ما التالي في الأيام المقبلة من هذا العام؟

blogs كورونا

كنا صغارًا في مقتبل العمر لا زلنا نحلم حينها، كانت أحلامنا لا تتجاوز حدود السماء فقط، بل كانت ترسم حدود أُخرى لتتجاوزها براءةً منا، أكبر أحلامنا كانت تتمحور حول سيارات طائرة، تجوب غيوم السماء بخفةٍ ومتعة، حيوانات ناطقة، تُكلم البشرَ رويدًا رويدًا، منازل مُعلقة، كائنات فضائية عجيبة، تجوب العالم بأصواتها العجيبة، غابات كثيفة، تنطق فيها الأشجار حكمة، والكثير من الخيال اللامحدود كان ولا يزال يتناثر عبقه بين الأرجاء.

  

تسابقنا نحو الطفولة بحذر وتجاوزنا مطبات السنين بسرعة، تهافتنا لحداثة الكون من جديد، تراكضنا في سنين مراهقتنا خلف تلك الأحلام دون الكلل منها، ورسمنا أحلامنا على عبّارات البحار وودعناها لنلتقي بها هنا في أعوامنا هَذه.. على أمل اللقاء، كبرنا، فكبرت تلك الأحلام شيئًا فشيئًا، وبنينا فوقها أعمدة الأمل والرجاء، لكن الأمر كان مختلفًا هنا! أي في هذا العام المجهول في نهايته، لا بداياته قد أسعدتنا، ولا حتى باقي أيامه تبشر بالخير، لا يحتضن بين ثنايا أيامه سِوى الأحداث المكدرة.

 

بدأت أيامه بإكمال الربيع العربي في البلدان العربية الشقيقة وأهمها ما حصل في لبنان، ليعلق الربيع هناك بين مؤيد ومعارض، بين جريح وقتيل، بين طفل وشاب، بين الهتافات والموسيقى، عبّر الجميع عن رفضهم بطرق شدّت انتباه واهتمام من حولهم من البلدان العربية، صدحت الأغاني بكافة شوارعهم، تكاتفوا معًا حتى تحقق ما كان قد تجّمع بدواخلهم وللبقية من المطالب انتظار.

 

الهدوء ثم الهدوء، الآن ما يعتري الأرض هو الهدوء، متربصين بالقادم بحذر، أحقًّا هذا هو المستقبل الذي كنا قد تهافتنا عليه؟ أهذا المنظر الذي وددنا رؤيته؟ لقد صدمنا الواقع وتهدمت كل تلك الآمال

توتر الكثير منا من إعلان تاريخ لتحديد صفقة القرن، توقعات كثيرة بُدئت بالطرح، عبّر الآخرون عن خوفهم من النتائج المحتملة، لحين الثامن والعشرين من شهر يناير تجمهر الصغير قبل الكبير أمام شاشة التلفاز بحذر، عمّ الهدوء بين أرجاء وأزقة المنازل والحارات، حتى الشوارع كانت خالية تمامًا من أي حركة قد تصدر صوتًا يزعج انتباههم وشرودهم. قُرئت القرارات وكأننا نحن المبصمون عليها والمقرّين فيها، كان يقف وكأن الأرض بين يديه وحكامها خدم له، تواجد من لا كرامة لهم بين الحضور، مصفقون له بحرارة غضب شعوبهم، خاضعين، متذللين لأوامره وإن تخلفوا الويل ثم الويل لهم.

 

عبّر البعض عن غضبهم صارخين في بيوتهم، وآخرون خرجوا إلى الشوارع هاتفين بالرفض، والجزء الأكبر قد قاموا بتحديث صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنهم ممسكين بزناد بندقية ما وسَيُطلِقون رصاصة الغضب في لحظةٍ ما، الثالث من يناير، في العراق تحديدًا وفي إحدى شوارعها العتيقة، اغتيل قاسم السليماني، ضجت الأخبار حول العالم، تبنت الولايات المتحدة الأميركية تلك الحادثة وتوعدت إيران برد الضربة القاضية لهم، وانقسم العالم لحزين وسعيد دون ظهور المحايدين بثقة.

  

أحداث تلتها أحداث، ولازالت سوريا تصنع الأمل من جديد رغم صوت تلك الطلقات المدوية، والانفجارات التي تُشاركها بالصوت والخوف ذاته في غزة، التي إلى الآن تدفع الثمن مهما كانت الظروف والأحوال، أما عن فلسطين لازالت تقدم الشهيد يليه الأخر، إلى حين الحدث الأعظم من كل ذلك والذي جعل العالم كله يقف على قدم واحدة آيلة للانهيار، حين أعلنت الصين عن فقدان سيطرتها لمرضٍ ما، يتنقل بين أجساد الناس بسرعة وكأنه فأر هارب يبحث فيه عن حجر يحتمي فيه من القطط الهائجة في الخارج.

 

كان كانون الأول من العام الماضي الفاصل للكثير، فيروس خطير ومحدّث قد ساد بخوف بين ارجاء العالم، لم تُترك بقعة هنا أو هناك حتى إلا وقد أُصيبت بهذا الوباء، توقفت أحلام البعض، ومات البعض الأخر، انتشر بسرعة البرق، في غمضة عين أُصيب الكثير، وفي غمضة عين الأخرى تشافى البعض، مع وفيات كانت قد اجتازات الآلاف والآلاف، إلغاء حفلات الزفاف والتجمعات، حتى بيوت الأجر أصبحت محطة لتوزيع الفيروس مجانًا دون عناء أو تكبد، حتى المستشفيات أُطلق عليها بمسميات (محطات الوباء) الأكثر شيوعًا بين العالم، (مقبرة الأفراح)، (مستودع الأحزان)، لم تعد مكان تتعافى فيه الأمراض، الذهاب هناك الآن أشبه بالانتحار والموت ببطء شديد.

  

هذا الوباء عجيب لا مفر منه، نشر الرعب في قلوب الأكثرية، البقاء في البيوت هو الطريقة الأكثر أمنًا وصحة، الابتعاد مترًا على الأقل عن الآخرين حين تمشي بين الأزقة والشوارع مشيًا على الأقدام دون الحافلات أو المركبات الصغيرة وهذا المعتاد دوليًا، الأرض أصبحت الآن مكان الوباء والأمراض والحروب والنزاعات، صوت عالٍ يدوي الآن في السماء، الشوارع خالية، لا الكرات تتخابط على النوافذ ولا حتى صراخ الأطفال في الشوارع يهتفون بخسارتهم لهذه المباراة المتواضعة، لا النساء يذهبن إلى الأسواق، ولا حتى الفتيات يلتقين هنا وهناك، حتى الشباب التزموا البيوت مبتعدين عن المقاهي والمغازلات في الشوارع برفقة سياراتهم صاخبة الأغاني المتنوعة.

 

الهدوء ثم الهدوء، الآن ما يعتري الأرض هو الهدوء، متربصين بالقادم بحذر، أحقًّا هذا هو المستقبل الذي كنا قد تهافتنا عليه؟ أهذا المنظر الذي وددنا رؤيته؟ لقد صدمنا الواقع وتهدمت كل تلك الآمال بلمحة، مع كل ذلك لازالت ابتسامتها ترتسم فوق كل تلك الشفاه التي تتساءل بصمت، ابتسامات توزعت على الجميع، وعيون حائرة تبحث عن إجابات، وعادت العائلات كالسابق تجتمع حول الموقد يتحادثون حول هذه المجريات وما ستؤول إليه الأحداث القادمة، معلقين آمالهم على أعتاب شهر رمضان بانجلاء هذه الأحداث، وبزوغ شمس العيد بهدوء وفرح دون وباء.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة