لماذا خجل كورونا من الأردن ولم يخجل من الحكومة؟

بينما كنتُ منتشياً وأنا أسير وحيداً بمركبتي الصغيرة على امتداد ذاك الطريق الذي تحفه أشجار الغابات المتناثرة على جنباته، كان شبه فارغ من المركبات تقريباً، منتصف الطريق الذي كان مرتعا للمتنزهين في السابق والباحثين عن سحر الطبيعة غير البعيدة عن ضوضاء المدينة شاهدتُ رتلا من المركبات الخصوصية كمركبتي وهي تتكدس أمامي وكأن الطريق قد أغلق قبل وصولي بقليل إلى تلك النقطة، كانت إحدى مركبات الشرطة قد وقفت هناك وأغلقت إحدى مسارب الطريق تاركة مسرب واحد للعبور لتدقق بتصاريح الخروج من المنزل التي يملكها السائقين كالذي حصلتُ عليه ليلة أمس وسَمح لي بالتنقل بين المحافظات من الساعة الثامنة صباحا وحتى الثامنة مساء من كل يوم بحكم عملي.
كان التدقيق على التصريح سريع جدا، فهو عبارة عن صورة عن التصريح محملة على هاتفي النقال أعرضها على الشرطي تُظهر أنني مستثنى من قانون الدفاع 2 و3 بالإضافة لإسمي بالكامل ووقت الخروج والمناطق المسموح لي التنقل عبرها، وفور أن أعرض الهاتف على الشرطي الذي كان واضحا أنه ملتزم بكل وسائل الوقاية من فيروس كوفيد-19 يقول لي، تفضل بالمرور حياك الله، تسائلت في مرة، متى قرأ كل تلك المعلومات وما أدراه أنها تخصني؟.

المهم أكملت المسير وبينما أنا كذلك، فجأة وحين انتهيت من الطريق الرائع وجدت نفسي وكأنني أصبحت في عالم آخر، عالم لم يكن ينتمي إلى البلد الذي عشت فيه طيلة شهر ونصف تقريبا في الحجر المنزلي، بسطات الخضار التي كانت بالعشرات بل ربما أكثر والتي كانت تغطي كل الأرصفة، سيارات البطيخ والشمام والأسكدنيا والبطاطا، صناديق البندورة والزهرة والذرة التي لا يمكن لك معرفة صاحبها بالضبط، فالصناديق المكدسة فوق بعضها كانت لا تفصلها المسافات لدرجة أنك تعتقد أن كل الكومات والبسطات على طول الأرصفة وكأنها تعود لشخص واحد.

نحن مقدرون تماما لإجراءات الحكومة التي كانت تبدو صارمة للغاية فيما يخص الحجر المنزلي، لكن العبرة في الخواتيم وفي كيفية إدارة الأزمة بحيث تأخذ بعين الإعتبار السواد الأعظم لأحوال الشعب الاقتصادية الذي يعتمد نسبة كبيرة منه على الدخل اليومي

لقد أصبح الأمر جنوني فجأة، خط طويل جدا من المركبات تسير ببطء شديد جراء زحمة السير التي كانت تعبر وسط بسطات الخضار والمارة والمتسوقين وأناس يحملون شتى أنواع البضائع من خضار وفواكه وأكياس بلاستيكية بيضاء وأخرى سوداء تحوي مختلف البقالة والمعلبات، لقد شاهدت أناسا يحملون الطاولات البلاستيكية على رؤوسهم ومنهم من كان يحمل فيما يحمل طائرة ورقية طبع عليها شعار نادي ريال مدريد الإسباني يبدو أنه جلبها كهدية لإبنه كي يطيرها عن سطح منزلهم، فسماء المدينة كان يعج بطائرات ورقية بمختلفة الألوان والأشكال، إنه موسمها رغم كوفيد-19، أثناء مسيري البطئ جدا خلال هذا الطريق الطويل شاهدتُ بعض المركبات تركها أصحابها في وسط الطريق تقريبا وذهبوا ربما للتسوق غير مكترثين أبدا بالزحمة التي قد يفاقمونها بتصرفهم الغريب هذا أكثر فأكثر.

لقد استغرق مشواري من أجل العمل إلى هذه المدينة قرابة الثلاث ساعات بينما قد يستغرق في أوقات أخرى نصف ساعة فقط جراء الزحمة الخانقة، في الحقيقة كيف سيفرق فيروس كوفيد 19 هذا بين الأناس الذين سجلت مؤسساتهم التي يعملون بها في الضمان الإجتماعي ومُنح تصاريح خروج لموظفيها وبين أولئك الذين لا يحملون تصاريح؟ الفيروس لن يفرق أبدا، هناك أناس خسروا وظائفهم ورواتبهم جراء الحجر المنزلي، وهناك مؤسسات وشركات أغلقت نهائيا وخرجت من سوق العمل جراء هذا الحجر، وكل ذلك يهون في سبيل إنقاذ البلد والشعب من تفشي هذا الوباء، لكن أن نكتشف في النهاية بأن الأمر بات يعتمد على من سجل في الضمان الاجتماعي ومن لم يسجل كي يعود إلى عمله ووظيفته وحياته الطبيعية لهو أمر الواضح منه أنه لا تربطه علاقة لا من بعيد ولا من قريب بمسألة فيروس كورونا هذا، خاصة في بلد الغالبية الساحقة من سكانه يعتاشون على الرواتب المنخفضة التي يتقاضونها من هذه المؤسسات الصغيرة، ونسبة كبيرة من الشعب يعملون أعمال حرة بأجر يومي.

كما أنني أكاد أجزم أن معظم سائقي المركبات يملكون تصاريح خروج ولا يخالفون القانون لأن مركباتهم ستتعرض للحجز في حال عدم حصولهم على تصريح، لكن أصحاب البسطات وسيارات الخضار هل يملكون تصاريح؟ أنا أقدر حاجة الناس للعمل فظروف المعيشة صعبة للغاية، خاصة في هذه الأوقات، لكن ما فائدة الحجر المنزلي الذي خرب بيوت الكثير من الأسر وجعلهم تحت خط الفقر بمراحل ونحن نجد الآن مدينة كاملة بهذا الشكل وكأنها حي مقتظ من أحياء بنغلادش أو بومبي الهندية؟ هل أن فيروس كورونا لن يذهب هناك وفقط هو سيتواجد في المناطق الذي يطبق عليها الحجر بصرامة؟

نحن مقدرون تماما لإجراءات الحكومة التي كانت تبدو صارمة للغاية فيما يخص الحجر المنزلي، لكن العبرة في الخواتيم وفي كيفية إدارة الأزمة بحيث تأخذ بعين الإعتبار السواد الأعظم لأحوال الشعب الاقتصادية الذي يعتمد نسبة كبيرة منه على الدخل اليومي، فالصناديق الوطنية التي تتلقى الآن التبرعات من أصحاب الخير من رجال أعمال وغيرهم عندما تصل مبالغها إلى مستحقيها يكون هؤلاء المستحقين قد تدهورت أحوالهم المعيشية لأشهر طويلة قادمة بينما كانوا ملتزمين بقرارات الحكومة، وهم ينظرون اليوم بعين الصدمة إلى كل إجراءات الحكومة التي باتت متوجهة تماما نحو تسجيل أكبر قدر ممكن من المنشآت في الضمان الإجتماعي، جميل جدا ورائع لكن ما علاقة ذلك بفيروس كورونا والسيطرة على تفشيه من أساسه؟.

فيروس كورونا يبدو أنه يخجل الآن من الشعب الصبور الجبار الذي يحب وطنه وسيضحي من أجله ولم يتوقع منه ذلك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة