فيروس التطور المستقل هو ما تخشاه أمريكا

blogs ترمب

أخلط الوباء المستجّد Covid 19 العديد من الأوراق، وكشف عن كثير من الأوهام، وجعل الناس في كل أنحاء العالم يعيدون الحسابات في معتقداتهم وأفكارهم وفي كل ما تقبلوه، بالبداهة، في السابق على أنه من المسلمات. أسئلة كثيرة وعديدة برزت إلى السطح بسبب هذا الوباء، هل الولايات المتحدة الأمريكية هي حقا القوة التي تتحكم في العالم وتسيره كيفما تشاء؟ هل هناك بالفعل قوى ناشئة تنافس هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل لازال الدين فعال في الواقع الاجتماعي؟ هل يتماشى التطور التكنولوجي مع مستقبل أفضل للبشرية؟

   

في السابق حطّم عصر ما بعد الحداثة أوهام الحداثة، ففي الوقت الذي بشرّت به هذه الأخيرة البشرية بمستقبل أفضل، تطور صناعي، عقلانية، حرية، مساواة، عدالة، مركزية الإنسان…صٌدم العالم بحرب عالمية أولى ثم ثانية، بعدها حرب باردة أدخلت العالم في حالة من الهستيريا والتوتر والحذر الدائمين فكانت النتيجة تغير في سُلّم القيم، فأصبح القوي والمهيمن هو من يستطيع فرض قيمه الحضارية والثقافية حتى وإن كانت الأساليب والآليات معادية للقيم الإنسانية.

 

بعد تفكك الإتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينات، ومحاولة الولايات المتحدة الأمريكية بسط سيطرتها على العالم، وظهور الصين كمنافس اقتصادي شرس لبلد العم " سام "، وظهور مفاهيم وفزّاعات جديدة كالإرهاب الديني ومعاداة السامية، وفوبيا الإسلام، بدأ العالم يتقبل فكرة الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والثقافية للولايات المتحدة الأمريكية، وحقيقة الوحدة الأوروبية التي ربما ستشكل حاجزا أمام الطغيان الأمريكي المتستر خلف ذريعة محاربة الإرهاب، والحلم الواعد لدول الشرق في أن تصبح الصين عرّابا للدول الضعيفة والمجتمعات الفقيرة التي أنهكتها أنظمة الحكم الشمولية والمستبدة.

 

فجأة ظهر الوباء في بلد " الهواوي HUAWEI " الذي أرعب " آبل APPELE "، وافزع الكوربوراتية الأمريكية، وعادت معه إلى الظهور نظريات المؤامرة بمختلف أشكالها وتنوع فرضياتها التي يجمع فيما بينها قاسم مشترك هو محاولة قطع الطريق أمام الصين كبديل للولايات المتحدة الأمريكية في الهيمنة العالمية. ومهما اختلفت الفرضيات فستبقى الحقيقة طيف متشابك من الألوان يستحيل القبض عليه أو حتى الاتفاق على عدد ألوانه. إلا أن الذي يغنينا عن هذه الحقيقة، التي تعددت بتعدد طرق الوصول إليها، هو الواقع الذي تكشّفت عوراته وبدت سوءاته على مرأى ومسمع العالم بأسره.

   undefined

  

كان الحلم الأمريكي، ولا يزال، هو السيطرة على العالم، أو ما أسماه مهندسو السياسة الأمريكية إعادة تشكيل العالم أو " المجال العظيم " الذي يشمل نصف الكرة الأرضية الغربي، مصادر الطاقة في الشرق الأوسط، بقية العالم الثالث وإن أمكن ما تبقى من العالم، كما جاء في كتاب نعوم تشومسكي " ماذا يريد العم سام ". ولقد أكدّ الخبراء المخططون على أن تحقيق هذا الحلم لن يتأتى إلا من خلال فرض الهيمنة والسيطرة على هذا المجال لكي يخضع لمتطلبات الاقتصاد الأمريكي، وذلك من خلال استخدام كل الوسائل القذرة، كدعم الديكتاتوريات وزرع البلبلة، ودعم الثورات المضادة في الدول التي تثور ضدّ الأنظمة الفاشية والديكتاتورية، حتى وإن اقتضى الأمر تدخلا عسكرا سافلا في الدول التي تنجح في مقاومة هذه المكائد. وتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية حافل بالتدخلات العسكرية في عديد من دول العالم بغية فرض الهيمنة وتلقين هذه الدول المتمردة على السيطرة الأمريكية دروسا في الطاعة والولاء.

 

احتلت الولايات المتحدة هايتي والدومينيكان، وتدخلت عسكريا في كوريا، فيتنام، بنما، كوبا، غواتيمالا، الاكوادور، ليبيا، أفغانستان، العراق، الصومال، السودان، يوغوسلافيا…والقائمة طويلة. كل هذه التدخلات العسكرية كان هدفها تطويع هذه الدول التي تسعى إلى الإفلات من قبضة "اللفياثان الأمريكي" حسب تعبير توماس هوبز، وتقويض كل محاولات التحرر من هيمنة الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي إخضاع العالم بأكمله أو ما كان يطلق عليه مخططو روزفلت أثناء الحرب العالمية الثانية " المنطقة الكبرى " إلى مفهوم النظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث تتمتع بسلطة مطلقة وتفوق اقتصادي وهيمنة عسكرية على هذا المجال وإن أمكن على العالم بأسره.

 

كل ما كانت تخشاه أمريكا هو ما أسمته " فيروس التطور المستقل"، أي التطور الاقتصادي والتكنولوجي الذي يسمح لبعض الدول أن تتحرر من السيطرة الأمريكية. ففي عام 1945 كثر الحديث في وسط النخبة المتشبعة بالسياسية الأمريكية التوسعية، عما أطلقوا عليه " خسارة الصين "، وتعني الخسارة هنا انفلات الصين من قبضة أمريكا. أما في عام 1950 فقد خشية الولايات المتحدة الأمريكية أن تخسر جنوب شرق آسيا، وهذا ما انجرّت عليه حرب الهند الصينية التي شهدت أبشع المجازر في تاريخ الإنسانية. أمريكا مستعدة أن تدمر نصف العالم من أجل أن تبسط سيطرتها على النصف الآخر.

 

كل تدخلات أمريكا في دول العالم سواء العسكرية منها أو التدخلات غير المباشرة عن طريق الانقلابات العسكرية، دعم الثورات المضادة، تزوير الانتخابات لصالح الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، كان هدفها الأساسي هو إبقاء هذه الدول في داخل بيت الطاعة الأمريكي وعدم السماح لها بالتحرر والتخلص من السحر الاقتصادي والسياسي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية على دول العالم. يستعير نعوم تشومسكي في كتابه " من يمتلك العالم " عبارة هنري كيسنجر، وهو يتحدث عن تشيلي، " يجب أن نمنع فيروس التطور المستقل من نشر العدوى إلى أماكن أخرى". بمعنى أنه يجب أن نحارب وأن نغزو، نقتل، ندمر، نشتت، نفكك، كل من سولت له نفسه أن يتطور ويتقدم ويحقق تنمية اقتصادية واجتماعية، وأن يمتلك قوة عسكرية، بمعزل عن الهيمنة والمراقبة الأمريكية، وخارج ما تحدده وتفرضه قوانين الاقتصاد الأمريكي وما تمليه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، لأننا إذا سمحنا بهذا لدولة واحدة فستنتشر عدوى التحرر والاستقلال إلى باقي الدول.

   undefined

  

هل ستسقِط كورونا الحلم الأمريكي؟ الحلم الذي حاولت، دولة العم سام، جاهدة أن تغرسه في أذهان البشرية جمعاء، من خلال سياستها التوسعية واقتصادها العالمي، وثقافتها الكونية، حسبما تدعي، والماثلة في أفلامها ومسلسلاتها التي تسعى من خلالها إلى تسويق مفهوم النظام العالمي الجديد ذو القطب الواحد. ليس الهدف من هذه الورقة هو الإجابة على هذا السؤال، بقدر ما نحاول أن نثير مثل هذه الأسئلة في ذهن المواطن العربي الذي دخل في صراع مع أنظمته الشمولية المستبدة خصوصا منذ أن هبّت عليه نسائم ثورات الربيع العربي. فهذه الأنظمة العربية الديكتاتورية ما هي إلا واجهة لهذا " اللفياثان " أو الغول الأمريكي الذي تمّلك عقول القادة العرب، وسيطر على ثرواتهم، وزرع الفرقة بينهم، وجعلهم يعتقدون أنهم يمتلكون دولا حقيقة ويؤسسون أنظمة حكم فعلية.

 

بدأت أمريكا في توجيه اتهاماتها للصين بخصوص انتشار فيروس كورونا المستجِد، ومن غير المستبعد أن تكون لها يد في انتشار هذا الفيروس، ولا أعتقد أن أمريكا تريد من خلال هذا الاتهام، تبرير تماطلها وتلكؤها في محاربة الوباء داخل أراضيها، بل لأنها تستهدف في الحقيقة هذا العملاق الطيِّع الذي بدأ يستعيد قوته وجبروته، وبدأ بالفعل يهدد الاقتصاد الأمريكي ويتطاول على السياسة الأمريكية، ويرنو إلى الاستقلال من هذا الاستعمار الناعم الذي تمارسه الولايات المتحدة على دول العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. أمريكا تخشى من تطور الصين واستقلالها ثم من انتشار العدوى لباقي الدول الأوروبية ثم لبقية العالم.

 

الولايات المتحدة الأمريكية لا تخشى انتشار الفيروس البيولوجي، ولربما قد يكون واحدا من أسلحتها الفتاكة، إنما الذي تخشاه هو انتشار عدوى الفيروس الفكري والتحرري الذي سيكون بمثابة اللقاح والمصل ضدّ السياسات المسومة التي تنتهجها أمريكا وتزرع بذورها في كامل دول العالم من أجل أن تبقى هي المسيطر الوحيد وهي من يمتلك العالم. كما أن أمريكا لا تخشى الإسلام الراديكالي، بل هي من تدعمه لأن قاسمهما المشترك هو عدوهما اللدود المتمثل في القومية العلمانية، التي تسعى إلى تأسيس أنظمة ديمقراطية غير مدّجنة بجينات الولاء والخضوع للأم المتسلطة الأمريكية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة