عندما تتحول الفنتازيا القاتلة إلى حكمة ساحرة!

blogs كورونا

بينما كانت فراشة تشق طريقها بصعوبة للخروج من شرنقتها عبر ضيقٍ مُحتدم. توقف طفلٌ عند معاناتها، وكان قد مر بصدفةِ عابر سبيل، راقب عن كثبٍ أوجَ بداياتها وهي تحاول الهروب نحو الحياة، شاهدها تُقاتِل في سبيل العبور، وتستغرق في ذلك وقتاً مليئاً بالألم، كانت تحاول جاهدة، إلَّا أنَّ ضيق بداية الحياة يُرهق أصحابه، ويسلب قواهم، حتى يميزَ جَلَدُ المحاولة بين المثابرِ والمتخاذل. وبفطرته، قرر الطفل مساعدة الفراشة، فامتشق شيئاً من ما تحتضنه الأرضُ وقطع شرنقتها، لتخرج فراشةً ذات جسمٍ هزيلٍ وضعيف، يُثقلها جناحين دون أدنى حركةٍ من الطيران. أخذ الطفل يُراقب طيران الفراشة الأول، مُحتفياً بانتصار قَدْرِ مُساعدته لها على قَدَرِها، معتقدًا أن جناحيها سينتفضان للمرة الأولى في مديحه وشكرِ الحياة. لكن، لا شيء من هذا حدث، ولم تطر الفراشة. لأن خروجها من ضيق شرنقتها ضروري لحركة الجانحين، ومساعدة أحدهم على ترك قوقعتها جعلتها غير قادرة على النمو والتطور. وهكذا نحن، إنْ سُمِحَ لنا بالعيشِ دون مواجهة الصعوبات، لن نكون قابلين للحياة. الحياة زاخرة بالتحديات، لتجعل الأجيال أقوى، أكثر علماً، وأسمى سلوكاً.

منذ انفجار قنبلة كورونا (كوفيد – 19) في جغرافيا العالم، ما فتئ ذلك الحدث مثارَ جدَلٍ عميقٍ على المُستوى الرّسمي، ومحط تراشق الأفراد لأرائهم لغاية جدلٍ بيزنطيٍّ حول اللغز، دون أدنى جهدٍ للقبضِ على مفتاح الحلّ والخلاص. ومهما كان أصل الظاهرة، إلا أن ثمة حقيقة مفادها أن مناعة الواقع كمناعة أجسادٍ أصابها الوباء، ترتجف من حرارةِ مؤشراتٍ مُلتهبة تترامى هنا وهناك، وهي ليست بعيدة إنها على تراب الواقع. صرح صندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن معدلات النمو العالمية ستنخفض خلال عام 2020 لتصل إلى 2.4 بالمئة، وبهذا فهي تنخفض بمقدار 5 درجات عشرية عن العام 2019، ذاك العام الذي كان فيه الدين العام أكثر بـ 320 بالمئة من الناتج العالمي، وإذا ما تفاقمت الأزمة فلربما تصل معدلات النمو إلى 1.5 بالمئة.

اتخذت الحكومة الفلسطينية إجراءاتٍ احترازيةً عديدة مثل فرض الحجر المنزلي الاجباري، وكان لتلك الإجراءات وقعاً محورياً في التقليل من اتساع دائرة الوباء، أو انتقالها إلى مناطق جغرافية أخرى

لم تكن الجغرافيا الفلسطينية بسكانها واقتصادها بمعزلٍ عن مآلات أزمة كورونا العالمية. فالأرقام السابقة التي غزت النظام الاقتصادي العالمي، وألقت بظلالها على جميع دول العالم، شكلت تحدياً إضافياً إلى الاقتصاد الفلسطيني الذي يعمل منذ ولادته الأولى ضمن تحديات وويلات داخلية وخارجية شتّى، ولا سيما آخرها أزمة المقاصة لعام 2019. وبينما كانت تداعيات أزمة المقاصة قائمة، تراكمت فوقها مباشرة أزمة كورونا الصحية، وما رافقها من أحداث جسام ومُتشعبة، لتكون أزمة كورونا هي "نقطة الماء التي جعلت الكأس يفيض". وبانت أزمة كورونا بأقسى صورها في ظل فنتازيا الظرفية التي يعيشها العالم أجمع للمرة الأولى منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بينما استمرت الأراضي الفلسطينية تُصارع الأحداث والاضطرابات الاقتصادية في كل الفترة المنقضية، وعند كلّ منعطف كان تتحول الفنتازيا القاتلة إلى حكمةٍ ساحرة.

أعادت جائحة كورونا سطورَ الرّواية الفلسطينية إلى ملحمةٍ جديدة، تُعبِّر عن ضميرٍ جمعيٍّ مبني على تصوّرات الانتصار، وفضاؤها العام ذو سكونٍ ممتلئٍ بضجيج أحداثِ الانتفاضتين، بطلها مجتمع كوادر الأمن والصحة والملازمون بيوتَهم، بينما تتمفصل أحداثها حول بطولات فائقة لأهل الخير المتسابقين في ميادين مدنهم وقراهم ومخيماتهم، وللجان الأحياء المرافقين الرغيف إلى بيتٍ خلى منه وامتلئ بطهره، ولعاملي الخدمات الضرورية حين يلبون النداء، في التوصيل وتوزيعهم الغذاء، وكل من يُخطط ويُشارك، ويحاصر حصار الوباء.

وتمفصلت خطة الحكومة الفلسطينية في حصارها للوباء حول سياستين أساسيتين أولهما "محاربة الوباء بالحصار". إذ اتخذت الحكومة الفلسطينية إجراءاتٍ احترازيةً عديدة مثل فرض الحجر المنزلي الاجباري، وكان لتلك الإجراءات وقعاً محورياً في التقليل من اتساع دائرة الوباء، أو انتقالها إلى مناطق جغرافية أخرى. لكن، لكل سيفٍ حدَّين، وعالم السياسات العامة لا يعمل ضمن إطار المدينة الفاضلة (اليوتوبيا)، فذات الخطوات أودت إلى تثبيط حيوية النشاط الاقتصادي الفلسطيني من خلال تقليل الطلب، وهذه قضية عالمية.

وفي محاولة لاستساغة الحياة الاقتصادية، عمدت الحكومة إلى ضمان عمل القطاعات الضرورية أولاً، مثل عمل البقالات والصيدليات والمخابز من الساعة العاشرة صباحاً حتى الخامسة مساءً. إلى جانب توفير موارد كافية للمتضررين من الأزمة، من خلال العمل على تأمين شبكة أمان لتقديم مساعدات للفئات ذات الدخل المحدود والمهمشة، وتقديم مساعدات إلى 30 ألف عامل فقدوا وظائفهم، إلى جانب صرف الحكومة لمساعدات بقيمة 136 مليون شيقل عبر وزارة التنمية الاجتماعية إلى أكثر من 115 ألف أسرة. وعملت الحكومة على الحيلولة دون الاضطراب الاقتصادي المفرط من خلال تبنّي أولوية استمرار رواتب الموظفين العموميين الذين يصل عددهم إلى 209 ألف موظف، ويعيلون ربع الشعب الفلسطيني. إلى جانب خلق حوافز لقطاعات متضررة من خلال برامج بنكية ميسرة، وبتعزيز من الصناديق العربية والإسلامية عبر صندوق بقيمة مبدئية تبلغ 300 مليون دولار.

وبالتَّوازي مع السياسة الأولى تعمل الحكومة على سياسة "التعافي من مآلات الوباء". إلَّا أنَّ هذه السياسية تتطلب دوراً فاعلاً للمواطن الصالح إلى جانب الحكم الرّشيد، كي يكون المواطن طرفاً في صنع الحل، وليس مُستقبلاً له فقط. وعطفاً على ذلك، أصدرت سلطة النقد الفلسطينية ورقةَ تقدير موقف، وجاء في تلك الورقة سيناريوهين إثنين، ويفترض السيناريو الأول أن تستمر الأزمة في الأراضي الفلسطينية حتى شهر حزيران المُقبل (شهر 6)، بينما تستمر وفق السيناريو الثاني حتى شهر آب (شهر 8). وخلال ما سبق، يجب أن لا يكون التفكير الفردي أو الجمعي تفكيراً "اقتصادوياً" مجرداً، وثمة ما يُمكن فعله على المستوى الاجتماعي – الاقتصادي ويُختزل فيما يلي:

أولاً: اعتبار ظرفية كورونا فرصة ذهبية من أجل ترسيخ مبادئ الاقتصاد المقاوم والاعتماد على الذات في ظل انخفاض حجم الواردات السلعية المُتدفقة إلينا.
ثانياً: بما أنَّ الشعب الفلسطيني يمتلك كتلة تاريخية في النشاط الزراعي، فإنَّ تطبيق استراتجية العودة إلى الأرض تُساهم بشكلٍ كبير في الحاجات المنزلية.
ثالثاً: محاولة تغيير العديد من القيم الاستهلاكية الباذخة والمؤطرة لسلكوياتنا في مناسبات كثيرة، والتي بطبيعتها أثقلت من موازنة البيت الفلسطيني، وقوضت قدرة المجتمع الفلسطيني على التطور الحقيقي والشامل. ويرتكز ذلك التغيير على عدة محاور أهمها: ترشيد الاستهلاك والإنفاق في مجالات السلع الأساسية والثانوية والطاقة والمياه. وهذا بدوره يُقلل من العجز في الميزان التجاري.
رابعاً: التفكير الخلَّاق في كيفية توظيف هذا الوقت في البحث عن آفاق جديدة لتطوير البنية الإنتاجية الفلسطينية الصغيرة والصغيرة جداً، فالوطن يحتاج منا أن نفكر، سواء في الفضاء الافتراضي أو الواقعي، واليوم هو يوم العمل.

خامساً: تأمين الحيز الكامل لتطبيق فكرة "صناديق العائلات الممتدة" الرامية إلى تعزيز ثنائية التعاون والتكافل في بنية المجتمع الفلسطيني، إلى جانب دورها في تحقيق الأمان الاجتماعي، وحماية المجتمع من التجزئة.
سادساً: المساهمة في تأسيس وإنجاح الجمعيات الأهلية مثل جمعيات الفلاحين، وجمعيات الإنتاج المنزلي، الهادفة إلى نقل فئات اجتماعية معينة من هامش البطالة والفقر إلى متن العمل والإنتاج.
سابعاً: مساهمة الفئات المقتدرة في دفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام، ويأتي ذلك من خلال تقديم أصحاب الأموال المساعدات والقروض للقطاعين الخاص والعام، والأهم هو التزام من يستطيع بتسديد قيمة الشكات والدفعات المستحقة عليه للغير.
ثامناً: تحويل الجدول الزمني الحالي للمحنة إلى منحة، وهنا أقصد دور المرأة الفلسطينية والرجل الفلسطيني في تنشئة الطفل. ففي هذه الأوقات، العائلات تلتحم، وبات من المهم إعادة بعض المفاهيم إلى عقول أجيالنا.

في النهاية، سننتصرُ على هذه الأزمة، كما انتصرنا في معاركنا العديدة. وسنمر جميعاً فوق صعابٍ حاصرتنا فحاصرناها، سنذهب أول أيام العيد، بعد أن نفرغ من صلاتنا، لنَهنئ نيقولا ومريانا قواس بعد انتصارهم على مرضهم، سنزور شامَ، تلك الطفلة التي حاربت غازياً صغيراً، وصرخت بوجهه "على أرضي ما يستحق الحياة"، ستكبرُ شام، وستنطلق نحو الأمل. ستعود الحياة كما ألِفناها، مليئة بالضجيج والصراخ والذروة والمصافحة والتقبيل. بعد أن نُضمِّد جراحنا جميعاً، وتشفى القلوب من ألمٍ ألَمَّ بها جرّاء جائحةٍ عبرت فوق حريَّتنا فقيَّدتنا كما الأسلاك الشائكة، سيُصبح بوسعنا أن نلتقي جموعاً في أروقةِ الحارات، وعلى شُرفات المقاهي، وفي الجامعات. سيخرج الناطق باسم الحكومة، السيد الكريم إبراهيم ملحم، سيخرج على دوار المنارةِ، عند الأسود الخمسة، ونبعةِ الماء المدفونة، ليزفَ لنا خبراً مفاده التالي: تماثلت اليوم آخر حالة كورونا إلى الشفاء. وحتى ذلك الحين، كونوا على ثقةٍ بالله، وآمنوا بحتمية الانتصار.