التباعد الاجتماعي وأزمة الإقصاء

من النظرة الأولى جعل فيروس كورونا كل الناس سواسية. فهو قادر على إصابة الجميع دون استثناء واعيائهم. من أكثر الاشخاص تعرضاً للخطر هم كبار السن وذوي الامراض المزمنة. رغم ذلك فإن المرض لا يميز بينهم ويصيب جميع فئات المجتمع وطبقاته دون استثناء. إن الفيروس لا يفرق بين غني وفقير، أوروبي أو إفريقي، عربي أم أعجمي. ولا حتى تهمه الهوية الجنسية للمريض. لقد خلق كورونا نوع من المساواة بين البشر عجزت عنها أكثر الأنظمة متطرفة كانت أم ديموقراطية.

 

بسبب وجود اشخاص حياتهم معرضة للخطر أكثر من غيرهم، فإن المسؤولية تقع على عاتق هؤلاء الأصحاء في أضعاف ومحاصرة هذا الوباء. إن الهدف من وراء ذلك هذا الجهد التضامني هو تسطيح مستوى المرض لتجنيب الأنظمة الصحية الانهيار، وتمكينه من معالجة المرضى بأفضل طريقة. ولتحقيق ذلك يجب تقليل اللقاءات بين الناس للحد الأدنى.

 

هذه الأزمة تستهدفنا جميعاً. لكن هل حقاً تستهدفنا كلنا في نفس الخطورة والدرجة. ألا يجب أن نكون حذرين عندما يقال في الإعلام أن الأزمة تستهدفنا جميعاً وتضعنا "كلنا" في عين الإعصار؟ أية فروقات تتم إخفاؤها؟ إننا نتعايش مع إجراءات الحد من المرض، التي من المفترض أن تتطبق علينا جميعا دون تمييز. لكن هذه الإجراءات سيكون لها تبعات تختلف من فرد لآخر. إن كورونا لا تجعلنا متساوين. على العكس فهي توسع الفروقات الاجتماعية وتزيد الظلم الاجتماعي. إن هذه الأزمة لا تغطي أزمات أخرى، على العكس فإنها تجعل أزماتنا الراهنة اشد وضوحاً.

 

في هذه الوضع ليس عندي أجوبة، وإنما أسئلة كثيرة. في هذا المقال المصغر أرغب في اظهار محاولاتي البسيطة لطرح اسئلة حرجة ومجنونة، اسئلة تجري عكس التيار، مع بداية أزمة كورونا تم تقليل قيمة حياة كبار السن أو المعاقين من خلال القول إن هذا المرض يصيب ويقتل فقط العجزة وذوي الاحتياجات الخاصة. "كبار السن سيموتون عاجلاً أم آجلاً، لقد أخذوا عمرهم وعمر غيرهم" هكذا اراء يتم قبولها دون التطرق إلى معانيها الخطيرة، ودون النظر للموضوع من زاوية أخرى، حيث يزاول هؤلاء أنفسهم وهم مصابون بأمراض معدية متعددة اعمالهم ويقابلون اشخاصاً قد ينقلون إليهم العدوى.

   

  

في صياغة الإجراءات المتعددة لمحاصرة الوباء لا يتم مراعاة حاجات الناس المتعددة ولا يتم سماع جميع الاصوات. كما رأينا في لبنان في حادثة الأب الذي جلس شاكيا باكيا عوزه وقلة حيلته. ان وباء كورونا ليس الا مناسبة جديدة لتعرية حكومات المنطقة التي لم تعرف من إجراءات الحجر إلا منع التجول وزرب الناس في بيوتها. دون تأمين أدنى متطلبات المعيشية. لقد تم اتخاذ هذه الاجراءات بكل اعتباطية. دون النظر إلى العمال المياومة الذين لا يملكون سوى قوت يومهم. لم يتم ضبط الاسعار ومنع الاحتكار من المتنفذين واتباعهم. في بعض الدول كسوريا قد تكون هذه الأعمال منظمة، حيث يتم استغلال هكذا فرص لتحقيق أكبر ربح ممكن من جيوب البسطاء.

 

المشاكل والأزمات التي خلقها كورونا هي أكبر بكثير مما يتم تداوله. لا يتم الحديث في الإعلام الرسمي أو الخاص على حد سواء عن مشاكل العنف الأسري. عن الناس التي كان الشارع هو متنفسها الوحيد للهروب من المنزل الذي لا يكاد يتسع لساكنيه. عندما يتم إجبار الناس على البقاء في بيوتهم. فإن الفوارق المجتمعية تظهر بين شخص يمتلك منزلاً مع حديقة أو تطاله الشمس. وبين بيوت تفتقر لأدنى متطلبات العيش الكريم.

 

إن هذه الازمة قد ضربت مجتمعاً قد جبل على العلاقات التسلطية بين أقرانه. في مجتمع يعيش بعض أبنائه في رخاء لا حد له، في أماكن محمية سواء من اللصوص أو من الجراثيم. بينما تعيش الأكثرية على الحد الأدنى في أماكن لا يمكن مراعاة أدنى حدود النظافة فيها. الأمل الوحيد هو أن يتم التعلم من هذه الأزمة وأن تنجب حلولاً للتباعد المجتمعي قد طال انتظاره طويلاً.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة