أربعة منابع تمنحك الطمأنينة

رغم طول الفراق وتباعد المسافات وتغير الأوقات ما زال صوتها المملوء بالطمأنينة والسكنية حاضرًا فى وجداني ومشاعري؛ إذ كانت تأتي كل يوم عقب صلاة الفجر، تتحين خروج المصلين من الصلاة، منطلقين نحو أرزاقهم كما تنطلق الطيور في البكور مسرعةً؛ تبحث عن الحَبِّ والماء لها ولصغارها، فهي لكبر سنها كانت على الأرض هونًا وسط الشارع الرئيسي في المدنية كمن يمشي على الرمال الناعمة، لا تحدث ضجيجًا، ولا تلفت انتباه أحد إلا العارفين بها، إذ كانت تنطق بعبارة واحدة فقط هي:

 

"هو الكريم، هو الكريم"؛ فينساب الناس نحوها زُمرًا كأنَّهم فَراش يطير بالليل قد وجد مزارعًا أشعل نارًا يستدفئ بها في ليلة شاتية، فيضعون في يديها "ما فيه النصيب" مما تجود به نفوسهم. وفى يوم من الأيام اقتربت من الست "أم أحمد"، ومددت يدي بما تيسر من مال، فأمسكت بيدي وأمطرتني بسيل جميل من الأدعية: "روح ربنا يكرمك ويفتح عليك من خزائن كرمه". رأيت في وجهها مسحة منيرة من الطمأنينة والرضا، وعندما ابتعدت عنها كان عقلي قد سقط صريعًا بين يدي سؤال خاطف هو: لماذا ينضح وجه الست أم أحمد ومن هم على شاكلتها من الفقراء والمساكين بالطمأنينة، بينما قسمات وجوه كثير من الأغنياء يعلوها القلق والتوتر؟! قادني هذا إلى التفكير في قيمة الطمأنينة، والبحث عن منابعها؛ فخرجت بجملة من الخواطر، وجدت أنه من النفع أن نتشارك فيها معًا:

 

أولًا: ربما أعطاك فمنعك
الإنسان الواعي بزمانه والمُدرك لتجارب الآخرين، يعلم أن للأمراض أسبابًا، وللغنى طرقًا وخططًا، وللصحة والعافية قوانين وسننًا، فعندما يطمح إلى حلم أو أمل يطرق أبواب أصحاب الخبرة والعلم

وجدتُ أن الذين يؤمنون بإله متعالٍ مطلق، متجاوز للوجود، ومتصفٍ بالكمال والجلال والجمال، والقدرة على الفعل، التي يسميها علماء الكلام "الإرادة"، تُسكَب الطمأنينة في قلوبهم ونفوسهم كما ينساب الماء في الدلو عندما يُدَلَّى في نهر متدفق، وهذا الإيمان بالغيب عاصم للمؤمنين وقت المصائب والنكبات؛ فهم يدركون أن لهم ربًّا عالمًا رحيمًا وحكيمًا يُدبِّر الأمر، وهو أرحم بهم من أمهاتهم، حتى لو لم يفهموا منطق المصائب، وأسباب الفقر والمرض الذي يطرق أبوابهم، بل إن بعضهم ليستعذب العذاب طلبًا لرضا الله الذي يؤمن به، و من أقوال هذا الفريق المطمئن وقت الشدائد قول العارف بالله أحمد بن عطاء الله السكندري: ربَّما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك.

 

ثانيًا: الكيس الفارغ لا يقف مستقيمًا

الفارغون من الأحلام والأهداف والمشاريع غالبًا ما يستولي عليهم القلق والتوتر والملل؛ كما في المثل الصيني المشهور: "الكيس الفارغ لا يقف مستقيمًا"؛ فعندما تغيب الرؤية عن أحدنا فلا يعرف إلى أين يسير، ولا ماذا يريد، ولا ما الذى يُسعده وما الذى يحزنه، سيقع حتمًا في بئر سحيقة من القلق والتوتر، حتى ولو كان مؤمنًا قديسًا يصوم النهار ويقوم الليل، فامتلاك الإنسان لحلم بسيط يسعى له أناء الليل وأطراف النهار من أسباب الشعور بالطمأنينة والسكنية، فالإنسان كائن مصمِّم، دون غيره من الكائنات؛ لأنه متطلِّع إلى المستقبل، ولا ينسى الماضي، وله إمكانات هائلة، عندما تتعطل ولا تستخدم في مشروع وطني جامع، أو حلم شخصي نافع؛ تضطرب نفسه، وتدب فيها مشاعر القلق والتوتر.

 

ثالثًا: وقل ربِّي زدني علمًا

الإنسان الواعي بزمانه والمُدرك لتجارب الآخرين، يعلم أن للأمراض أسبابًا، وللغنى طرقًا وخططًا، وللصحة والعافية قوانين وسننًا، فعندما يطمح إلى حلم أو أمل يطرق أبواب أصحاب الخبرة والعلم؛ فيقلل مساحة القلق والتوتر في نفسه مما هو مُقدم عليه، ويفسح بعمله هذا طريقًا للطمأنينة؛ لكى تسكن في قلبه؛ إذ الجهل بوابة واسعة للقلق وعدم الاتزان؛ فالمريض الذى لا يعرف نوع مرضه ولا يملك نظامًا صحيًّا في وطنه يتكفل بعلاجه لا شك سيكون قلقًا ومتوترًا وخائفًا على حياته، على عكس مريض آخر يعيش في وطن يكفل له الدواء والعلاج، فالعلم والمعرفة والنظم الاجتماعية القائمة على التراحم والتكافل يمكنها أن تقلل حجم القلق لدى البشر وتفتح في نفوسهم نوافذ الطمأنينة والأمل.

 

رابعًا: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا

من أعظم أسباب امتلاك الطمأنينة أن تنشرها بين الناس بالقول والعمل: بالقول بألا تنشر الأكاذيب والشائعات والهلع بين الناس؛ إذ إن هناك فرقًا بين نشر الوعي وترويج الهلع، وهذا قد لمسته بنفسي في ظل أزمة فيروس كورونا، فقد وجدت البعض يُسارع إلى نشر الأخبار الحزينة؛ مثل أعداد الوفيات والمصابين، ويتغافل عن نشر أعداد الذين تعافوا من المرض!

 

وبث الطمأنينة بالفعل بين الناس يتمثَّل في منح الفقراء والمهمشين فرصًا للعمل والثراء؛ فنقطع الحبل الواصل بينهم وبين بحور القلق على المعاش والحياة، فينبغي على كل راغبٍ في التمتع بالطمأنينة أن يبذل في مجاله ما يخفف به الأوجاع والهموم التي تقلق الناس وتفقدهم الاستمتاع بالطمأنينة والسكنية. كانت هذه خواطري الأربعة حول الطمأنينة، عسى أن تحدث مساحة من التفكير والتناقش حولها وفيها، ومن يجد لديه تجربة وخبرة في بناء الطمأنينة يتواصل بها هنا عبر التعليقات والإضافات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ماذا لو أغلقت الإدارات وتوقف الناس عن العمل. ماذا لو توقفت المصانع وانهارت أسهم الشركات العملاقة. وتوقف المضاربين بأموالنا وقوتنا وأحلامنا في البورصة مرة واحدة. واكتشفنا لذة البقاء في منازلنا.

من الناس من يرى سعادته بمال يجمعه، أو شريك يكمل حياته معه، أو منصب يصله، أو بلد يسافر إليه، لكن المال يفنى، والناس يتغيرون، فما سر السعادة الحقيقية؟

الأكثر قراءة