمية الكولسترول الضار في الدم وتخفض كمية الكوليسترول عالي الكثافة، وهو النوع المفيد في الدم، و بذلك تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، لذلك يجب أن نتناول الدهون غير المشبعة الطبيعية مثل تلك الموجودة في زيت الزيتون والمكسرات والأفوكادو، وتجنب جميع الأطعمة التي تحتوي على الدهون المتحولة، والحد من تناول الأطعمة التى تحتوى على نسبة عالية من الدهون المشبعة كاللحوم الحمراء

العادات الغذائية

يكافح الكثيرون ليغيروا من عاداتهم الصحية المغلوطة، لكنهم سرعان ما يُصابوا بالضعف، والملل؛ إذ الأمر شديد، يحتاج إلى عزيمة، وإرادة، إليك ما قد يعينك على الاستمرار، بداية من المهم اتباع نهج تدريجي، لتغيير النظام الغذائي، وتحقيق النتائج المرجوة، فهي ليست مهمة، إنما نظام حياة يحتاج لأساس قوي، ثابت، والتغييرات الصغيرة كل أسبوع سوف تؤدي إلى تغييرات مستديمة أكثر، حدد مناطق مستهدفة للتغيير، مثل الأوقات التي تميل فيها إلى الأكل بشراهة كالمساء، يمكن لهذا أن يساعدك على تحديد تلك التغيرات التدريجية وتصل إلى خطة عمل محكمة، على سبيل المثال، في الأسبوع الأول ربما تقرر استبدال كل المشروبات المحلاة بالسكر، بالمشروبات الطبيعية كالنعناع أو الينسون، أو تناول الفاكهة.

قد تختار أن تتجنب اللحوم الحمراء أسبوعًا، وتتناول بدلًا منها البروتينات النباتية مثل الفول أو العدس في تلك الأيام، المهم أن التغيرات السلوكية وحدها جزء هام من خطة العمل التدريجية، فالتحسينات الغذائية المستديمة تتطلب نهج واقعي له هدف يركز على التحسن التدريجي في نظامك الغذائي بدون الخوف من الفشل الذي يأتي عندما تحاول تحقيق أهداف غذائية غير واقعية، ومن هنا تظهر الحمية الغذائية ودورها في العناية بما نأكل ونشرب، فكيف ظهرت؟ وما أشهر الأنظمة الموجودة هذه الأيام؟ وما موقف العلم منها؟ هذا ما نتناوله في المقال القادم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة