شعار قسم مدونات

هل كانت البشرية بحاجة إلى كورونا؟

blogs كورونا

شهور قليلة قلبت العالم رأساً على عقب، تبدلت العادات، وانحرفت التوجهات، تبدلت الأولويات، واختلفت الموازنات والمصروفات، والسبب لهذا وذاك فيروس كورونا بانطلاقته في مدينة ووهان الصينية في ديسمبر/كانون الأول الماضي ثم الانتقال من منطقة لأخرى في العالم دون مقدرةٍ عن منعه بأسلاكٍ شائكة، أو طائرات وصواريخ عابرة للقارات ولا حتى أنظمة الرادارات والقنابل العنقودية أو الخارقة للصخور والجبال، والتي عليها أنفقت الأنظمة العالمية المليارات لتقتل البشر وتُفتت الحجر وتحرق الشجر، جاء الوباء فجعلها تتوقف عن إنفاق أموالها في تلك المجالات، وتتجه إلى الطريق الذي أغفلته لعقود طويلة "الطب والعمل الصحي". فهل كانت البشرية بحاجة إلى كورونا كي تتوقف عما تفعل وتقوم بتصويب المسار؟

الآلاف حتى الآن من الوفيات وأكثر من مليوني مصاب ولا تزال الأمواج تسحب معها المزيد في كل يوم، بل وفي كل ساعة، علماء الطب تقدموا الصفوف وطلبوا المكوث في البيوت كأفضل وسيلة للوقاية، ومع خلو الشوارع من المارة وتطبيق السلطات للحجر الصحي الكامل على مواطنيها في العديد من البلدان مع ما يترتب عليه من وقفٍ للرحلات والعمل والسفر وغيره، تغيرت صورة المدن والشواطئ والأجواء وكل شيء، حينما غاب البشر عن المشهد، كانت الصورة تبدو كالتالي:

في زمن كورونا أدركنا بأن علم الإنسان وكبريائه وعربدته على البشر مهما بلغت فهناك من هو أقوى وأشد، فأمام فيروس لا يحتاج إلى صواريخ عابرة للقارات وقفُ الجميعُ عاجزاً

1- تراجعت مستويات التلوث في نيويورك بنحو 50 في المئة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
2- أظهرت الصور التي التقطتها وكالة الفضاء الأوروبية "إيسا"، لأوروبا وشمال إيطاليا انخفاضا ملحوظا في انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين، وهو غاز ضار ينبعث من محطات توليد الطاقة والسيارات والمصانع، وفقا لما ذكرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية.
3- في الصين، وخلال شهر فبراير فقط، انخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار الربع، وبما يُقدر بنحو 200 مليون طن.
4- وكالة الفضاء الأوروبية نشرت صورا جديدة، أظهرت تراجعا حادا في مستويات ثاني أوكسيد النيتروجين في شمال إيطاليا ومدريد وباريس والمناطق شديدة الاكتظاظ في غرب ألمانيا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي.
5- وزير الصحة الصيني أكد أن الحجر المنزلي نتيجة فيروس كورونا أدى إلى ارتفاع عدد الأيام التي كانت فيها السماء صافية من التلوث في شهر فبراير/ شباط الماضي بنسبة 21.5 في المائة مقارنةً بنفس الشهر من السنة الماضية.
6- رصدت وسائل الإعلام الغزلان البرية تتجول في مناطق سكنية داخل أحياء لندن بعدما خلت من المارة.

7- كما رصدت كاميرات أخرى الماعز الجبلي يتحرك ويلهو في شوارع ويلز كذلك.
8- في الكيان الإسرائيلي الذي كانت أجهزته الأمنية تُفاخر بعملياتها السرية والأمنية في الاغتيالات والاختطافات والملاحقات، أصبح دورها خلال الجائحة توفير البيض واللحم والكمامات بعمليات سرية للجمهور الإسرائيلي.
9- في العديد من بلدان العالم زاد الدعم للمستشفيات والأطقم الطبية، وتوقف أو تقلص إلى حد بعيد الإنفاق على العمل العسكري والحربي وصناعة الإرهاب في العالم.
10- في قطاع غزة مصانع النسيج التي توقفت بفعل الحصار الإسرائيلي لأكثر من عشر أعوام وكان يعمل فيها أكبر شريحة من العمال، جعلتها كورونا تعود للعمل وتنشط بشكلٍ كبير، أما الإنتاج فتركزَ على إنتاج الكمامات والألبسة الواقية التي يتم تصديرها إلى واشنطن وبرلين وغيرهما.
11- خلال الجائحة بدأت الكثير من الأنظمة والمؤسسات تبحث عن استغلال التكنولجيا في خدمة الإنسان وليس قتله، فاتجهت صوب التعليم الإلكتروني والعمل عن بُعد والبيع والشراء وغيرها.
12- وخلال كورونا جلس الرجالُ في البيوت فعرفوا حجم العبء الذي يقعُ على زوجاتهم دون شعورٍ منهم طوال ساعات تواجدهم خارج المنزل، وفي المنزل تعزز التقارب الأسري بين الآباء والأبناء، فرجعت أجواء الأسرة قليلاً إلى عادات أيام زمان التي سلبتها منا المدنية الحديثة.
13- في زمن كورونا أدركنا بأن علم الإنسان وكبريائه وعربدته على البشر مهما بلغت فهناك من هو أقوى وأشد، فأمام فيروس لا يحتاج إلى صواريخ عابرة للقارات وقفُ الجميعُ عاجزاً.

استوقفني تقرير نشره في الثامن مارس الماضي خبير الموارد البيئية بجامعة ستانفورد "مارشال بورك" على المدونة العالمية للأغذية والبيئة وديناميكيات الاقتصاد (G-FEED)، وكان قد أجرى فيه بعض الحسابات حول معدل الانخفاض الأخير في تلوث الهواء على أجزاء من الصين "وحدها فقط" وكانت النتائج خطيرة للغاية، فماذا قال السيد مارشال؟ تقرير "مارشال" المنشور قدَّر من خلاله عدد الأرواح التي نجت نتيجةً " لشهرين فقط" من الحد من التلوث: 4000 طفل دون سن الخامسة و73 ألف بالغ فوق سن الـ 70 في الصين!

بهذه النتيجة يخلص "بورك" إلى أن هذا الانخفاض في معدل تلوث الهواء سينقذ حياة أشخاص بمقدارٍ يعادل 20 ضعفا من عدد الوفيات نتيجة كورونا هناك. ما أشد ظلم البشر للبشر، فأموالنا ننفقها على صناعةِ سلاحٍ يقتلنا ولا ننفقها على إطعام الجوعى ورعاية المرضى لنُحقق بذلك سعادة شعوبنا. وأمام هذه النتائج لا بُد من أسئلةٍ لنا نحن البشر للوقوف أمامها بكل مسئولية بعيداً عن التكبر والاستعلاء:
1- هل كنا بحاجة إلى كورونا كي نتعلم النظافة والوقاية والطهارة؟
2- هل كنا بحاجة إلى كورونا كي نترك الاهتمام بالحروب ونتفرغ للاهتمام بالطب والطعام وإطعام الفقراء والجوعى؟
3- هل كنا بحاجة إلى كورونا لنجلس في بيوتنا وتتقيد حريتنا كي نشعر بمعنى الحصار الذي عاشته غزة لسنواتٍ طويلة ولم نستجب لصراخِ أطفالها وأنين نسائها؟
4- هل كنا بحاجة إلى كورونا فتٌغلق المساجد لندرك أن حياة الإنسان لا بد لها من نهاية لن يجد في نهايتها باباً للتوبة مفتوح، أو تُغلق أبواب الانحلال لنُدرك بأننا كنا في المكان والعنوان الخطأ؟
5- هل كنا بحاجة إلى كورونا كي نبحث عن إمكانياتنا فنعتمد على أنفسنا ولا نبحث عن تبرعات من هنا وهناك؟

جاءت كورونا إلى البشرية كضوء إنذارٍ، هل سنُدرك أنفسنا من خلاله قبل فوات الأوان؟ أتمنى أن يتجه تركيزنا الآن الآن وليس غداً صوب بناء الإنسان الواعي بما يصلح نفسه وغيره، وتأسيس لجان لإدارة الكوارث مدربة بشكلٍ، كما أن العلاقة بين الشعب والحكومة بحاجة إلى تنسيق وتكامل أدوار بين الجميع، فحينما تأتي الجائحة فسوف تأخذ الجميع معها. إن الارتفاع في مستويات التلوث في المدن والأحياء العالمية وظاهرة الاحتباس الحراري والمخاطر التي تُهدد الغلاف الجوي ليست بحاجة إلى مؤتمرات للخروج بنتائج وتوصيات وأيام دراسية أو مؤتمرات، وإنما الدول قادرة على اتخاذ إجراءات سريعة ستنعكس إيجاباً على الجميع، وتعود السعادة على وجوه البشر إلى جانب عودة الاطمئنان للحيوانات البرية فلا تخشى الإنسان، بل ستعود للهو معه بعدما هربت منه لسنوات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.