الشاعر الخطيب الشيخ إبراهيم عزت الذي حلت فيه روح الإمام الشهيد

أبدأ بالقول بأن هذا الرجل العظيم الذي عرف على نطاق واسع على أنه تبليغي أي من جماعة التبليغ ومن روادها ورموزها، كان ذا أثر واسع عابر للجماعات والفرق بحيث إنه ترك أثره في كل الجماعات والفرق من دون أن يتحدث أحد عن هذا الأثر أو طبيعته أو مشروطيته، وهذا في رأيي هو قمة نجاح الداعية، ولهذا السبب ولغيره مما سنتناوله فإني أذهب بكل تواضع إلى القول بأنه هو الداعية الذي حلت فيه روح كل إمام شهيد، ولهذا أيضا فإنه كان أقرب أبناء جيله إلى صورة الإمام الشهيد حسن البنا، (ومن المدهش أنه عاش ٤٣عاما) فقد كان مجاهدا وقدوة، وكان نورانيا ذا حركة، كما كان محاورا ذا سعة، ولم يكن مجادلا ذا حيلة، وكان سياسيا من طراز رجال الدولة والحضارة الذين يلتفتون إلى قيمة الرمز، ويستوعبون الاختلاف والتنوع ويعنون بالهدف العظيم قبل عنايتهم بالنظام والتقنين والولاء، وهو مع هذا كله شاعر مجدد لا يمكن التجاوز عن شاعريته.

 

عرف الشاعر الشيخ إبراهيم عزت (1939 ـ 1983) على نطاق واسع على أنه واحد من أهم الخطباء الدينيين في النصف الثاني من القرن العشرين، وبالتحديد في فترة السبعينيات المسماة بحقبة السادات وهي الحقبة التي جمعت بين تجليات الصحوة الإسلامية المرحب بها، والحياة الديموقراطية المتعطش إليها، وقد كان هذا الشيخ المؤثر أحد رموز هذه الحقبة بخطابته وخطبه ومع أنه لم تكن له أقدمية الشيخ عبد الحميد كشك في الخطابة والمكانة القاهرية الشعبية الراسخة فإنه سرعان ما أصبح مستحوذا على جماهيرية لا تقل عن جماهيريته، والفارق بينهما دقيق وهو حسب التعبير الجوادي المختزل يتلخص في أن الشيخ عبد الحميد كشك حول الخطبة إلى قصيدة شعر بينما الشيخ الشاعر الشيخ إبراهيم عزت ارتقى بقصيدة الشعر لتكون خطبة.

 

إذا أردنا أن نعرف بالشاعر الشيخ إبراهيم عزت باختصار على طريقة الموسوعات القصيرة الموجزة فإننا نقول إنه هو أحد الدعاة المصريين الكبار والمؤثرين، وقد عرف في أخريات حياته على أنه الرمز الأكثر شهرة لجماعة الدعوة والتبليغ التي كانت تدعو أفرادها إلى الخروج في سبيل الله من أجل الدعوة إلى دينه، مبتعدة بهذا السبيل عن المشاركة السياسية المباشرة في عصر شهد نمو الجماعات الإسلامية الدينامية، وسيطرتها التامة والمثالية على مجتمعات الجامعة والشباب. وقد جعله الله سببا في دخول كثير من الناس، على مختلف مذاهبهم وجنسياتهم، في دين الله أفواجا.

 

تدينه المبكر
بدأ الشاعر الشيخ إبراهيم عزت ممارسته للخطابة الأسبوعية يوم الجمعة في مسجد صغير مما يطلق عليه زاوية هو مسجد المدينة بمنطقة الدقي، ثم انتقل إلى مسجد قريب منه هو مسجد أنس بن مالك بالمهندسين

ولد الشاعر الشيخ إبراهيم عزت في إحدى قري محافظة سوهاج بصعيد مصر سنة 1939، واسمه بالكامل إبراهيم عزت محمد سليمان، وهو لا يعرف إلا باسمه المختصر. وتلقي تعليما مدنيا والتحق بكلية التجارة جامعة الأزهر، وتخرج فيها، ثم حصل على درجة الماجستير في الاقتصاد وإدارة الأعمال.

 

نشأ الشاعر الشيخ إبراهيم عزت نشأة دينية ملتزمة، فقد كان والده من رجال التعليم، وقد أعير مديرا للتعليم الصناعي في المدينة المنورة، فكان ابنه إبراهيم يقضي إجازة الصيف في رحاب الحرمين، وكان كثير التردد على مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) والصلاة فيه، كما تردد كثيرا على بيت الله الحرام خلال تلك الفترة مؤديا العمرة والحج، مما كان له الأثر الكبير في تكوين شخصيته الملتزمة، وكان قد تعرف خلال دراسته على بعض المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، فتأثر بهم، وانضم لهم وقاده هذا الانتماء إلى السجن حيث قضي ثلاث سنوات في السجن الحربي (1965 ـ 1968)، والتقي بين جدران سجن أبو زعبل الحربي بمجموعة من الإخوان المسلمين الذين كانوا معتقلين في ذلك السجن، وكان للسجن أكبر الأثر في صقل شخصيته وتربيته على الصبر، وهو أعز ما يملكه الداعية ويتطلبه في سبيل نشر دين الله.

 

عمل الشاعر الشيخ إبراهيم عزت في وظائف الحكومة فعمل بالإذاعة والتلفزيون وكان له برنامج تلفزيوني، ثم ترك الوظيفة وتحول إلى مجال الدعوة إلى الله تعالى من خلال جماعة التبليغ، فطاف أغلب بلاد العالم شرقه وغربه، مبلغا دعوة الإسلام.

 

تاريخه مع الخطابة

بدأ الشاعر الشيخ إبراهيم عزت ممارسته للخطابة الأسبوعية يوم الجمعة في مسجد صغير مما يطلق عليه زاوية هو مسجد المدينة بمنطقة الدقي، ثم انتقل إلى مسجد قريب منه هو مسجد أنس بن مالك بالمهندسين، وهو مسجد جامع عرف أيضا باسم الشيخ إبراهيم عزت، وسرعان ما أصبح ،كما ذكرنا، واحدا من أهم الخطباء المسموعين في العاصمة الكبرى، حتي ضاق المسجد بالمصلين على سعته وتعدد طوابقه، وقد وصف بعض أتباعه مقدار القبول الذي كان يحظى به فقالوا إنه كان يصلي خلفه ما يربو على عشرين ألفا، وكانت جموع المصلين تفترش الشوارع المحيطة بالمسجد والميدان الذي يحيط به، والشوارع المؤدية إليه!

 

حديثه الشعري عن تجربة السجن

يتحدث الشاعر الشيخ إبراهيم عزت عن تجربته في السجن وتراوحه البندولي ما بين الانهيار والصمود حديثا صادقا ينبئ عن عزيمة قوية تمكنت من التغلب على كل النوازع الطبيعية في الإنسان الذي هده العذاب، فأثر في جوارحه كلها وهو يقول:

واهتز قلبي الذي قد هده العذاب

أحسست رعشة بجسمي الذي يخاف غضبة الكلاب

وجاء ضعفي الكريه.. جاء

عرفتُه في كل لحظة من الضني قد عشتها

أتي يقدم الرجاء

تعلقت عيناه بالجواب

 

ويعبر الشاعر الشيخ إبراهيم عزت عن هذا المعني الدقيق بألفاظ أخري قادرة على تصوير صعوبة التجربة وقسوتها، وصعوبة الاختيار وقسوته، مشيرا في أسف إلى إن بعض اخوانه الشامخين قد عانوا الفتنة بسبب قسوة هذا الليل:

نعم أصابنا الضني وهدنا الحزن

نعم بكت عيوننا

وضجت الجراح بالعفن

والضر مسنا

وعضنا بنابه الشَّجن

وفي رغام ليلنا الضرير

شامخ فتن

 

تعبيره الدقيق عن سيكولوجية الصمود

يعبر الشاعر الشيخ إبراهيم عزت في قصيدة «زيارة» باقتدار شديد عن معني الصمود على نحو ما رأيناه قد أجاد التعبير عن قسوة التعذيب، وهو يصور نفسه قد ارتدي ثوب الرضا وصنع منه ابتسامته، وبهذا وصل إلى نوع من التوازن بين ما هو مطلوب منه وما هو معانِ منه، وهو يجيد تصوير هذا التوازن النفسي لاجئا إلى أقصي ما يلجأ إليه الرومانسيون في تصويرهم، حتى إنه يجعل ابتسامة الشهيد قادرة على أن تضع القلب في ثياب الأمان إذا ما تغلبت مشاعر الألم من هذا العنت والعسف الذي يعانيه:

على مشارف تظل ألف يوم

ونحن نرتدي الرضا

ونصنع ابتسامنا من ذكره

ونرقبُ الحياة من بعيد

في جزيرةٍ ببحره

تفتحت قلوبنا على نوافذ الخلود

تنفست زفراتنا في واحة السجود

الكف حينما يصيبها الضني

تمد بالرحيق

حين تعصر اليدان صرخةً على القيود

والعين حينما يشدها الشرود

تردها عينان عائدتان من حدائق الصمود

والقلب حينما يزوره الأسي

تضمه في بُردة الأمان بسمةُ الشهيد

 

حديثه الإيماني إلى والدته

وفي قصيدة للشاعر الشيخ إبراهيم عزت وجهها إلى والدته يطلب إليها أن تدعو له الله سبحانه وتعالى، وأن تشهده على ما يعاني، أن تكون شكواها واثقة مذعن حافلة بالدعاء الدامع الصادق وأن تكون فخورة بابنها في دعائها له وهو يشبه نفسه من بعيد بالنبي يونس في بطن الحوت معبرا بهذا التشبيه عن ثقته في النجاة والخروج من هذا الظلام:

 

      فري إلى المحراب بثي شكونا          لله في ثقة وفي إذعان

      صوغي الدعاء مدامعا ومدامعا        تهفو إلى غيث قريب دان

      قولي له: ولدي لديك وديعة       نُذرت لتحمل راية القرآن

      ذو النون في بطن الظلام حفظته       سبحانك اللهم، ذا الإحسان

      وحميت موسي حين ألقي عاجزا       في اليم يحمل آية الرحمن

 

حديثه المعتز بصمود والدته

وهو يتحدث عن والدته في قصيدة أخري عنوانها «لا تذكر الحياة» وهو يتصور مظاهر صمودها من تجفيف للدمع وتستحضر ذكرى ابنها في ثيابه ومواضعه وطرقته المنتظرة للباب عائدا إليها فيقول:

لا تقل لي إنها تجفف الدموع في السحر

تجيب للجميع باسمة

تقبل الطيوف لا تري سواه

تسرق الخطي لموضعه

تقبل الثياب

وسمعها معلق بطرقة بالباب

وحيدة

وحولها الضياع

وليلها ويومها التياع!

 

إظهاره الاستهتار بالتعذيب

ويمضي الشاعر الشيخ إبراهيم عزت ليجد نفسه وقد هداه الله حريصا على ان يبدو واثقا من الحق ومن المستقبل ومستهترا بالتعذيب، واثقا من قوة الضمير المعتصم بجمال الحق وقدرته على دعم الصمود:

الصبر يعرف الجميع

رافق الخطي على الطريق

والحق بيننا

وصية الصديق للصديق

 

ويخاطب الشيخ إبراهيم عزت أهله ليبث الثقة في نفوسهم مطمئنا لهم بقوله إن أثر التعذيب لا يدوم، وإنما هو يذهب قبل أن يطلع الصباح، معترفا بأن الانتماء إلى الله والإيمان به كفيل بأن يقضي على كل ما يتعرض له من ظلم وتعذيب:

      لا تحزني مما يقال عن الجرا          ح وما يقال عن الذي أضناني

      فالجرح يبرأ بالمساء، وبالصبا         ح لنا من الرحمن خلق ثان

      لا تفزعي إن رق ثوبي في الشتا       ء مع الأسي ونحولة الأبدان

      فالقلب يدفئه إلى الله انتما   ء منه            تذكو جذوة الإيمان

      لا تحزني إن كان زادي معدما         فالجوع يقهر سطوة الشيطان

      والزاد ما تلقاه في يوم الزحا            م غداة تزلف جنة الرضوان

 

انتصاره الوجداني على الظلم والظالمين

ويتحدث الشاعر الشيخ إبراهيم عزت بثقة المؤمن وفخر المتدين الملتزم عن تصاعد تحديه للظلم، واستعلائه عليه في قصيدة بعنوان «فلنطلق ابتسامنا في ليلة العزاء» وفيها يقول:

لم تفلح الجدرانُ والقضبان

لم يفلح السجانُ والسلطان

فنبعُنا يمدنا بزادنا

والواحد القهار أمنُنا.. ملاذنا

يا حسَبنا

يا حسَبنا

مفاتحٌ للغيب لا تري تفيض بالعطاء

تقدم الغذاء والدواء والكساء

تخبئ الهناء!

 

جوهر فلسفته الإيمانية

لخص الشاعر الشيخ إبراهيم عزت فلسفته الإيمانية في أبيات رقيقة تعبر عن إيمانه بالله وحده، وتوكله عليه وحده فالعبيد فقراء لا يصح أن تلقى إليهم الحاجات وهو قد مل من سؤالهم فاستغنى عنهم وذهب بضعفه لخالقه جل جلاله فهو يشكو إليه ويدعوه ويرنو لرضاه:

 

      أنا قد وقفت بباب رب قادر       يرجي لديه النفع والإيواء

      وكرهت أن ألقي لعبد حاجة            فعبيد ربي كلهم فقراء

      ولقد سئمت سؤالهم فسألته        وتركت ساحتهم بي استغناء

      أسلمته ضعفي ليقوي عنده       فالضعف عند رحابه استعلاء

      يا من وسعت الكون ربا قاهرا         أشكو إليك بأننا سجناء

      أخفي من الإسرار عندك ظاهر        ولديك أطمع أن يجاب دعاء

      أرنو لواحات الرضا فياضة            هي للرشيد بظلها إيواء

 

وفاته

توفي الشيخ الشاعر الشيخ إبراهيم عزت فجر يوم من أيام الجمعة في أولى الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان سنة 1403 (1983) وهو في الباخرة قرب جدة في طريقه لأداء العمرة، فصلي عليه بالمسجد الحرام، ودفن بمكة المكرمة.

 

آثاره:

ـ «الله أكبر»، ديوان شعري صدر في بيروت أول ما صدر.

ـ وكتب قصائد كثيرة في السجن.

ـ له نحو مائتي خطبة جمعة مسجلة على أشرطة.

 

دراسة الشيخ عبد السلام البسيوني عنه

نشر الأستاذ الشيخ عبد السلام البسيوني دراسة قيمة عن الشيخ في مجلة المنار الجديد ٢٠١٠ التي كان الأستاذ جمال سلطان يصدرها، وقد نشر الدكتور أكرم رضا ديوانه مع مقدمة وافية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

كان الدكتور رمضان عبد التواب واحدًا من أبرز علماء اللغة العربية في جيله، تميز بقدرات فائقة على الحفظ والاستذكار والجدل والتخريج والكتابة والتحقيق والأستاذية بمعناها الواسع، ورزق التفوق والألمعية.

الأكثر قراءة