طالب الفرقة الثالثة

كان دخول جامعة القاهرة حدثا تغيرت معه آفاق المعرفة في حياتي، وتفجرت معه رغبة عارمة للنفس لتنهل كل ما تصل إليه من مدارك، ولم يعد من سبيل للرجوع حيث كانت الطفولة؛ بأحداثها المفعمة بالحركة والعمل، وكثير من الحب.

  

(1)

وفي كلية دار العلوم؛ كان الإحساس الأول الذي أرعبني، وجعل النفس تتوجس ما هو آت؛ أنني أضع قدما في عالم جديد وغريب، ولم أره في إعلام ما زال مستحيا في ذلك الزمان؛ فهيبة البناء، وفسحة الاستقبال، وتعدد الطوابق، وكثرة القاعات، وازدحام الطلاب في كل موضع يمتد إليك بصرك؛ كلها معطيات تفيق منها على دنيا جديدة تقول لك: "أهلا بالدرعمي الجديد".

 

ومن اليوم الأول، تشعر بالتغيير يسري داخلك بلا وعي منك، وتتشكل ملامحك وقسمات وجهك ومعجم كلماتك؛ لتصيغ عالمك الجديد الذي ببساطة يمكن أن تمايز فيه بين تلميذ المدرسة وطالب الجامعة، وبسرعة، وبلا إرادة، وربما بلا وعي أو سابق معرفة؛ تجد الطيور على أشكالها تقترب، وتتآلف، من البنين والبنات، فأصحاب اللحى النابتة يتعارفون ويتحابون، والباحثون على الانفتاح في رحاب الجامعة ودهاليزها يتسابقون، وحاملو الكتب والمذكرات يراقبون بعضهم بعضا، وبين هؤلاء جميعا لن تعدم فئة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وما زالت حائرة.

 

(2)

واجهني الأدب الجاهلي في المحاضرة الأولى، في دروس يقدمها أحد أعلام الجامعة والدراسات الأدبية الدكتور علي الجندي، رحمة الله عليه، وكان في عمر ناهز التسعين عاما، لكنه يتمتع بقدرات قل نظيرها في الشرح واستحضار الأمثلة وإيصال العلم، كأنه يروينا ماء سلسبيلا، وكان من المعروف عن الدكتور علي أنه لا يسمح بدخول أحد القاعة بعده أبدا، ويقف حارسٌ على الباب لتنفيذ هذه الرغبة، التي ما كان يجرؤ أحد على فعلها أصلا.

 

وفي أحد الأيام، فوجئنا جميعا بطرق على الباب، ودخول أحد الطلاب، ومع ذهولنا جميعا من جرأة هذا الطالب صعقَنا الدكتور علي بما لا نتوقعه أبدا؛ إذ رحب بهذا الطالب ودعاه باسمه، وأجلسه أمامه، ودارت العيون في مآقيها حائرة، متسائلة، مستغربة، وربما لم يعد أحد يستمع إلى ما يقوله الدكتور، فالمهم عندنا هو البحث عن إجابة لهذا الفعل الذي انتهك مقدسا، وأشعرنا بضآلة أحجامنا أمام ذلك الغازي الوافد.

 

وبعد أيام قليلة، لم يحضر طالب الفرقة الثالثة، وسأل أستاذنا: هل فيكم من يستطيع القراءة؟ فساد صمت للحظات.. من هذا الذي يمكنه أن يكون شجاعا لهذه الدرجة؟

ولم تطل الحيرة كثيرا، إذ نادى الدكتور، وقال: يا علي، تعال واقرأ هذه الأبيات، فقام علي الغريب، ووقف بجوار الدكتور على المنصة وأمسك مكبر الصوت، وقرأ أبياتا شعرية. وللإنصاف، كان أداؤه جيدا، متقنا، خبيرا بقراءة الشعر وأداء معانيه، والحقيقة أنني لم أمنع نفسي من الشعور بالغيرة من هذا الطالب، كيف وصل إلى هذه المكانة من أستاذنا أولا، ثم هذا التمكن من قراءة الشعر الجاهلي الذي ما زلنا نتلمس حروفه ولا نفهم معانيه؟

 

لكن الدكتور عرفنا عليه، وقال: علي زميل لكم في الفرقة الثالثة، وأنا أستعين به لقراءة هذه الأبيات، وتكرر الأمر بالطريقة نفسها أكثر من مرة، وأصبح شعور الغيرة من طالب الفرقة الثالثة مشتركا لدى أغلبنا؛ خاصة أنه كان يتعمد الدخول متأخرا، ويتباهى أمامنا جميعا، ونحن نكتّم الغيظ في صدورنا، ونبحث عن حل ننتقم فيه لكرامتنا المبعثرة مع كل دخلة لهذا "الطاووس".

 

(3)

وبعد أيام قليلة، لم يحضر طالب الفرقة الثالثة، وسأل أستاذنا: هل فيكم من يستطيع القراءة؟ فساد صمت للحظات.. من هذا الذي يمكنه أن يكون شجاعا لهذه الدرجة؟ من يمكنه أن يتسلق مسافة عظيمة ويقف بجوار الدكتور علي الجندي؟ من ذا الذي سيخاطر بنفسه ويكون عرضة للسخرية أمام أكثر من 300 طالب وطالبة؟ وفجأة، قطع الصمت "مسكين" ورفع يده عاليا يطلب الإذن بالقراءة، فطلب منه الدكتور أن يخرج إلى المنصة ويقرأ في مكبر الصوت، لكنه رفض وصمم على أن يقرأ من مكانه، وبدأ القراءة.

 

منذ الشطر الأول، تردد صوته في أركان القاعة، صوت قوي، ندي، نقي، عذب، مفعم بالمعاني والأحاسيس، يدخل للوجدان بلا مقاومة، ولا تمل سماعه، في هذه اللحظة، لم يهمني اسم هذا الزميل، ولا شكله، الذي لم تظهر ملامحه في زحام المدرج ورقة جسمه بين الطلاب، المهم أنه ظهر فارسنا، خرج غازينا، ولن يطرق بابَنا غريبٌ مرة ثانية، وأصبح زميلنا محمد عبد الهادي (وكان يحب أن نناديه بأبي ريحانة) قارئ الفرقة الأولى بلا منازع، وأرسل رسائل الثقة في نفوسنا قبل أن تصل إلينا معاني أشعاره وكلماتها.



حول هذه القصة

نال الدكتور إبراهيم رزقانة درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة عن «الجغرافيا التاريخية لشرق الدلتا» من واقع النصوص المصرية القديمة»، وقد نُقل أستاذا مساعدا بقسم الجغرافيا بجامعة القاهرة.

كان الدكتور رمضان عبد التواب واحدًا من أبرز علماء اللغة العربية في جيله، تميز بقدرات فائقة على الحفظ والاستذكار والجدل والتخريج والكتابة والتحقيق والأستاذية بمعناها الواسع، ورزق التفوق والألمعية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة