فيروس كورونا في مفارقة الرأسمالية والنظام الاقتصادي الحالي

في مقارنة بين إعصار ايفان الذي ضرب كوبا سنة 2004 وإعصار كاترينا الذي ضرب فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية، تتضح بعض التفاصيل المفاهيمية حول معنى الخطر والكارثة والضعف. كلا الاعصارين من الفئة الخامسة أي بسرعات الرياح تتجاوز 235 كلم/الساعة لكن في حصيلة الاعصارين لا وجود لوفيات في كوبا في حين 1836 قتيل و135 مفقود في الولايات المتحدة. في مثل هذه المخاطر المماثلة تفتح باب العواقب المعاكسة تماما. المفردات المتاحة لوصف هذه الظواهر الطبيعية الاستثنائية وعواقبها الاستثنائية يمكن أن تساعد في فهم ما يحدث حاليا في مواجهة هذا الوباء العالمي.

 

المفهوم الأول الخطر الطبيعي، والذي يعني الأحداث المناخية التي ليس لها تأثير على البشر في بداياتها (الفيضانات والأعاصير والثوران البركاني، وما إلى ذلك). وعلى الرغم من طبيعتها المختلفة، الا انه يمكن تعريف الفيروسات القاتلة في حالتها الحالية ضمن هذه الخانة من التعريفات ويمكن تعريف هذا المفهوم على أنه خطر وتهديد صريح للبشر. من جانب اخر يمكننا تعريف الضعف بالآثار المتوقعة لخطر ما على البشر والتي تعتمد على عدة عوامل كالكثافة السكانية والنظام الصحي، والقدرة الوقائية، وحالة البنية التحتية التي تمكن الدولة من الاستجابة بفعالية وسرعة. مفهوم الكارثة هو خطر تحولت إمكاناته إلى حقيقة وتعتمد عواقبه على الضعف.

 

التصدي والحرص على حل كارثة دون معالجة قضية الضعف هو عملية سياسية تعتمدها الحكومات لتبرئة ذممها من خلال إزالة الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لتفسير حجم العواقب والرجوع كليًا إلى طبيعة العواقب نفسها، ومنها تبني خياراتها الاقتصادية والسياسية، فحجم الكارثة يعتمد على كل من المستوى الاقتصادي للدولة قي وقت الخطر والقرارات المتخذة للتصدي له.

 

إذا استطعنا على المدى البعيد أن ننتظر حدوث تقدم في العلم بإحداث رقابة أقوى على المخاطر، فانه على المدى القصير فقط يمكننا القول ان تقليص الضعف يمكن ان يحد بشكل كبير من عواقب المخاطر أي منعها من التحول إلى كارثة أو الحد منها نهائيا. ولذلك يمكن اعتبار الوباء الحالي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) مؤشرا على الضعف فقد أوضحت التقييمات الاجتماعية الاقتصادية والعديدة من التحليلات التي أجريت في السنوات الأخيرة، أن الكوارث هي مؤشرات حقيقية للضعف البشري والإقليمي داخل المجتمعات والدول يمكن تقسيم هذه المؤشرات الى مجموعة من المستويات: درجة التعرض للمخاطر التي تضع حالة سياسات الوقاية من الأمراض في خانة الاتهام، انعدام المساواة الاجتماعية والقدرة على الاستجابة للكارثة التي تشكك في حالة النظام الصحي وبنيتها التحتية ووسائلها. بالإضافة إلى ذلك، تؤثر السياسات المتعلقة بقطاعات أخرى من الحياة الاجتماعية والسياسية على القدرة على التصدي كسياسة الإسكان، وسياسة الهجرة، وسياسة السجون، وما إلى ذلك. ولهذا السبب، يمكننا اعتبار أن وباء كورونا محلل للعولمة الرأسمالية على النطاق العالمي والدولي.

   

   

الضعف الجماعي، نتاج العولمة الرأسمالية

إن الأيديولوجيات المصاحبة للعولمة الرأسمالية مبنية على افتراضين متكاملين تم تناولهما مراراً وتكراراً من قبل الخطاب السياسي والإعلامي المهيمن لعقود. الأول هو تفوق الفرد على الهياكل. تتيح لنا هذه الفرضية إخلاء مفهوم الطبقة الاجتماعية وعدم المساواة الاجتماعية لصالح المسؤولية الفردية. لم يعد يُشار إلى عدم المساواة في الصحة والتطبيب على أنها عدم مساواة اجتماعية ولكن إلى الخصائص الفردية من ناحية والسلوكيات الفردية من ناحية أخرى. يعمل خطاب المسؤولية الفردية هنا لإخفاء مسؤولية النظام الاجتماعي، أي مسؤولية الحكومات وسياساتها. لإنه لا يزال الضعف الاجتماعي للسكان يُنظر إليه في حقيقته على منطق الفرد ومكانته في المجموعة. إذا كان من الواضح أن الوباء الحالي بسبب حجمه سيؤثر على جميع الطبقات الاجتماعية، فلا جدال أيضًا في أن المرض سيؤثر في المقام الأول على أكثر الطبقات والقطاعات الغير مستقرة.

 

الفرضية الثانية هي صدارة كل دولة على الهياكل التي تحكم العلاقات الدولية. يسمح لنا هذا الافتراض بإخفاء علاقات الهيمنة بين دول المركز المسيطر ودول الأطراف المستعمَرة. لم تعد نقاط الضعف الوطنية غير المتكافئة للصحة تشير إلى عدم المساواة الاجتماعية العالمية، بل إلى الخصائص المحددة لكل دولة (المناخ والكوارث الطبيعية، والثقافة، والديموغرافيا، وما إلى ذلك) من جهة، وإلى الخيارات السياسية من ناحية أخرى. إن خطاب المسؤولية الوطنية يعمل هنا لإخفاء وجود الاستعمار الجديد والإمبريالية. ومع ذلك، يكفي النظر إلى جغرافية التفاوتات الصحية في العالم لإدراك أنه يتداخل مع منطق المركز والأطراف. تظهر إحصاءات منظمة الصحة العالمية حول عدد الأطباء حسب الدولة في عام 2015 أن هناك 52 طبيباً لكل 10000 نسمة في النمسا، و42 في المانيا و39 في إسبانيا، و32 في فرنسا، وما إلى ذلك، والآخر نهاية السلسلة: طبيب واحد فقط في رواندا وأوغندا، 18 في الجزائر و7 في المغرب و8 في مصر كما تعد جميع المؤشرات الأخرى كعدد الممرضات، ميزانية الصحة، توافر الأدوية.. تصنيفات مماثلة.

 

ومع ذلك، فإن هذه النظرة ليست كافية لتقدير أهمية العولمة الرأسمالية لصحة الإنسان. بل يجب استكمالها بأخذ الاعتبار تدهور الحصول على الرعاية في المركز وفي الأطراف. إن العولمة الرأسمالية ليست هي الرأسمالية الكلاسيكية، بل هي رأسمالية تسلسل تاريخي دقيق تميزت بهيمنة الليبرالية المطلقة على القرارات السياسة الاقتصادية. كما أن سحب الاستثمارات من الدولة وخصخصة الخدمات العامة، بإخضاعها لسياسات التقشف ومنطق التكلفة ادى إلى زيادة الضعف في كل مكان. ففي بلد مثل فرنسا، زادت الرأسمالية العولمة وسياستها الاقتصادية الليبرالية المطلقة على مدى أربعة عقود من الضعف بشكل كبير. في القاموس الليبرالي للصحة يسمى "ترشيد العرض الصحي". وهذا يعني بشكل عملي إزالة 13٪ من أسرة المستشفيات العمومية. ان هذا الضعف المتزايد هو الذي تم الكشف عنه اليوم مع وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في عدم وجود أسرة الإنعاش وكذلك النقص الرهيب للأقنعة والاختبارات لإنه ليس بأي حال من الأحوال نتيجة لخطأ، ولكن من إحدى البديهيات الرئيسية للمنطق الليبرالي-الليبرالي، أي الإنتاج "في الوقت المناسب"، والذي يتكون من تقليل المخزونات لتقليل النفقات والذي يتعارض في نفس الان مع احدى نتاجات الرأسمالية نفسها بما يسمى بدولة الرفاهية كحماية الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وتعزيزها من صحة وتعليم.

 

سلطت أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الضوء على هشاشة السلاسل العالمية فعندما يتوقف الإنتاج في بلد معين، تتوقف السلسلة بأكملها على سبيل المثال، اعتماد الاقتصادات العالمية على الإمدادات الآسيوية لإنتاج الأدوية. لذلك من المحتمل أن تكون هناك عودة إلى السلاسل الإقليمية وقد يعد قرار تصنيع أزيد من 10000 جهاز تنفسي محلي الصنع في فرنسا خلال هذه الأزمة أحد تجلياته، فهذا يعني تصحيح مفهوم العولمة أو نهايتها من جهة ومن جهة أخرى يمكننا أيضًا القول أن تصحيح منطق التقشف في الميزانية وخاصة المتعلقة بالصحة، بإعادة تقييم الدور التنظيمي للدولة في السياسات الصحية والاجتماعية أصبح ضرورة ملحة لتصحيح تجاوزات الرأسمالية، فقد أدى هذا الفيروس إلى فهم أفضل لحقيقة أنه أصبح من العاجل تمتيع جميع السكان بالحماية الاجتماعية الكافية من تعويضات لائقة للبطالة، غطاء صحي وأنه لم يعد من الممكن، على الأقل للحظة، عقد خطاب ليبرالي حول الصحة، واحتقار الخدمات العامة، والثناء على القطاع الخاص، وحتى ببساطة تشويه تدخل الدولة.

  

أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) أدت إلى التشكيك في خيارات للرأسمالية النيو ليبرالية وحددت مكامن ضعفها، وتقويض أسسها. فهل الضرورة تقتضي بإصلاح شامل للنموذج الاقتصادي الحالي أو مجرد تصحيح لبعض تجاوزاته؟ إذا كان الوباء في الواقع محللًا للعولمة الرأسمالية ولسياستها الاقتصادية الليبرالية، فهذا لا يعني نهايتها، لكن قد يساعد في الإجابة عن سؤال ما إذا أصبحت التجاوزات هي قاعدة الرأسمالية النيو ليبرالية اليوم!



حول هذه القصة

أظهرت الصور التي التقطتها وكالة الفضاء الأوروبية “إيسا”، لأوروبا وشمال إيطاليا انخفاضا ملحوظا في انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين، وهو غاز ضار ينبعث من محطات توليد الطاقة والسيارات والمصانع.

هذه الأزمة أبانت عن عنصرية مقيتة لا تزال تعشعش في أذهان الكثيرين، وكشفت الستار عن النزعة الاستعمارية التي لا زالت تشكل عند البعض الزاوية التي ينظر منها للآخرين بتكبر واستعلاء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة