المعماري سنان.. ما الذي تعرفه عن ليناردو دافنشي الشرق؟

blogs معماري سنان

في قرية صغيرة تٌدعى بـ"أغرناص" والتي لم يكن ليُسمع بها لولاه، ولد سنان محتملا في إحدى أعوام 1494 إلى 1499 حيث بدأ حياته بتعلم النجارة والعسكرية حيث انضم للجيش كانكشاري ولم يبدأ إطلاقا العمل كمعماري إلا في الأربعينيات من عمره! وفي ذكرى رحيل المعماري سنان أعظم معماريي الدولة العثمانية على الإطلاق والذي أطلق عليه المُنظرون الغربيون "ليوناردو دافنشي الشرق" نظرا لعبقرية هذا المعماري الفذ وإنجازاته التي لم تكن بالشيء البسيط الذي يمكن تغافله، فما الذي فعله ليستحق ذكر اسمه إلى اليوم في تركيا وتاريخ العمارة عموما؟

  

بدأ في الأربعين!

رغم البدء المتأخر لحياة سنان المعمارية، إلا أن أعماله الخالدة تؤشر إلى تميزه عن بقية معماريي عصره وقد ساعده على هذا التميز تلك البيئة والأوضاع التي نشأ بها، فمع توسع الامبراطورية العثمانية. تولدت لديها رؤية عالمية تتضح معالمها المعمارية مع الكلية التي أنشأها السلطان محمد الفاتح المتواجد بمركزها جامعه الشهير، وهذا الطرز المعماري والتخطيطي يتناسب مع حضارة روما ولكن العناصر الاسلامية التي ميزته حولته الى رمزا للثقافة العثمانية مما يجعلنا نستطيع القول إن العصر الكلاسيكي للعمارة العثمانية بدأ مع هذا الصرح الضخم.

 

وسوف تتأثر العمارة العثمانية قبل مجيء سنان بالفن اليوناني والروماني كنتيجة طبيعية لتفاعل الأمم مما شكل نموذجا متكاملا لذلك العصر الكلاسيكي العثماني للعمارة، وقد نشأ سنان في هذا الوسط، كمراقب ومفكر جيد طور نفسه من الخدمة العسكرية إلى الهندسة المعمارية حيث شارك في العديد من حصارات المدن كبلغراد وموهاتش ورودوس وغيرها أثناء خدمته بجيش السلطان سليمان القانوني، وبجانب وظيفته كجزء من ذلك الجيش فبفضل مهارته الانشائية قام بعدة أعمال انشائية وترميمية مما لفت إليه الأنظار لموهبته.

  undefined

  

وكمثال على ذلك في فتوحات البلقان عام 1538، احتاج الجيش إلى جسر متين لعبور إحدى الأنهار، وحاول الكثير من المسئولين تأسيس الجسر ولم تُكلل جهودهم بالنجاح، فأمر السلطان سليمان القانوني سنان بتولي المهمة وإتمامها بنجاح في أسرع وقت ممكن. فأنشأ الجسر المطلوب في عشرة أيام، واستطاع الجيش عبور النهر بكل أمان، وما زال الجسر إلى الآن موجوداً بتميزه مُعبرا عن عظمة هذا المعماري، مما أدى لتعيينه في منصب كبير المعماريين للدولة العثمانية، عقب سنان على هذا القرار بتعبيره عن سروره لتركه أعمالا معمارية كبيرة بفضل ذلك المنصب ولكن أيضا لحزنه على ترك الجهاد والخدمة في العسكرية.

 

عاش سنان في المرحلة الذهبية للعصر العثماني فقد وصلت حدود الامبراطورية العثمانية من فيينا إلى تبريز ومن القرم الى اليمن، وكانت الدول الأوروبية تعطي الجزية وهي صاغرة للعثمانيين كل عام مما عزز أيضا قوتها وشخصيتها الاقتصادية، وكان يحج لأراضيها صفوة العلماء والمفكرين والصناع والفنانين مما أنشأ مجتمعا فكريا متكونا في اسطنبول عاصمة العالم آنذاك! وكان كبار العثمانيين يتنافسون على بناء الأوقاف -والوقف هو مفهوم إسلامي غير مملوك لأحد- ومن مميزات الوقف في ذلك العصر أن عائلة صاحب الوقف تنتفع من مكتسباته وتُعفى من دفع الضرائب بالإضافة إلى الثواب الإلهي المرتجى والاحترام المجتمعي الذي يناله مؤسس الوقف نظرا لقيامه بالمشاركة في أفعال الخير. ومع هذا التنافس على بناء الأوقاف، نشطت حركة الإعمار بإسطنبول وكان هذا من حُسن توافق القدر معه ففي هذا الوسط أُتيحت له الفرصة ليُخلد اسمه في صفحات التاريخ بأعماله التي تشكل سماء اسطنبول إلى يومنا الحالي.

 

تولى سنان منصب كبير المعماريين لمدة خمسين سنة متواصلة مما لم يصل اليه أي معماري آخر في عصور الدولة العثمانية -وربما تاريخيا في أي دولة أخرى!- ومنصب كبير المعماريين لم يكن فقط منصبا على أعمال العمارة، بل والهندسة والعمران المدني، فكانت من مهامه توفير مياه الشرب النظيفة والتخلص من المياه الغير صالحة للاستخدام وعمل الطرق واصدار تشريعات البناء وإعطاء الإذن للمباني الجديدة والتأكد من جودة الخامات المستخدمة وغيرها الكثير من المهام التي وُكلت اليه.

 

من المحتمل أن سنان من المعماريين أصحاب الأعمال المعمارية الأكثر عددا على مستوى التاريخ والعالم! فطبقا لأرشيفه الخاص، أهدى سنان لعالمنا 107 جامعا، و52 مسجدا و74 مدرسة و8 دارا للقراء و45 تُربة و17 امارة و3 دورا للشفاء -مشفى- و38 قصرا وغيرها الكثير مما يبلغ مجمله 477 أثرا معماريا منهم 316 اثرا في اسطنبول وحدها! ويقول الكُتاب المعماريين بأنه إذا كان سنان قد بنى فقط جامعا كالسليمانية أو شيخ زاده أو السليمية أو محرماه سلطان لكفته عن غيرهم ليُعد من أعظم معماريي الامبراطورية العثمانية! شكل سنان اسطنبول لتكون مدينة اسلامية فقد كانت من قبل مدينة بيزنطية وبتخطيطه لوضع المساجد على هضبات اسطنبول ساعد على تكوين صورة اسلامية لتلك المدينة كما نراها اليوم، فسنان ترك أثرا في كل أحياء اسطنبول مما ساعدها على ظهورها بشكلها الحالي.

   undefined

  

سافر سنان إلى العديد من الدول والمدن أثناء عمله بالجيش وفى أثناء سفره اطلع على المباني المميزة وقام بتحليلها والاستفادة منها فقد ذهب الى بلغراد ورودس ورومانيا ودول البلقان والكثير من المدن التركية حاليا، ومع كثرة سفرياته لم يُعجب بأي مبنى بقدر اعجابه بأيا صوفيا والتي كانت أُعجوبة من أعاجيب عمارة ذلك العصر حتى أنه استوحى ذلك في البضع من المبانيه التي وصفها بأنها بُنيت على طراز أيا صوفيا، ننقل لكم بضعا من كلماته بخصوص هذا الأساس:

  

"أيا صوفيا التي لا يوجد لها مثيل في دنيانا، أُتمت على يد معماري يُدعى بأجاندوس في أربعة عشر عاما، ولكن بعد عدة أعوام من انتهاء هذا البناء دُمرت القبة بسبب الزلزال وأُنشئت من جديد على يد نفس المهندس المعماري.. من أجل هذا، هذا العبد العاجز -أنا سنان القيصري "من مدينة قيصري"- أعاني كثيرا في كل بناء أقوم به الى الانتهاء منه.. فلا يوجد فن أصعب من العمارة، لذا فمن منكم يقوم بهذه المهمة المُشرفة فليتأكد من سلامة بناءه قبل بدءه من الأساس.. ولا يجب عليه أن يقوم به على عجلة من أمره مما يؤدي الى اهماله أثناء بنائه"

  

كان سنان يطور من تصاميمه في كل بناء يبنيه، إلى أن وصل إلى قمة أعماله المعمارية وتحفته الخالدة جامع السليمية بمدينة ادرنه بتركيا، لا أريد الخوض كثيرا في التفاصيل المعمارية لأعماله الأثرية لكيلا يسأم غير المعماريين من البحث المُطول، ولكن من الجدير ذكره أنه اعتمد في جامع السليمية ثماني دعائم تتركز عليها قبة عملاقة بارتفاع 43م والتي تعتبر إعجازا في فن العمارة، وقيل إن المعماري سنان صممها تحديا لقبة كنيسة آيا صوفيا التي كانت مثالا احتذى به وتفوق عليه سنان. حيث قال في تفسيره لأسباب إبداعه في هذا المبنى "إن المعماريين الآخرين يقولون إننا متفوقون على المسلمين لأن عالم الإسلام يخلو من قبة عظيمة مثل آيا صوفيا، وإن بناء مثل هذه القبة الضخمة أمر غاية في الصعوبة، وكان لكلامهم هذا تأثيره المؤلم في قلب هذا العبد العاجز، لذلك بذلت الهمة العالية في بناء هذا الجامع، وبعون الله ثم بتشجيع السلطان سليم خان قمت بإظهار المقدرة، وأقمت قبة هذا الجامع أعلى من قبة آيا صوفيا بستة أذرع وأعمق بأربعة أذرع".

 

ولو أردنا أن نوجز عبقريته لما كفانا مقالا أو عشرة، وانما نريد أن نُعطي لمحة سريعة عن سر تقدير العالم المعماري له والذي رغم تميزه تملكه التواضع معتمدا توقيع له يحمل عبارة "الفقير الحقير سنان"، حرص سنان على تطوير شكلا للجوامع لتلائم احتياجات شرائع الاسلام التي تتطلب مساحات واسعة مفتوحة لتنظيم صفوف العابدين، ومن أجل تحقيق ذلك كان لابد من عدم وجود أعمدة تُثبت السقف في منتصف الجامع مما جعله يُطور من فكرة القبة المركزية الضخمة والتي تعد النقطة المحورية في التصميم.

  

وإضافة إلى القبة الضخمة برع باستخدام القباب الأصغر والصحون الجانبية ذات القباب النصفية واستخدم مآذن طويلة في الزوايا لإتمام التشكيل المعماري الفذ الناقل لشعور القوة كصورة للإمبراطورية العثمانية ومما أضافه في مبانيه هو تدفق الضوء الى جوامعه والتي كانت لا تُضاء بنور طبيعي بتلك الكفاءة التي حققها، فاهتمام سنان بالأنوار والضياء، وامتداد شلال النور كما يُطلق عليه، وإيحاءاته الروحية، والحرص على حسن توزيع الإضاءة وتجانسها، وكل ما من شأنه أن يزيد في صفاء البناء ومنطق الهندسة المعمارية النورانية، بالإضافة إلى حسن استخدام ألواح الخزف في كسوة أعالي الفتحات والنوافذ والأبواب والجدران ترك أثرا مميزا في عمارة المساجد العثمانية والتي لا تزال تُقلد الى اليوم في تركيا.