بعد كورونا.. هل العالم يتجه نحو حربٍ باردة؟

لعلّه من السابق لأوانه؛ تَوقّعُ بعض المفكرين والمحلّلين بأن عاصفة كورونا ستأخذ معها قيادة أمريكا العالمية، لتحلّ الصين مكانها. ما زالت أمريكا تحتفظ بكثير من نقاط القوة، والتي تُوسّع ميدان التنافس مع الصين. فيما يبدو فإن فيروس كورونا سيُقربنا من حرب باردة بين الصين وأمريكا؛ فمجريات هذه المواجهة ونتائجها؛ هي التي ستحدّد أمدَ التغيير في شكل النظام الدولي، ومن الذي سيعتلي عرشه. هذه المُدوّنة ستحاول توقع فصول حربٍ باردةٍ مُحتملة بين الصين وأمريكا.

لو أردنا أن ندرس إمكانية أن يعود النظام العالمي لثنائي القطبية، فإن الصين -وعلى المدى البعيد تقريباً- هي المرشحة لأن تكون نداً للولايات المتحدة. كثير من المفكرين والكتاب الأمريكيين مثل: (جوزيف ناي، بريجنسكي، فريد زكريا، ريتشارد هاس، كسنجر… وغيرهم) كل هؤلاء وضعوا الصين في طليعة الدول الكبرى التي تسعى لأن تكون قطباً عالمياً، مع أن أغلب هؤلاء استبعدوا ذلك في المدى القريب.

بنى كثير من الساسة والمفكرين نظرتهم حول الصين بسبب اقتصادها القوي والمُتنامي، فهي تأتي في المرتبة الثانية بعد أمريكا في هذا المجال. بالإضافة، إلى كتلة سكانية هائلة، وموقع جغرافي فريدٍ داخل أوراسيا، وقدرات عسكرية لا يُستهان بها. الصين في هذه الأيام اخترقت كثيراً من أرجاء العالم تحت مظلة الاقتصاد، حتى أمريكا فإن أسواقها مليئة بالإنتاج الصيني. الصين هي أكبر دولة دائنة للولايات المتحدة. كل ما سبق وغيره جعل المحللين يقدمون الصين على غيرها من الدول، في توقعاتهم لعودة التوازن العالمي من جديد.

كورونا وترمب؛ عاملان مفاجئان سرّعا موجة التوقعات باقتراب تغيير في شكل النظام الدولي. شعبوية ترمب، واتباعه لحمائية تجارية، وسياساته التي أثارت هواجس حلفاء أمريكا قبل خصومها؛ أما كورونا فإنه زوبعة أصابت أركان النظام العالمي

في مقارنة استشرافية لحربٍ باردة مُحتملة بين الصين والولايات المتحدة، مع ما جرى من حربٍ باردة امتدت بين 1945-1991، فإن هناك أوجهاً مُتوقّعة من التشابه والاختلاف بين المرحلة الماضية والمرحلة القادمة. لعلّ من بعض الجوانب التي تتشابه بين المرحلتين المُقارنتين، ما يتعلق بالتحالفات، فالصين قد تركز على إنشاء تحالفات يغلب عليها الطابع الاقتصادي كما في منظمة شنغهاي ومجموعة بريكس. وقد تسعى أمريكا لتعزيز تحالفاتها العسكرية، وزيادة التعاون الاقتصادي في علاقة بينية مع الدول، وقد يدفع أمريكا لهذا شعورها بقطب يكون نداً لها، ليس كما يفعل ترمب اليوم؛ فإذا خسر ترمب الانتخابات القادمة، فلعلّ أمريكا ستصلح علاقاتها مع حلفائها.

قد تُحاول كلتا الدولتين وعبر المساعدات والقروض المُقدمة لبعض الدول، أن تجعلها أقرب إليها من الطرف المنافس. قد نرى تياراً من الدول يختار عدم الانحياز لأحد القطبين، وقد تكون بعض هذه الدول أوروبية، أو إقليمية بالقرب من الصين مثل اليابان، والتي يمكن أن تخشى على مصالحها بسبب التنافس بين عملاقين عالميين. سيظل النفط والغاز عاملين كبيرين في تحديد سياسات وصور التنافس بين أمريكا والصين. ستسعى الولايات المتحدة لتعزيز انتشارها العسكري حول العالم، وستكون هذه عقبة في طريق الصين، والتي يمكن أن تغري دولاً في الشرق من أجل إنشاء قواعد عسكرية لها هناك. قد نرى انتشار حروب الوكالة مدعومة من كلا الدولتين. إن طبيعة العالم تتغير، وهذا سيُحدث اختلافات عن السابق، وهذا يؤدي إلى تجديد في وسائل الحرب الباردة. مع تعدد واختلاف مستويات القوة، فإن التنافس العسكري قد تخبو حدّته، ويطغى بدل ذلك الصراع الاقتصادي، وكسب الأسواق، وبروز الحرب التجارية، والتي بدت بعض معالمها في هذه الأيام بين الصين وأمريكا.

استفحال العولمة في تفاصيل حياتنا سيلعب دوراً جديداً في مظاهر حرب باردة بين الطرفين، لذا قد نشهد حروباً إلكترونية يكون أبطالها الهكرز. قد تحتدم المنافسة في مجال التكنولوجيا، فأزمة هواوي والعقوبات الأمريكية التي طالتها قد تكون مثالاً على ذلك، وتهديد الصين باستعمال عناصر الأرض النادرة، والتي تُنتج الصين منها أكثر من 95 في المائة من الإنتاج العالمي، وتعتمد أمريكا على 80 في المائة من واردتها من هذه العناصر، والتي تُستعمل في صناعة كثير من الأجهزة التكنولوجية. قد يُحاول الطرفان كسب الفواعل من غير الدول، مثل المنظمات غير الحكومية، ورؤساء الشركات العالمية الكبرى، والشخصيات والوسائل الإعلامية وغير ذلك. وقد يتخذ الطرفان من الإرهاب حجة في كثير من تدخلاتهم، وبناء سياساتهم الخارجية.

قد يجري بعض الاختلافات في طبيعة الصراع والتنافس بين الصين والولايات المتحدة. لعلّ دعاية الأيدولوجيا ستكون أقلّ مما كانت عليه بين السوفييت والأمريكان، وتحلّ مكانها شعارات مثل الحرية، والقانون، والاستقرار، ودور الدولة، والديمقراطية وغيرها. قد يزداد التنافس في مجال القوة الناعمة، على حساب التنافس في المجال العسكري، لأن أهميته تضاءلت عما سبق. قد يُوسم الصراع بتنافس النموذج الشرقي في مواجهة النموذج الغربي، بطابع إقليمي وليس فكرياً كما كان بين الرأسمالية والاشتراكية. كل ما سبق يظلّ في دائرة التوقعات، وعالم السياسة لا يقين فيه، ومليء بالمفاجئات.

كورونا وترمب؛ عاملان مفاجئان سرّعا موجة التوقعات باقتراب تغيير في شكل النظام الدولي. شعبوية ترمب، واتباعه لحمائية تجارية، وسياساته التي أثارت هواجس حلفاء أمريكا قبل خصومها؛ أما كورونا فإنه زوبعة أصابت أركان النظام العالمي، والآثار النهائية لم تظهر بعد؛ كلّ ما سبق يجعلنا نتوقعُ بأن العالم سيدخل قنطرة الحرب الباردة؛ والتي لن تكون صراعا بين قطبين، بل هي صراع من أجل أن يتحوّل العالم إلى ثنائي القطبية؛ فإما يبقى العالم على حاله، أو أن تنجح الصين في تغيير شكل النظام الدولي.

وفي الختام أُذّكر بأنّ أمريكا تحولت لقطب عالمي بعد الحرب العالمية الثانية، مع أن اقتصادها كان الأضخم عالميا قبل عقود من ذلك؛ وحتى تستطيع دولة أن تصبح قطبا عالميا، أو قائدة للنظام الدولي، فإن الاقتصاد وحده لا يكفي لترجيح ذلك رغم أهميته الكبيرة؛ لذا أرى أن الكثيرين تعجلوا بأن ما بعد كورونا ستستلم الصين دفّة قيادة النظام الدولي، فأمامها مشوار وعقبات، وما زالت أمريكا متفوقة عسكريا، واقتصاديا، وتكنلوجيا، وهي المنتشرة بقواعدها ونفوذها في قارات العالم، وحتى قرب الصين. أمريكا تتضرر وتفقد تدريجيا من مكانتها، ولكن الوقت ما زال مبكرا بعض الشيء حتى نقول بأن الصين قد وضعت يدها على عرش النظام الدولي.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة