الدكتور إبراهيم عبده أول أساتذة الصحافة وألذع كتاب المعارضة

الدكتور إبراهيم عبده 1913 ـ 1986 هو أول أساتذة الصحافة بالمعنى الأكاديمي المرتبط بالدرجات العلمية والوظيفية، وهو أول عمداء معهد الصحافة (كلية الإعلام فيما بعد) بالمعنى ذاته، وقد جاءت علاقته بالصحافة من هوايته التي بدأت منذ سنوات دراساته، فلما سجل رسالته اقترح عليه أستاذه أستاذ التاريخ الأشهر الدكتور محمد شفيق غربال أن يدرس تاريخ صحيفة الوقائع المصرية وما يرتبط بها من بدايات الطباعة في مصر، فأفاده هذا معرفة واسعة بالحركة الثقافية في القرن التاسع عشر، ومكنه بعد هذا من أن يتم كثيرا من الأعمال العلمية المرتبطة بهذه الحقبة من الزمان، ولم تكن الموهبة التاريخية ولا الأدبية ولا النقدية تنقصه، وهكذا برز اسمه مبكراً جدا كاسم كبير، وأصبح مستحقا لما وصل إليه فيما قبل الثورة من عمادة معهد الصحافة حين كان لا يزال في الأربعينيات من عمره. وعلى سبيل الإجمال فقد مارس الدكتور إبراهيم عبده الوظائف المدنية ولمع اسمه في الأستاذية الجامعية والصحافة وكتابة المقالات، كما أثبت نجاحاً بارزاً في النشر والطباعة، وأصبح في عهد الاشتراكية واحداً من أصحاب دور النشر والمطابع الخاصة الناجحة، ولا تزال كتبه الأولي بمثابة مراجع مهمة لدارسي الصحافة وتاريخها.

 

نشأته وتكوينه العلمي

تلقي الدكتور إبراهيم عبده تعليما مدنيا متميزا من ذلك التعليم الفائق الجودة الذي تلقاه جيله، ودرس في المدرسة الخديوية الثانوية ولمع في صحافتها المدرسية، كما تصادف أن زامل في أثناء مراحل التعليم كلا من مصطفى أمين ومحمود المليجي والزعيم أحمد حسين، وقد نال ليسانس الآداب من جامعة القاهرة (1935) من قسم التاريخ، وقد تخرج معه في الدفعة ذاتها: في قسم اللغة العربية الدكتور شوقي ضيف، وفي قسم اللغة الإنجليزية الدكتور رشاد رشدي، والأستاذة أمينة السعيد، وفي قسم التاريخ نفسه أستاذ التاريخ محمد جمال الدين سرور.

 

عين الدكتور إبراهيم عبده عقب تخرجه موظفا في جامعة القاهرة، وقد روي أنه عمل في قصر العيني وأسند إليه عميد الطب علي باشا إبراهيم عملا خفيفا مكنه من مواصلة دراسته، وسرعان ما نال درجة الماجستير (1940)، ودرجة الدكتوراه (1943). وبعد حصوله على هذه الدرجة عين مدرساً في كليته، وكان من مؤسسي معهد الصحافة، وتولي عمادته (1949)، ولمع اسمه في الحياة العامة وكان صديقاً لفؤاد سراج الدين الذي كان في ذلك الوقت بمثابة رجل الوفد القوي، ولمجموعة أخري من أقطاب الأحزاب السياسية من الذين تولوا الوزارة قبيل الثورة وبعدها ومنهم الوزراء نور الدين طراف، ومحمد فريد زعلوك باشا… إلخ، كما أتاح له الزمن نشأة علاقة عمل ببعض شخصيات الحركة النسائية المصرية، وقد تولي الجانب الإعلامي في بعض النشاط النسائي الناهض في تلك الفترة. وكان كذلك على علاقة ببعض رجال الاقتصاد، وقد كتب سيرة طلعت حرب باشا.

 

علاقته برواد النهضة
بعد وفاة الرئيس أنور السادات وعودة الوفد تحت اسم الوفد الجديد وصدور جريدة الوفد الأسبوعية بمجدها الصاعق والصارخ في ذلك الوقت عرفت الجماهير الدكتور إبراهيم عبده كاتبا للصفحة الأخيرة من الوفد

كان من الطبيعي أن يكون الدكتور إبراهيم عبده واحداً ممن شملهم الدكتور طه حسين برعايته وعطفه في معهد الصحافة الذي كان قد استقطب أستاذا آخر من جيل طه حسين هو الدكتور محمود عزمي، وقد ارتبط الدكتور إبراهيم عبده بهذين الأستاذين (طه حسين ومحمود عزمي) بروابط لا تقل في قيمتها العلمية عن ارتباطه بأستاذه محمد شفيق غربال.

 

وهكذا كان الدكتور إبراهيم عبده من أساتذة الجامعة البارزين عند قيام الثورة، وقد ربطته علاقات ودية بقادتها لكن فترة وفاقه مع هيئة الحكم الجديدة لم تستمر طويلا، وكان من الطبيعي والمتوقع أيضا أن يكون إبراهيم عبده من ضمن من ستخرجهم ثورة 1952 من الجامعة فيما عرف إجمالا بحركات التطهير. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإني ظللت أبحث [دون جدوى] عن القرار الذي صدر بإخراج هؤلاء الأساتذة تحت دعوى تطهير الجامعة، وبلغ من إلحاحي في هذا البحث أن أحد اساتذتنا قال إنه يحس بأن بيني وبين هذا القرار سر ما على الرغم من أني لم أكن قد ولدت يوم صدر ذلك القرار الذي شمل عدداً لا يستهان به من رموز الوطن، ومن العجيب أن السر الذي لم يكن ليخطر ببالي قد تكشف بعد ذلك أنني نفسي كنت أول من فصل من أساتذة الجامعة على يد حكومة الانقلاب العسكري في 2013 في قرار شمل معي الدكتور محمود عزت نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين مع أنه أستاذ متفرغ جاوز الستين.

 

وبعد خروجه من الجامعة في إحدى الحركات التي حدثت في أوائل عهد الثورة، انصرف الدكتور إبراهيم عبده إلى تدبير معاشه فأسس داراً للنشر باسم «مؤسسة سجل العرب للنشر» لتكون دراً للنشر والطباعة، وتولي إدارتها، وأصدر من خلالها مجموعات وسلاسل من الكتب المهمة، كما أصدر الموسوعة الذهبية للناشئين. وقد وُفق في هذا العمل إلى حد كبير.

 

نجوميته في عهد الرئيس مبارك

وبعد وفاة الرئيس أنور السادات وعودة الوفد تحت اسم الوفد الجديد وصدور جريدة الوفد الأسبوعية بمجدها الصاعق والصارخ في ذلك الوقت عرفت الجماهير الدكتور إبراهيم عبده كاتبا للصفحة الأخيرة من الوفد، وكانت مقالاته من أهم المقالات الصحفية في ذلك الوقت بل ربما كان مقاله أهم المقالات الأسبوعية كلها.. وقد وقع في صدام سريع مع وزير الإعلام صفوت الشريف فكانت النتيجة في غير صالح صفوت الشريف، بل ربما جاز القول إن كل ما وجه من سهام التجريح والنقد لصفوت الشريف بدأ في مقالات الدكتور إبراهيم عبده الذي حمل علي الوزير والسياسات الإعلامية في هذه المقالات بإصرار وذكاء وتكرار. وقد ظل الدكتور إبراهيم عبده لفترة طويلة، حتى وفاته، يحتفظ بقدرته على إبداء آرائه المعارضة والساخرة من عهد الثورة، وقد جمع كتاباته السياسية في كتب متعددة ذات عناوين متميزة حظيت بقبول واسع.

 

مذكراته

ربطتني بالدكتور إبراهيم عبده صداقة ثقافية بدأت بموقف شجاع ونبيل من قلمه الجميل، فقد كان أكبر مؤيد لدوري في تأسيس قسم الإعلام في جامعة الزقازيق بعد أن كان قد استجاب في مقال له لمن هاجموا قسمهم بسبب نزاعاتهم قصيرة النظر مع بعضهم البعض، فكتب بطريقته الساخرة: هل أتاكم نبأ قسم الإعلام بجامعة الزقازيق إذ يدرس الإعلام طبيب؟، لكنه صحح الأمر في المقال التالي مباشرة، وقد جعل عنوانه من حقه أن يرد، وأثنى على شخصي، فأنصفني بشدة وفي سرعة لم تكن متوقعة، وكان لهذا الرد أثره أيضا في انتباه المجتمع الأكاديمي إلى قيمة هذا الرجل الذي كان العهد بينه وبين وظيفته السابقة كعميد لمعهد الصحافة قد طال.

 

ثم توثقت علاقتي به حين كنت أعد كتابي عن "مجلة الثقافة" وكنت أمر به في مكتبه في سجل العرب فأستمع من تعليقاته الناقدة واللاذعة ما يتناسب مع صورته التي يعرفها الناس ساخراً في غير مواربة، وناقداً بغير تحسب. وقد نشر الدكتور إبراهيم عبده عددا من الكتب التي يمكن وصفها بأنها مذكرات حياة في مقدمتها كتابه "الناس معادن"، وفيه كثير من اللقطات التاريخية المهمة. وقد تدارست هذا الكتاب في فصل من كتابي «حدائق الجامعة: مذكرات خريجي جامعة القاهرة في عقدها الأول». الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007. فيما قبل ذلك فإنه لما بدأت مجلة العربي الكويتية نوعا من تواصل الأجيال من خلال حوارات منشورة يجريها أبناء الجيل الأحدث مع من سبقوهم في الجيل الماضي، أجرى الدكتور أحمد حسين الصاوي أستاذ الصحافة حواراً جميلاً مع الدكتور إبراهيم عبده نشرته المجلة في عام 1985.

 

من مؤلفاته التاريخية التي تكررت طباعتها:

ـ «تاريخ الطباعة والصحافة خلال الحملة الفرنسية (1798 ـ 1801)» (1940، 1948).

ـ «تاريخ الوقائع المصرية (1828 ـ 1942)» (1942، 1944، 1945).

ـ «تطور الصحافة المصرية وأثرها في النهضتين الفكرية والاجتماعية» (1944، 1946).

ـ «أعلام الصحافة العربية» (1945، 1948).

ـ «تاريخ جريدة الأهرام (1875 ـ 1950)» (1950).

 

ومن مؤلفاته بالاشتراك:

ـ «تطور النهضة النسائية في مصر منذ عهد محمد علي» (1946).

ـ «طلعت حرب» (1946).

 

كما ترجم:

ـ «أثر الشرق في الغرب» لجورج يعقوب (1946).

 

وترجم بالاشتراك مع بعض زملائه:

ـ «الحدود الشرقية للدولة البيزنطية» (1950).

ـ «العرب والروم» (1950).

 

مؤلفاته السياسية المعبرة عن الرأي والمعارضة

 ««نفاقستان».

ـ «الوسواس الخناس».

ـ «من النفاق ما قتل».

ـ «تاريخ بلا وثائق».

ـ «الثورة في متحف الخزف».

ـ «الديمقراطية بين شيوخ الحارة ومجلس الطراطير».

 

وله أيضا من كتب السيرة والخواطر:

ـ «الناس معادن»

ـ «في السودان» (1936، 1947).

ـ «حياة ثانية» (1933، 1945،1946، 1950).

ـ «في المصايف» (1934).

 

وله مجموعة من البحوث والمقالات منها:

ـ «لماذا أري اللاتينية من العربية» (1935).

ـ «صراع الأديان في بلاد الحبشة» (1935).

ـ «اللغات السامية» (1936).

ـ «أفلوطين» (1942).

ـ «خطابات تل العمارنة» (1942).

ـ «أبجد» (1943).

ـ «المستشرقون» (1943).

ـ «سليمان الحكيم» (1943).

ـ «في صدر الإسلام» (1943).

ـ «الأدب العبري» (1943).

ـ «حول الثقافة في عصر إسماعيل» (1947).

ـ «حديث الكتب: تاريخ الأدب السرياني» (1949).

ـ «باحثة البادية» (1949).

ـ «مؤتمر المستشرقين الألمان (1949).

ـ «الدخيل في اللغة العربية» (1950).

وله مجموعات مبكرة من المقالات في مجلة الهلال وغيرها من المجلات الثقافية.

 

وفاته

توفي الدكتور إبراهيم عبده في ١٩٨٦



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة