شعار قسم مدونات

الأمن الغذائي.. ماذا لو طال أمد الكورونا؟

blogs كورونا

بالنظر لكون العالم كله شبه محاصر! فإن مبعث القلق يتمثل في التساؤل: هل مخزون السلع والمنتجات الغذائية التموينية في الأسواق كاف ليغطي الاحتياجات الأساسية؟ وإن كان كذلك فهل توجد ضمانات لاستمرار انسيابية الغذاء والدواء في الوقت والمكان المناسبين، بعيدا عن حصول أية اضطرابات من شأنها إيقافه، وهذا يحتّم استشراف كافة الفرضيات وأسوأ الاحتمالات، وبالتالي اتخاذ جملة إجراءات لمواجهة أية تحديات طارئة، وبالأخص إذا طال أمد الأزمة ليمتد لنصف عام أو لعام كامل، ناهيك عن الطروحات التشاؤمية التي تتحدث عن الموجة القادمة من الفايروس بأنها آتية لا محالة، وهنا يتبادر للذهن سؤال مشروع متى سيتحرر العالم الثالث ليتخذ قراره بنفسه، وينال استقلاله الفعلي دون العودة للغرب، وهذا يعيد للأذهان الجدل القديم المتجدد الخاص بمسألة الاكتفاء الذاتي للشعوب، استباقاً لطروحات العجوز هنري كيسنجر ونبؤاته في سير العالم نحو خسائر اقتصادية وسياسية بصورة دراماتيكية.

لقد تكررت دعوات الأمم المتحدة لإنهاء الحروب وإقرار السلم العالمي، ولكنها ليست كافية بل ينبغي المطالبة بالتعاون بين الجميع بصورة فعلية ملموسة على أرض الواقع. ولذا فالمسؤولية الأدبية الأخلاقية تفرض على أمريكيا تحرير الدول الدائرة في فلكها القطبي، وإيجاد معالم طريق الخلاص لها بإجراءات وتشريعات زراعية تزودها بالآلات والتكنولوجيا على أقل تقدير، وتوطين النفس على التـأقلم مع الأوضاع الجديدة، والمصالحة والانفتاح الفعلي الذي يفرضه التحدي القادم الذي يستهدف الجميع.

من المعلوم إن إنتاجنا العربي الخضري مؤمن بسبب الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، بل ولدينا فائض إنتاجي يتم تصديره للخارج، أما بالنسبة للدواجن وبيض المائدة واللحوم الحمراء فهي بالكاد تكفي للاستهلاك دون التصدير، في حين يتواضع الانتاج السمكي في السعودية وعمان والعراق والصومال، إلا أن موريتانيا والمغرب ومصر تصدر جزءا من انتاجها السمكي للخارج، وأما بشأن الثروة الحيوانية فالسودان وموريتانيا لهما حضورهما الكبير، وتصل أعداد الأبقار والجواميس والأغنام والإبل في الوطن العربي ككل إلى 350 مليون رأس وفق إحصائية عام 2017، وهي أعداد ضخمة لكن ضعف وتخلف أساليب التربية والإنتاج والتصنيع تقلل من المكاسب، وفيما يتعلق بزيت الزيتون والحبوب فتونس تسيطر على تجارتهما ونصف أراضيها مزروعة بالحبوب، والثلث الآخر بمحاصيل أخرى، وتصدر زيت الزيتون والحمضيات للخارج.

النشرات الإحصائية الصادرة عن صندوق النقد العربي عام 2019 تبين أن حجم التجارة العربية قرابة 2 مليار دولار، في حين تبرز مشكلة الفجوة الغذائية، التي تتمثل في الحبوب، وإن كانت صادرات الخضار والفواكه تصل لمليارين ونصف دولار

ولكن ينبغي التذكير بعد هذا التفاؤل بأننا نستورد ما نسبته 60 في المئة من احتياجاتنا الغذائية، صحيح أن كثير من بلداننا لديها مخزونات كافية من السلع الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية، إلا أن نقص القمح يعد مشكلة لمصر، وإن توفرت لديها السلع التموينية والأساسية، فهي تستورد ما يزيد عن نصف استهلاكها القمحي، وما يزيد خطورة المسألة نوايا أثيوبيا المتعلقة بمياه النيل في هذه الظروف الدقيقة، وهو ما يعد عملاً حربياً على مصر والعرب عامة، فلابد من تأجيل ملء الخزانات الأثيوبية، واستمرار التأزم قد يفرض على مصر خوض غمار حرب سريعة خاطفة بالنظر إلى الظروف الاستثنائية المعقدة، التي لا تحتمل إيقاف سير مياه النيل.

وتعد مصر أكبر منتج ومستهلك ومستورد للحبوب في عالمنا العربي، وأرقام منظمة الفاو تبين أننا ننتج 5 في المائة من القمح العالمي، ونستهلك 20 في المائة منه، وتسعة من دولنا تستورد ثلث الاستيراد العالمي بمعدل أربعين مليون طن من القمح، وتحتاج مصر لوحدها لقرابة 13 مليون طن سنوياً، والجزائر إلى 7 ملايين طن، وتونس إلى قرابة مليوني، ومن المحزن أن نستذكر كيف أرغمت السعودية على التوقف عن انتاج القمح الذي كان واعداً، بسبب استنزاف مياه الطبقات الجوفية. وبالنسبة للسودان التي نعلق عليها آمال كبيرة، فإنتاجها القمحي والخضري يقارب احتياجاتها، ولديها سلع أساسية أخرى، وأكبر المساحات المزروعة تتمثل في أراضيها، وثروتها الحيوانية الضخمة، ولكن المعيقات تتمثل في قلة الانتاجية بسبب ضعف السلالات وضعف التغذية والأساليب البدائية. والعوامل السياسية.

الاكتفاء الذاتي وحقائق في وجه صانع القرار:

يعرف الاكتفاء الذاتي بأنه القدرة على إنتاج جميع الاحتياجات من خلال الموارد والإمكانات الذاتية، ويعتمد على إجمالي السكان والقوى العاملة ومقدار الناتج المحلي ومتوسط نصيب الفرد، والأراضي المتصحرة أو المهددة بالتصحر، وهي ثمانين في المئة من المساحة. وعندما نتحدث عن الاكتفاء الذاتي نجد أنفسنا ملزمين بالتحدث عن نسبة الإنتاجية وهي كالتالي: القمح العربي وهي قرابة 4 في المئة من الانتاج العالمي، بمعدل ثلاثة وعشرين مليون طن، و6 مليون طن من الأرز و60 مليون طن من الخضار، و37 ميلون طن من الفواكه و7 مليون طن من التمور، 10 مليون طن من اللحوم والدواجن، و28 مليون طن من الألبان، ومليوني طن من بيض المائدة و5.5 مليون طن من الأسماك، والصادرات بمجملها تصل إلى 27 مليار دولار من السلع الغذائية وهي نقطة فخر.

النشرات الإحصائية الصادرة عن صندوق النقد العربي عام 2019 تبين أن حجم التجارة العربية قرابة 2 مليار دولار، في حين تبرز مشكلة الفجوة الغذائية، التي تتمثل في الحبوب، وإن كانت صادرات الخضار والفواكه تصل لمليارين ونصف دولار، وتؤكد الإحصائيات أن الأرض الصالحة للزراعة تزيد عن 220 مليون هكتار، والمستغل منها قرابة 33 في المئة! وبخصوص الموارد المائية فإن العجز هو السمة الواضحة مما يخلف تدني انتاجية الحبوب، والعامل الآخر وهو تخلف التكنولوجيا في المناطق المطرية، وانخفاض انتاج القمح العربي دون المعايير العالمية، باستثناء مصر التي تصل انتاجيتها للهكتار الواحد إلى ستة ملايين طن، وهذا الارتفاع يعود لأن الزراعة لديها مروية، في حين تتذيل بقية دولنا قوائم الانتاجية بنسب متدنية قطعا، وكذا الحال بالنسبة للذرة، في حين ترتفع انتاجية الهكتار من قصب السكر.

وفي النهاية فليس من المناسب التفاخر بكوننا سلة الخبز للامبراطورية الرومانية، فمنذ مطلع القرن الماضي انقلبت الأمور نتيجة للنمو السكاني وظهور النفط والتدخلات الاستعمارية، مما تسبب في الفجوة الغذائية، ونجد أنفسنا اليوم مطالبين بالتعلم من أخطاء الماضي وأزمة الغذاء العالمية عام 2007 لنعيد النظر في الخطط المتعلقة بالأمن الغذائي، وضرورة السعي للوصول للتكامل العربي، وتعزيز الأمن القومي الغذائي مع تفعيل الانتاج المحلي. وهذا يفرض على الحكومات العربية تفعيل التعاون الحكومي المنفتح على القطاع الخاص، لتأمين مخزون آمن، وبداية الترويج للنهج الزراعي البيتي، ووقف التصدير للدول الصديقة مع كل أسف في بعض الحالات. ورفع تقنيات التكنولوجيا الزراعية، التي تساهم في التقليل من ارتفاع الفاقد أثناء الانتاج وفي مراحل الحصاد والتخزين والتصنيع والتعبئة والتوزيع.

ولعل في مقدمة ذلك تحرير التجارة العربية البينية لتتجاوز 27 مليار مقارنة بالأرقام الهائلة مع العالم الخارجي، وإلغاء الرسوم الجمركية طالما لم تتوفر سلع وطنية مماثلة، والارتقاء بعمل مناطق التجارة الحرة، وتشريع إعفاءات ضريبية طويلة الأمد تصل لعقد. إن الأزمة التي نمر بها ليس لها من دون الله كاشفة، وقد باتت العودة مطلوبة إلى اقتناء الثروة الحيوانية البيتية والعودة للماضي بكل تفاصيله الجميلة، ليبقى الخبز البيتي المنتج بالأفران كأفضل تعزية للنفس، فالإنسانية ككل تتعرض لتحدٍ وجودي لا حدودي، ونعود للتذكير بأننا مطالبون بتخفيض نسبة الاستيراد السلعي والغذائي ليكون دون خط الستين في المئة.