شعار قسم مدونات

قانون العفو يطلّ في لبنان من بوابة جائحة كورونا

blogs سجن رومية المركزي بلبنان

من الانعكاسات الإيجابية لأزمة فيروس كورونا في لبنان أنها أعادت إلى الواجهة مشروع قانون العفو العام من جديد، بعدما كان السياسيون ناموا عليه في أدراج. خاصة أن صلاحيته للاستخدام والاستغلال انتهت بانتهاء الانتخابات النيابية الماضية. فلقانون العفو تأثير السحر على الناخبين والمناصرين والمؤيدين لاستدرار عواطفهم الذين يريدون خروج أحبائهم من السجن. عودة قانون العفو العام إلى الواجهة هذه المرة، أرادت من خلاله السلطة ضرب عصفورين بحجر واحد.

 

الأول هو تخفيف الاكتظاظ والازدحام في السجون، خاصة في ظل جائحة كورونا التي في حال تسلّلها إلى السجون -لا قدر الله- فإن عدوى الفيروس قد تصيب آلاف السجناء. أما العصفور الثاني فهو الاستجابة لمطلب القوى السياسية التي كانت وعدت قواعدها الشعبية بأنها ستعمل على إقرار العفو العام وأخلفت في وعدها. فلعلّها فرصة قد لا تتكرر بأن تصدُق هذه القوى مع جماهيرها وتفي بوعد قد قطعته لها ولو لمرة واحدة.

 

ليس لأحد أن يفرض شروطاً على أحد. وإن كان من مصلحة للسلطة بإقرار عفو عام فليكن بالفعل عامّاً دون استثناءات، وإذا أصرّت بعض القوى على فرض استثناءاتها فلتكن هذه الاستثناءات مبنيّة على معيار واحد

مواقف الكتل النيابية والنوّاب المستقلين تنوّعت بين مؤيّد للقانون بالمطلق من منطلقات حقوقية وإنسانية وقانونية، وبين مؤيّد للقانون لكن شريطة أن يكون العفو على مقاس قواعده ومناصريه، ويرفض أن يكون على مقاس مناصري غيره، وفريق ثالث يرفض قانون العفو طالما أنه لن يفيده سياسياً وانتخابياً، فكان الخيار عرقلة إقرار القانون علّ ذلك يعزّز جماهيريته.

 

الأصوات الرافضة لإقرار القانون لا تعلن أسبابها الحقيقية، بل تُعلن موقفاً شعبوياً يدغدغ عواطف بعض اللبنانيين، ومفاده رفض إقرار عفو عن متهمين بالاعتداء على الجيش اللبناني. لا يكتفي هؤلاء بهذا الاستثناء بل يوسّعونه ليشمل كل من خطّط وشارك وحرّض على الجيش اللبناني.

 

إذا ما دخلت بالتفاصيل تجد أن أصحاب هذا الرأي لا يهتمون بالجيش وكرامته وأرواح عناصره، لكنهم يضعون نصب أعينهم قضايا وأحداث بعينها، ويرفضون أن يشمل العفو الذين تسببوا بهذه الأحداث. فإذا ما سألتهم هل يشمل العفو مثلاً عنصر حزب الله الذي قتل الضابط سامر حنّا على أرض الجنوب تجدهم عضّوا على شفافهم، وإذا ما سألتهم هل يشمل العفو الذين يتسببون بقتل وجرح عناصر من الجيش في مواجهات مسلحة في مناطق بعلبك الهرمل ومعظمهم ينتمون للطائفة الشيعية تدور عيونهم في محاجرها، وإذا ما سألتهم عن عملاء "إسرائيل" الذين قتلوا وعذّبوا مواطنين لبنانيين وخانوا وطنهم وعملوا لصالح عدوّ غاصب تجدهم يسارعون لتغيير الموضوع..

 

ليس لأحد أن يفرض شروطاً على أحد. وإن كان من مصلحة للسلطة بإقرار عفو عام فليكن بالفعل عامّاً دون استثناءات، وإذا أصرّت بعض القوى على فرض استثناءاتها فلتكن هذه الاستثناءات مبنيّة على معيار واحد غير مفصّل على قياس فريق أو جهة أو طائفة. فليس مسموحاً أن يتم استثناء المشاركة في الجرائم التي تتسبب بإشعال فتنة طائفية، التي تشمل الوزير السابق ميشال سماحة الذي كان ينقل متفجرات تسلمها من النظام السوري لتنفيذ تفجيرات متنقلة، ولا استثناء متهمين بارتكاب جرائم ترويع للآمنين، والتي تشمل أحد حلفاء حزب الله والنظام السوري المتهم بجريمة بتفجير مسجدين بمدينة طرابلس تسببت باستشهاد العشرات، ولا استثناء المطلوبين بمئات مذكرات التوقيف الذين يقتلون ويجرحون كل يوم ضباط وعناصر من الجيش اللبناني.

 

قانون العفو العام فكرة إيجابية تقوم على فتح صفحة جديدة، لكن إذا أراد البعض من هذا القانون الاستمرار ببثّ حقده وبغضه للآخرين فلا حاجة للقانون. وان كان من استثناء، فليشمل كذلك عملاء "إسرائيل"، وكل من سهّل هروبهم وساعدهم وساندهم، ولتتم محاكمة -مثلاً- كل من سهّل دخول العميل عامر الفاخوري إلى لبنان، وكل من فاوض لإطلاق سراحه، وكل من ضغط لإخلاء سبيله، وكل من تغاضى عن خروجه من السجن، فأرواح المقاومين الشرفاء التي أزهقها العميل عامر الفاخوري في معتقل الخيام ليست أرخص من دماء غيرها. ربما إذا طبّق هذا الاستثناء لقانون العفو، فربما لن نجد مسؤولاً في الدولة خارج السجن.