رمضان حزين وقلب بصير

رمضان بلا تراويح في المساجد وبلا موائد للرحمن وبلا حلقات قرآنية وبلا جمعات عائلية وبلا أي مظهراً من مظاهر الجماعة، واقعة ستظل عالقة في ذاكرتنا نحدث بها أحفادنا ما حيينا، حزن مسوغ مبطن أنظر اليه على أنه مؤشر لحبنا له فلطالما كان رمضان ما ميزه لنا نحن كمسلين على أنه قدسية لروح الجماعة ولعل ذلك بأننا حساسون لأي انتهاك علني قد يمس قدسية هذه الشهر لأن المسالة ليست مسألة شخصية أو كشعيرة مثل صلاة أو زكاة أو حج.. إنما هي مسألة التزام واظهار الجماعة ولعل ذلك بأن الله اختصه من بين جميع الشعائر فقال "إلا الصوم فأنه لي" ليس على الاستثناء! وإنما بمعنى "ولكن" بوحدة تجمع بين التنسك والسعادة بل حتى المتعة في حالات معينة.

 

هذا الحزن المسوغ الذي أطبق على قلوبنا مؤشر على صبغة خير مبطنة لتنوير بصيرة قلب غافل غابن ينتظر اليقظة، يقول ابن كثير "إنّ الله إذا أحب عبدا أنار بصيرته، ولا تستنار البصيرة إلا بالحزن فعندها يرى المرء حقيقة كل شيء، حقيقة نفسه، وحال قلبه وصحبته وأهله، حقيقة الدنيا على حالها، فيجعل الله من كل ذرّة حزن في نفس العبد نورا يضيء به بصيرته حتى يدرك هوان الدنيا برغم جمالها وحقيقة الأشياء.." فالبصيرة تأتي من قوة الإيمان، كما بين المولى عز وجل في قوله تعالى: "وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ" فقد اكتسبا البصيرة والنور من إيمانهما القوي بالله عز وجل. فمن يرزق البصيرة، يجد الوضوح فيما يجري من حوله، سواء من سنة الله النافذة أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة، كما قال تعالى: "قَد جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُم فَمَن أَبصَرَ فَلِنَفسِهِ وَمَن عَمِيَ فَعَلَيهَا وَمَا أنَا عَلَيكُم بِحَفِيظٍ".

 

وأي حزن أمسّ المسلمون أكثر من حزن خبر وفاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذهل المسلمون وهاجوا ولم يصدقوا، عمر بن الخطاب بذاته لم يصدق الخبر ببدايته وبدأ يحلف أنه محمدا ما مات والناس لا يحركون ساكناً لهيبته ومكانته، ولكن كان أثبتهم في ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين خطب فيهم قائلا: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا قوله عز وجل "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ". فقه اللحظة لسيدنا أبو بكر في تلك الحالة العصيبة كان متمكناً خارج المعهود لدى الأغلبية خارج المألوف، ببضع كلمات كان قد أحسن الموقف وضبط النفوس.

 

علّ المرء يفهم عندما يفقد، وعله يعي تلك الدعوة منه لنا لتجديد العهد معه ولتجديد الروح معه، فنحن فلا نريد بمعصيته مخالفته ولا الجرأة على محارمه ولكن ما هي إلا غلبات الطبع وتزين النفوس

فكان الأمر لا ينظر إلى المادة وإنما إلى المعنى له فالله يريد من المؤمنين أن يدركوا قيم شرائعه الأسمى، فتتنوع ابتلاءاته لحكم بالغة، وعاها من وعاها، وجهلها من جهلها. فكم في المحن من منح، وكم في المصائب من ألطاف خفيه! وكم من شارد عن ربه، يبتليه بحادث، فيكون ذلك الحادث سبباً في توبته ورجوعه، وكم من حادث أنجى من حادث أكبر منه! فما أدراك علها تجربة أن يعيش المسلم رمضان بعيدا عن الأشكال المألوفة المعهودة التي قد تخرجه في كثير من الأحيان عن مقاصده وأهدافه الحقيقية بل أحيانا تؤدي إلى عكس الحكم التي شرع من أجلها.

  

 "ولربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى            ذرعًا وعندَ اللهِ منها المخرجُ

كملت فلما استحكمتْ حلقاتُها        فُرِجتْ وكان يظنُّها لا تفرجُ "

 

علّ المرء يفهم عندما يفقد، وعله يعي تلك الدعوة منه لنا لتجديد العهد معه ولتجديد الروح معه، فنحن فلا نريد بمعصيته مخالفته ولا الجرأة على محارمه ولكن ما هي إلا غلبات الطبع وتزين النفوس والشيطان وقهر الهوى والثقة بالعفو ورجاء المغفرة وأستار الاستمرار. وهو يعلم أنّ ذنب عبده لم يكن قصداً لمخالفته ولا قدحاً في حكمته، أولم يعلم سيدنا آدم عليه السلام كيف يعتذر اليه "فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ". فبعض الاحزان والابتلاءات خلقت لتقربنا إلى الله أكثر! بعض من الوقت وستعرف المتعة حين ترى مفاتيحك بين يديك.. أليس سبحانه هو الخبير!

  

فكل حزنٍ سينجلي وسيبدله الله فرحا وسعادة وكل دمعة حارقة وكل تنهيدة وكل حزن وكل ألم اعتصر قلبك سيعوضه الله وسيكون الماضي حكاية تروى. أنت لا تعلم في أي طريق مخبأ لك الباب " وَكَانَ تَحْتَهُ كَنـز لَهُمَا " ولكن ثق أن الله سيقودك، فقط أطلق الدعوات وما أدراك على أن ذلك الحزن هو " المكان الذي يدخل منه النور إليك ".

 

"إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " كل ذلك هي نداءات اليقظة لوعي البدايات، أوثق مع الله الوشائج وابدأ واجرنا من خسارة النّية واجمع كلَك في كلِك.. واجعل ذاتك لغايتك.. بعدها ستنهمر عليك اللطائف، وتنغمر في المحبة وتطوف بك العناية الخفية من كل جانب. فما بعد الكرب إلا الفرج كالليل بعد الليل، لا شك فيه ولا ريب، فما عرف أن كربة استحكمت استحكاماً لا فرج معه، بل لابد من فرج سواء حسي أو معنوي " ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ .. " فبسم الله



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة