الفقدُ في زمن كورونا.. مصيبةٌ مُضاعفة

يتجمّعُ الأبناء حول شاشةِ الحاسوب الصغيرة، لا ليُشاهدوا فيلمًا جميلا يؤنسُ غربتَهم، أو برنامجا يفكُّ شيفرةَ مللهم، بل ليعيشُوا لحظاتِ تشييع والدهم إلى مثواه الأخير، لحظات كانتْ الأقسى والأمرّ على أبناءٍ لم يتوقعوا أنّ وباءً يجوبُ العالم سيحرمهُم من لحظة ضمّ والدهم وتوديعِه بالشّكل اللائق به، يخاطبُ الابن والدَهُ بعباراتٍ لم يسبقْ وأنْ قالها له، ويُخفي نحيبًا كحشرجةِ مَن التفّتْ به حبالُ المشنقة، بينما تحتضنُ الابنةُ أخاها باكيةً، مكسورةَ الفؤاد والخاطر بعد أنْ رحلَ السّند وغاب.

  

تبدو الصورةُ لقارئها مؤثرةً جدا، ولكنّها بالنّسبة لِمَن جرّبها مع أبٍ أو أمٍّ أو أخٍ أو عزيز، أكثرَ إيلامًا ووجعًا، فالفقد يشكّل بالنّسبة للمغتربِ أزمةً مضاعفة، فما بالك عندما يتزامنُ هذا الفقدُ مع وباءٍ اسمه: كورونا، عندها يتعدّى أن يكونَ طبيعيًّا في وقتٍ تعطلّت فيه أجنحة الطيران وعجلاتُ السّيارات، وزحمةُ الزيارات، ولم تبقَ سوى لغة التعاطف الالكترونيّ سبيلا للتخفيفِ من الوجع، ولم تعُد ثمّةَ وسيلة سوى النظر لألبوم الصور القديمة التي بنى عليها الغبارُ أعشاشًا، واحتضانِها بصمت، فلا قريبَ يواسي ولا جارَ يُطبطب ولا صديقَ يسامر، وحدَها الجدران تعرفُ آهات مَن بكوا مِن ساكنيها بحُرقة، ووحدَها الوسائد شاهدة على شلاّلٍ من دموعٍ أبى أن يجفّ.

 

المصيبة ُفي زمن الكورونا، مصيبةٌ بأجريْن، وألمُها بضعفين، وأرقُها لا تعادلهُ ليالي أرقِ العمر كلّه، يسترقُّ المفجوعُ منه النّظر إلى هاتفٍ يعجُّ برسائل المواساة، فيتجاوزُها ليبحثَ عن خبرٍ يبشّرهُ بأنّ المسّافات لم تعُد كما كانت، وأنّ الطرق المؤديّة إلى مقابرِ الأحبّة غدتْ سالكة، فلملمْ أغراضكَ في حقيبتك وانطلق، ولكنّه في لحظةٍ ما يعثرُ على فُقاعة ما إنْ تكادُ أصابعهُ أن تلامسَها حتى تنفجر في وجههِ همًّا وكمدًا.

 

  

تكمُن البليّةُ في هذا الفقد أيضًا، في كونهِ مصيبةً لا يسكنُ وجعُها مع الوقت، ولا يخفِتُ ألمُها بالشّكوى، ولا تخمُد نارُها بحبوبِ المواساة، فهو وليمةٌ دسمةٌ جدا من الذكريات الجميلة، والمُتعِبة، ونفقٌ طويل من النّكران واللّوم: "لو أنّي.. لمَا، لو أنّي لما".. حتّى يجدَ صاحبُه نفسَه مرميًّا في آخر النفق، تحيطُ به جروحه كَمَوجة، وتسحبُه معها لماضٍ تمنّى لو أنّه عاد، فاللّقاءاتُ المّؤجلة تحولّت لبرواز، ولغةُ التسويف تنكرّتْ في طِلاء أسود، ووراءَ كل بابٍ يختبئ صوتُ الفقيد عابثًا بجروحهم الهشّة.

  

أفتحُ هاتفي أنا الأخرى بحثًا عن خبرٍ مفرح، فيخرجُ أمامي تقريرٌ عن شابٍ فقدَ والدَه الذي أتى لزيارته في الغربة، ولكنّ القدر شاء أن يُصاب الأبُ بهذا الوباء اللّعين أثناءَ تلكَ الزيارة، بعيدًا عن وطنه، وأهلِه، وباقي أولاده.. يتصل الشّاب بوالدته ليُطمئنها بأنّ جثة أبيه لم تُحرَق، وأنّهُ رقدَ بسلامٍ في مقبرةٍ لم يتوقع أن يُدفن فيها يومًا.

  

الآن فهمت لماذا أصرّ الكثيرون على العودةِ لبلادهم بعد أن اجتاحَ المرضُ العالم، والآن فهمتُ أيضًا لماذا أصرّت صديقتي على أن تُجمّد جثتُها في حال خطفها المرض بعيدًا عن أهلها، مهما كلّفها ذلك من ثمن، صحيح أنّنا غرقنا وقتَها في ضحكةٍ طويلة، ولكنّنا تيّقنّا بأنّ حفرةَ الموت تبدو أكثرَ عُمقًا في الغربة، وأشدّ ضيقًا في زمن الكورونا.



حول هذه القصة

من أهم أسباب الشعور بالحزن المستمرّ، هو طرد الفرح من حياتك، حتى لو أتى إليكَ ضيفًا راجيًا مجاورتك، لطردته بعيدًا، وبالفعل، قد يبالغ بعض الناس في وصف أحزانه ونكبات حياته.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة