نحتاج إلى جائحة كورونا لنتمهّل!

blogs كورونا

لقد طغينا في الأرض؛ نجري جري الكلاب الضالّة، نتسابق مع أنفسنا ومع الناس ومع الزمن، متعثرين بين الأحلام والأهداف والمشاريع والأسفار والإنجازات والفواتير، طموحاتنا لا تشبع ورغباتنا لا يرويه العجب. لقد أخذتنا الدنيا أكثر من اللازم! وجاءت جائحة الكورونا لتردّنا إلى أنفسنا ردًا جميلًا ولنهدأ قليلًا ونسترجع أنفاسنا التي انقطعت ونحن نجري ولا نلحق.

 

كنّا نعيش الحياة وكأننا في حالة استنفار، صار يومنا العادي يشبه يوم مريض في قسم المستعجلات، بمجرد دخوله إلى الغرفة يسارع أفراد الطاقم من فوق رأسه لقياس الحرارة والضغط ونسبة الأوكسجين ودقّات القلب وأخذ الدم والبول للتحليل، ويأتي تقني الأشعة لأخد صورة ويأتي الطبيب لفحصه واستجوابه، كل واحد منهم يجرّه إلى مجال اختصاصه. هكذا أصبحنا يا رفاق! نتخبّط في كل الاتجاهات دون انتظام وفي آن واحد، ونرتبك إن حدث خلل بسيط غير متوقع في إعدادات اليوم أو تأخّر أمرٌ كان من المفترض أن يحصل في الوقت الذي حدّدناه له.

 

كنّا نعمل تبعًا لمخطط مدروس وغير قابل للتغيير، أو هكذا كنّا نعتقد إلى أن جاءت جائحة الكورونا لتثبت لنا أن المخطط في الواقع قابل للتغيير. غيّرت مخططات العالم وأقفلت المساجد والأسواق والمطارات. اتضح أنّنا نستطيع أن نقضي الصباح بطريقة مختلفة بعد أن صدّقنا أنه لا توجد طريقة أخرى لقضائه غير طريقتنا. ويمكننا العمل والإنتاج بطريقة أخرى غير التي تعوّدنا عليها. وثبت أيضا أنّنا لا نحتاج المدرسة دائما لنتعلّم ونرقى بفكرنا. انفتحنا على أساليب عيش جديدة رغما عن تشبتنا بما كنّا عليه. اكتشفنا خبايا أنفسنا وبيوتنا بعيدًا عن الاختلاطات الاجتماعية التي كانت تستهلك طاقتنا بلا عدّاد. أجبرتنا هذه الأزمة على التمهّل والتمعّن والهدوء لأنّنا ما كنّا لنفعل ذلك من أنفسنا؛ كيف نتمهل والعالم كلّه يلهث! كان يجب أن يهدأ العالم كلّه كي نهدأ.

   undefined

  

كنّا نسعى وراء كلّ شيء وأي شيء لنجاري صيحات الموضة ولنلمّع المظهر ونغطي فقر الجوهر. نكلّف النفس فوق وسعها ونرهقها ونظلمها ونستغل ضعفها وسذاجتها لإرضاء طمعنا وهوسنا بالمستجدّات. لم نحسن الاستماع إلى الله وأدّينا بها إلى التهلكة. تفاقمت المعضلات الأخلاقية وغدت الإنسانية صدقًا تحتضر. قُلبت الأولويات رأسًا على عقب، وغلبت علينا المسؤوليات وتفشت في أرضنا الاضطرابات الأسرية والاجتماعية والنفسية والحضارية والكثير من الظواهر الدخيلة علينا.

 

صارت دواخلنا متشرّدة دون مأوى ومتجرّدة من أي هوية. اندثرت أرواحنا منّا ونحن نحاول اللحاق في هذا السباق الأبدي. والأسوء من ذلك أنّ معظمنا لا يعرف الوجهة، معظمنا لا يعرف ماذا يريد وإلى أين يريد أن يصل. فقط يجري لأنّ الكلّ يجري، فهو أيضا يجب أن يجري كي لا يخرج من الجماعة. إنّنا نعاني من التيه الفكري والخواء العاطفي والضياع الإنساني لكنّنا لا نشعر بشيء. أنستنا الحياة أن نشعر بخواطرنا. تغمرنا الفوضى ويعشّش فينا الضجيج ورغم ذلك نستمر في الركض لأننا لا نريد سماع أصواتنا الداخلية، نتهرّب منها لأننا لو استمعنا إليها ستبطئنا وتبعدنا عن البقية وسنخسر السباق.

  

لم نكتف بظلم أنفسنا بل ظلمنا حتى الطبيعة معنا وأقحمناها في سباقنا. لقد غزت حضارتنا الأنانية الغابات وتسببنا في حرق الكثير منها وتخريب نظامها البيئي، وزحفنا ببناياتنا إلى المساحات الخضراء ولوثنا الهواء بالغازات السامة ودخان السيارات والمصانع وساهمنا في الاحتباس الحراري ودمّرنا نظام المياه العذبة بفضلاتنا ونفاياتنا المؤدية. وقتلنا سكّان البحر بالمواد السامّة التي نسرّبها إليهم باستهتار بارد. ها هي جائحة الكورونا ترحم الطبيعة وتريحها منّا لبعض الوقت لعلّنا نستوعب الضرر الذي نلحقه بها ونغيّر سلوكنا.

  

لأجل كلّ هذا نحتاج إلى مثل هذه الجائحة لنتمهّل، فالحياة ليست حالة طوارئ أو سباق ماراثون يفوز فيه الأول بميدالية ذهبية. آمل أن ننصت إلى ذواتنا ونفصح لها المجال لتتنفس وتفعل ما ينفعها وأن نركّز مع أنفسنا ومع من هم أحبّ إلينا. أتمنى أن نتدارك ما سرقه الركض وراء الحياة منّا ونصل الرحم معه وأن نعيد النظر في أولوياتنا ومشاغلنا واهتماماتنا. إنّ الحياة تسهل بتعلّم المرونة والتمايل مع الأحداث التي تحلّ بنا. آمل أن يتغير العالم إلى الأفضل بعد أن نجتاز جائحة الكورونا.



حول هذه القصة

blogs كورونا

استلهم اقتصاديو الرأسمالية تقنية “العلاج بالصدمة”، في محاولة تطبيقها على شعب كامل في بلد تريد الرأسمالية فرض نظام جديد فيه وإحداث تغييرات جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية.

blog by
Published On 1/4/2020
blogs كورونا

دول عظمى بدت عاجزة عن السيطرة على الفايروس وأجمعت على أن الطريقة الناجعة للحد من انتشاره، هي بالحجر المنزلي، للأسف هذا الحل الوحيد يبدو ان تطبيقه شبه مستحيل في اليمن.

blog by
Published On 1/4/2020
blogs تأمل

تذكرت من يجعلهم المرض طريحي الفراش بلا حراك، من ينامون جائعين في العراء، من يعيشون في بلاد تضيق عليهم، تذكرتُ المشردين واللاجئين في الخيام، من علقوا على الحدود.

blog by
Published On 1/4/2020
blogs كورونا

يظن البعض أن أزمة كورونا كشفت “بشكلٍ مفاجئ” عن الفاجعة الأخلاقية في نيويورك واختلال المفاهيم لدى الثقافة الغربية، لكن الحقيقة ليست كذلك، فالأزمة الأخلاقية وعدم احترام الانسان متجذر بالعقيدة الغربية.

blog by
Published On 1/4/2020
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة