شعار قسم مدونات

إكسير الشباب

BLOGS تفكير

"وصفات منزلية لبشرة أجمل وأكثر شبابا"، كتاب باللغة الفرنسية استعرته من مكتبة بلدتي العامّة المتواضعة حين كنت في الحادية عشر من عمري. الكتاب كان حول الاعتناء بالبشرة من الرأس إلى أخمص القدم. إنّ هوس الكبار وأحاديثهم التي لم أسلم منها حول عقاقير التجميل الصناعيّة والوصفات الطبيعيّة، وشعورهم بالثقة عند اندهاش أحدٍ ما بعمرهم وسماع ثناء آخر عن فتوّتهم، حثّني على الاكتراث بالبشرة والجمال. جدّتي، التي كان لها أثر عليّ، تستغلّ كل عقار للحفاظ على بشرتها وتراها كالفراشة تتجول من مرآة لأخرى تغازل نفسها.

يخاف ابن آدم خطوط السنين ويقلق من ضياع فتوّته، ويصادق ذلك فكرة ضعف القدرات الجسدية والعقلية وقلّة الحيل والمرض، وفي النهاية الموت. يقلق على مسؤوليته الاجتماعية كما ونظرة المجتمع له، خاصة من الجنس الآخر. لكن لمَ يتمسّك الإنسان غالبا بالفتوّة الشكليّة والجسديّة وحسب؟ ويتدنّى الاكتراث بالفتوّة والصحة النفسية؟ فترى العيادات والمحال التجميلية كخلايا النحل تزمجر بالزوار، وليس سرًّا أن السلام النفسيّ هو المثير الأوّل لجاذبية الإنسان. من هنا، ماذا لو وشيت لكم بسرّ يشفي غليل كلّ مشتهٍ لصَون صباه من الباطن والظاهر لأطول مدة ممكنة؟ وماذا لو أنبأتكم بأنه متاح للجميع؟

إنّ الصبر على ارتقاب أمر نرغب به يمرّن الجسد على التحمّل، إلّا أنّ الثمرة الأعظم تعود على النفس. إنّ الترقّب يهذّب النفس، ويروّضها على التأقلم، ويعوّدها على الرّضا

في حرم العلم، يتبارى العلماء لتحقيق تسجيلات جديدة في مرمى الاكتشافات والاختراعات، وأحذقهم ذاك الذي يدمج بين حاجة العلم ورغبة البشر. فعلى إحدى منضدات مختبر في جامعة هارفارد، تمكّن البروفسور "ديفيد سينكلير" أخيرًا من اكتشاف مفتاح بيولوجي لحياة يافعة لأطول حين ممكن. ولست أغالي إن أبلغتكم أن أثر اكتشافاته جليّ على مظهر ديفيد "الفتيّ". أشار البروفسور إلى ما سمّاه "دائرة النجاة" (survival circuit)، وهي منظومة في خلايا الجسد البشريّ وجميع الكائنات الحية، تساهم في الحفاظ على حياة صحية ووجه صبيّ وجسد قويّ. كلّ ما عليك فعله هو إجهاد جسدك وحرق سعرات حرارية أكثر! تذكّر معي تلك اللحظات؛ شعورك بأنّك تلفظ أنفاسك الأخيرة خلال ممارستك للرياضة، وارتعاش الجسد تحت المياه الباردة وتفعيل محرّكه الحراريّ، وطرده السموم بتعرّقه في غرفة السونا، جميع ذلك يزن ذهبا. لكنّ "سينكلير" رأى في الصيام وجوعه تاجا لتلك الممارسات.

الصيام بالطبع ليس اكتشافا ولا ممارسة عصرية، إنّما تواجد منذ آلاف السنين. فرضته الأديان وتحدّث عنه الفلاسفة، فقد ورد في الأثر "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع"، وقال أفلاطون: "أصوم لكفاءة بدنية وعقلية أكبر". كما يؤخذ كشكل من أشكال المناصرة والضغط السياسي، وقد مارسه غاندي كفلسفة Satyagraha أو "الإصرار على الحقيقة"، كنوع من المقاومة السلمية أو المدنية.

صوموا تصحوا

ولو كان بمقدوري وصف ترياقٍ منفردٍ كدرعٍ واقٍ ودواءٍ معالجٍ لانتقيت الصيام. تحدّث العلماء والفلاسفة على مرّ التاريخ عن عروة وثقى بين الجسد والنفس والعقل. هذه الصّلة تتجاوز تأثير أحدهم على آخر، وتمتدّ إلى عمل الأطراف واستجابتها بتناغم لنمط حياة الفرد. وما الذي يمنع احتواء نظرية "دائرة النجاة" في سياق النفس والعقل البشريّين، كنهج لإبقائهما في شبابهما وإيقاظ الإمكانات البشرية النفسية والعقلية؟ ومن ثمّ بالنظر إلى العلاقة المتبادلة بين ثالوث الجسد والنفس والعقل، يكون العنصران الأخيران محرّكين أساسيّين للإمكانات البشرية الجسديّة، بما أن قرارات الإنسان هي منتجات عقلية ونفسية.

وإن أردت توظيف مصطلح لخدمة المعنى، لاخترت "صيام النفس". هذا الصيام يتمّ من خلال إمساك النفس المتقطّع عن مزاولة رغبات وملذات لمقاصد متنوعة، قد تكون ضارة أو ضارّا التعلّق بها. الملذات الضارة تحوي الممارسات التي فيها أذى نفسيّ او اجتماعيّ او حتى جسدي؛ يتسنّى لك الإحجام عن تناول السكر في الطعام لثلاثة أشهر أو الامتناع عن استخدام مساحيق التجميل لشهر أو حتى الكفّ عن الشكوى والتذمّر لأسابيع. تطول القائمة مع وفرة الممارسات الضارة التي نعي والتي لا نعي لها، وينشأ تواتر حقيقي بين النفس والجسد. إنّ ردات الفعل النفسية والجسدية الإيجابية تعين الإنسان على الامتناع الكامل عن الضير وتبعده عن هالة الإدمان. كما أنه بالإضافة إلى المنافع الخاصة بالابتعاد عن كلّ من هذه العادات، تعود عليها أيضا ثمرة مبدأ الصيام بحدّ ذاته.

أمّا الملذات الضّار التعلق بها، فيترتب على أيّ أمر يمكن للنفس او الجسد إدمانه، كاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الالكترونية، حتى بعض الأمور الصحية مثل ممارسة التمارين الرياضية وتناول الطعام الصحي. هناك من يصوم عن الكلام -التجربة التي دائما ما كان صداها إيجابيا ومغيّرا- فنحن ندمن الكلام ونتوق للتعبير عن أنفسنا وأفكارنا، وذلك يستهلك طاقة كبيرة ويعرّضنا للوقوع فيما يسمّى بزلات اللسان بشكل أكبر، كما أنه يفوّت علينا فرص الاستماع في كثير من الأحيان. والصيام عن الكلام لأسابيع عرف بأنه يوطّد علاقة الإنسان بنفسه ويفسح المجال له للتفكر والتأمل والتعلّم، كما يخلق مناخا هادئا ويمرّن الصائم على التفكير قبل الكلام. وهناك ظاهرة التعلّق بالأشخاص، حيث كثيرا ما تبنى العلاقات الاجتماعية على أمور مذبذبة مثل الحاجة والمصلحة المادية والعاطفية، كما على التوقعات وانتظار المردود والرغبة في برمجة الشخص المقابل حسب رغباتنا. لا يوحي أي من تلك الأمور بالاستقرار والواقعية والصدق. العلاقات الصلبة هي تلك التي تبنى على الحبّ وليس التعلّق، وعلى العطاء وليس الأخذ، وعلى التقبّل وليس السيطرة. الصيام فيما يخص العلاقات ينطوي على ممارسة العناصر الأخيرة وبناء الهويّة الذاتية المكتفية.

التعويل على الصيام كنهج في الحياة ليس سهلا، لكنه يسهم في نهضة الذات الإنسانية، وفي إدراكها لنفسها ومحيطها، ليتناهى إلى التحرّر من القيود الفكرية والنفسية والجسدية، حيث يلتهم التفكّر مساحة أكبر من وقته

التوازن ثمّ التوازن. ربّما تجد أيها القارئ أنّ ما تحدّثت به يتجاوز الواقعية ويكاد يكون مثاليا. لا حرج في هذا التفكير لأنّني أوافق عليه، فللذات الإنسانية حاجات فيزيولوجية ونفسية، وعليه فإن الإنسان بحاجة إلى كسر القواعد والنزول عند رغباته، كما والاستسلام أحيانا للتوق إلى الاهتمام في علاقاتنا. إلا أن الألم يحصل عندما يكون ذلك الحالة السائدة وليس الاستثناء.

ماذا أيضا؟ عقد بعد آخر، يتجه المجتمع شيءا فشيءا نحو الأخذ بالحلول السريعة واجتناب كلّ ما يكلّفه جهدا وسعيا، وقرارات وممارسات الإنسان غالبًا ما تكون مناصا من الألم الحاليّ أو إشباعًا لحاجة آنيّة. وهنا ندرك أهمية الصيام عن الملذات إلى أجل لاحق، والمصطلح العلمي لهذه العملية delaying gratification. عام 1972، قام البروفسور "ولتر ميشيل" بتجربة في جامعة ستانفورد مع أقل من تسعين طالبا في صفوف الروضة، ابتغاء معرفة مدى تأثير تأجيل المتعة على حياة الأشخاص. وضع كلّ طالب أمام خيار الحصول على مكافأة فورية صغيرة أو الانتظار والحصول على مكافأتين من قطع حلوى المارشميلو، ثمّ عاد بعد خمس عشرة دقيقة ليجد منهم من غلبته رغبته الملحّة وتناول الحلوى، ومن استطاع السيطرة على ذاته فأخر لذته. وقد أثبتت الدراسات التي تابعت المشروع خلال 40 سنة لاحقة، أن حياة من صبر وانتظر كانت أفضل ممّن غلبته نفسه. وتمّ قياس ذلك من معدلات الـ SAT والتحصيل العلمي ومؤشر كتلة الجسم BMI وغيرها من المقاييس.

الصيام والصّبر خليلان لا ينفصلان. إنّ نهج إرجاء المتعة الهادف لا يزيد من المتعة إلّا حلاوة، ولا من الجسد إلّا قوّة، ولا من النفس إلا قدرة، ولا من الإنتاجية إلا بركة. إنّ الصبر على ارتقاب أمر نرغب به يمرّن الجسد على التحمّل، إلّا أنّ الثمرة الأعظم تعود على النفس. إنّ الترقّب يهذّب النفس، ويروّضها على التأقلم، ويعوّدها على الرّضا بالمتيسّر الجميل، وعلى تنسيق الحاجات الأساسية. وإنّ الانتظار يحفّز الإنسان على السّعي والإنتاجية، فالوقت بات متسعا والهدف منشودا.

إنّ التعويل على الصيام كنهج في الحياة ليس سهلا، لكنه يسهم في نهضة الذات الإنسانية، وفي إدراكها لنفسها ومحيطها، ليتناهى إلى التحرّر من القيود الفكرية والنفسية والجسدية، حيث يلتهم التفكّر مساحة أكبر من وقته، ويصبح متفنّنا في كسر الروابط النفسية التي يرى فيها أذى وتباطؤا. إن الشعور بالحرّية والاكتفاء يتوّجان عمليّة التطهير هذه، وتتحقق مزيّة تقدير الذات الّتي اعتزّت وتقوّت بالامتناع. الصيام بشتّى حالاته يفسح الأفق لتفحص الأشياء من زوايا وعدسات مختلفة، ممّا يدرّب العقل على التقييم والتقدير والإصرار.

إنّ هذه القوة التي تشيّدها النفس بالصيام تزيدها فتوّة. والشجرة كلّما نمت زادت قيمة وقوّة وجمالا، التقدّم بالعمر ليس لعنة يجب الخوف منها أو الاستسلام لها. إن السنين قوة وحكمة وجمال إذا اختار الإنسان ذلك. فهل يستوي الّذين يصومون والّذين لا يصومون؟