الجزائر وإجراءات احتواء فيروس كورونا

مع الانتشار الواسع لجائحة كورونا ظهر مصطلح مناعة القطيع عبر وسائل الإعلام العالمية على لسان رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون"، الرافض لسياسات الحجر الصّحي والتباعد الاجتماعي الداعية لها منظمة الصّحة العالمية كإجراء وقائي لتفادي انتشار الوباء، وسط آراء متضاربة تطالب إحداها بأن يحذو العالم "الطريقة الصينية" كتجربة وقائية فاعلة، أو يعتمد سياسة السويد التي لم تمنعها أعداد ضحايا فيروس كورونا المتصاعدة لرفض سياسات الحجر الصّحي، مكتفية بتقديم النصائح والارشادات لمواطنيهم في اتباع سبل الوقاية الذاتية والتمسك بالمسؤولية الفردية تجاه الصّحة العامة، فاتحة المجال الاجتماعي والاقتصادي للقطاعات المختلفة، مرتكزة بقدرة النظام الصّحي للمملكة على استعياب الارتدادات السريعة التي تخلفها الأمراض والأوبئة بما فيها كوفيد-19.

زائر غير مرحب به

على وقع التهافت الدولي للحصول على المستلزمات الطبية من أقنعة وأجهزة للتنفس، وقرصنة لمواد التعقيم من طرف دول صناعية كبرى انبرت لحل الأزمات الساسية والأمنية المعقدة، تأخرت الدول العربية عن استعياب حجم الكارثة الصّحية التي تحملها سحابة كورونا إلى المنطقة، ففي منتصف فبراير/شباط الماضي سجلت الجزائر أوّل حالة إصابة بفيروس كورونا، لرجل إيطالي وصل إلى الأراضي الجزائرية عبر طائرة، تزامن ذلك مع ارتفاع عتبة الكشف في منحى العدوى لدى الايطالين وازدياد المصابين والضحايا في أوروبا، حاولت السّلطات يومها تتبع متتالية العلاقة البشرية للمصاب، معززة إجراءاتها الاستقصائية بالكشف الطبي للحالات المشكوك فيها وغير المعلن عنها عبر وسائل الإعلام، إلا أنّ الرحالات المدنية القادمة من أوروبا البؤرة الثانية لفيروس كورونا لم تتوقف، مع افتقار المطارات الدولية الجزائرية لأدوات الكشف المبكرة لفيروس كوفيد-19 والمراقبة الحرارية للوافدين، ضاربة الدعوات المحلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بضرورة غلق المجال الجوي بأسرع وقت.

الجزائر ضمن مجموعة عربية يقف نظامها الصّحي على أعطاب كثيرة بسبب تفشي الفسّاد الإداري المستشري بها، بدء من خصخصة المهنة وصولا إلى إهمال للكوادر الطبية الحكومية والمرافق الصّحية العمومية

تأخر السّلطات الجزائرية في إدراك المخاطر الصّحية التي يخلفها فيروس كورونا على نظام الرعاية الطبي، تجسدت في تصريح وزير النقل الجزائري للإعلام زعم فيه "أنّ الوباء سينجلي مع بداية ارتفاع لدرجة الحرارة" في الأيام والأسابيع المقبلة، مستهينا بحالة الهلع العالمية تجاه الجائحة، لم تتحقق نبوءة الوزير المخالفة لمعايير الالتزام المعرفي بالرجوع إلى "الخبراء المعنيين بالأوبئة"، لتلعن وكالة الأرصاد الجوية الجزائرية عن تساقط أمطار غزيرة منذرة بفيضانات عارمة في المناطق المحلية المتضررة من فيروس كورونا، كما أنّ الوزير تغافل عن الاصابات المعلنة بمنطقة الخليج العربي التي تبلغ معدلات درجات الحرارة مع منتصف أبريل/نيسان أواخر الثلاتينات، إلى جانب التقارير الأممية لمنظمة الصّحة العالمية المبينة بأنّ ارتفاع درجات الحرارة لن يؤثر في سلسلة انتشار فيروس كورونا، وأنّ المنحى التصاعدي للعدوى سيبدأ من الأسابيع التي يتم فيها رصد أولى حالات الاصابة.

الضحية كوفيد-19/1.. الجزائر في عين الجائحة

قبل العثور على حالة المريض صفر، زعم بعض النشطاء أنّ "موجة الصقيع" التي اجاتحت الجزائر بداية عام 2020 عقب ندرة شديدة في كميات الأمطار الموسمية، أدت إلى ظهور أعراض غريبة على الصّحة الفردية، بسبب نكوص الطبيعة التي منيت بها الجزائر منذ شهر يناير/كانون الثاني، صاحب موجة الصقيع جفاف في الحلق مع حرقة إلى جانب صداع وبعض الحمى، تم تشخيصها طبيا على أنّها أعراض طبيعية مرتبطة بالانفلونزا الموسمية، بعيدا عن التحقيقات الطبية والكشوفات اللازمة لتحديد "المصاب كوفيد-19/0" لخريطة انتشار فيروس كورونا، ولأنّ النظام الصّحي الجزائري لا يمتلك القدرات الكافية لترصد فيروس كورونا مبكرا، بدت الإصابات تلك كحالات اعتيادية يتداوى المستمرضون بها بأدوية الإنفلونزا، في وقت أخذت مستويات منحنيات العدوى في العالم تتصاعد بشكل رهيب، متجاوزة بعض المناطق "عتبة التوازن الصّحي" المرتبطة بالقدرات الاستعجالية لأنظمة الرعاية الطبية، لا "ذروة تفشي الوباء" التي بدأت تشكل منحنيات متقاربة مخلفة وراءها تساؤلات حول إمكانية الدول العربية من رصدها.

الجزائر ضمن مجموعة عربية يقف نظامها الصّحي على أعطاب كثيرة بسبب تفشي الفسّاد الإداري المستشري بها، بدء من خصخصة المهنة وصولا إلى إهمال للكوادر الطبية الحكومية والمرافق الصّحية العمومية، ومع استفحال أعداد ضحايا الوباء خارج الدائرة الجزائرية، بدت أزمة الكمامات ووسائل التنفس "المهمة الأساسية" التي تعمل عليها الحكومات للاستحواذ عليها، فالعالم الصناعي المتهافت على سفن الكمامات والمفعّل لأنظمة الطوارئ لإنتاج مزيد من أدوات التنفس الصناعي، رسم المخاوف المترتبة عن وباء كورونا بمنطقتنا وآليات دولها "للظفر بالمنتجات الطبية" في ظل شح موارد الصحة العامة الوقائية واستفحال ظاهرة "القرصنة الطبية"، وأنّ الجائحة غيرت مجرى الحروب الدولية نحو جولة حقيقية يتم فيها "اختبار إنسانيتنا" كما صرّح الرئيس الألماني "فرانك فالتر شتاينماير".

جهود الأنظمة العربية المبذولة لتعزيز "مكافحة الإرهاب" وقدرتها على تحريف "المتطلبات الاجتماعية" باكتساب "مناعة أمنية قمعية" لا تستجيب للتحديات التي فرضها فيروس كورونا، إذ الشفافية وسرعة التدخل الوقائي بداية المسار نحو حصر مخاطر وباء كوفيد-19، للحفاظ على البنية الاجتماعية من الهزات التفكيكية وتحصين المنظومة الاقتصادية من تباطئ النمو، وهاهي الدول البتروعربية لم تخرج بعد من تبعات الوباء تشاهد الفائض النفطي يغزو الأسواق العالمية معلنا تهاو مقلق في أسعار "العملة السوداء"، ما استدعى قرارات حاسمة من رئاسة الدولة الجزائرية بعد الاجتماع الطارئ مع أعضاء الحكومة تمثلت في رفض السلطة التام للجوء إلى الاستدانة أو التمويل غير التقليدي، لحقها تعويم جديد للعملة الوطنية معلنة دخول الدينار الجزائري مرحلة أخرى من تاريخ أمراء الحروب والأوبئة.

في انتظار اللقاح.. هل حقق المجتمع الجزائري المسؤولية الجماعية؟!

تحت شعار "كورونا لا يخيفنا" تقدمت مسيرات الحراك الجزائري للجمعة/56 بين صفوف أفراد الشرطة المكممين بأقنعة بيضاء، رافضين الاذعان لحالة الخوف التي اجتاحت العالم المألوم بانتشار فيروس كوفيد-19، فقد سجلت الجزائر في 12 مارس/آذار أولى حالات الوفاة و26 إصابة جديدة، وسط دعوات شعبية ونخبوية لتجميد النشاط الحراكي؛ بعد يومين من "مسيرة التحدي" تناقلت وسائل إعلام دولية تجربة "أوّل لقاح" من طرف المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في الولايات المتحدة الأمريكية لعلاج فيروس كورونا المستجد، مع ترقب وحذر شعبي وأممي لمدى فاعلية التجارب الطبية المستعجلة، لم تنتظر الجزائر نتائج الاختبار السريري لتعلن إغلاق المجال الجوي، فتتبعها بإجراءات مشددة بغلق العاصمة وبدأ سريان الحجر التام بمدينة البليدة "مركز المحنة"، عقب تصريح وزير الصّحة الجزائري الذي أكد أنّ البلاد دخلت المرحلة الثالتة من تفشي الوباء.

توقفت مسيرة الحراك وأصبحت شوارع العاصمة وميادينها خالية من الهتافات الثورية، وتوارت أغاني "الكورونا ولا انتوما" خلف المسؤولية الأخلاقية لحراكييها، ومع ارتفاع مستويات الإصابة فرضت الحكومة الجزائرية حضرا تاما بكافة مناطق الدولة داعية المواطنين البقاء في بيوتهم، وعززت إجراءاتها بتعليق الدراسة وغلق المساجد وصرف الإداريين غير الأساسيين وتمشيط للأسواق الشعبية ورصد للممارسات الاجتماعية وتعطيل حركة النقل العام، وبدأ التسابق نحو السيطرة على منحى عدوى الجائحة، يسجل تذبذبات بسبب الشعبوية في اتخاذ قرارات الدعم الاجتماعي والمساندة، مع تراخ مفرط في استجابة المجتمع الجزائري لتدابير الوقاية الجماعية، فمشكلة السلطة/المجمتمع إزاء الوضع المستجد من الجائحة كانت الحصول الفرد على "شكارة سميد"، في طوابير يصل بعضها إلى مئات الأشخاص، لتنمحق بذلك أسابيع معدودة من الحجر الصّحي.

كما أنّ الهوامش المدنية انبرت لإيصال المساعدات للعوائل المحتاجة والفئات المتضررة من العزل، حارمة "طواقم قوافلها" من أدنى مستويات الوقاية الصّحية، وبدل أن يتم تأطير "الوضع المستجد" كما زعمت جهات إدارتها ومرافقتها "للحراك السلمي"، والتوجه نحو "تطعيم المنظومة الصّحية" ودعمها بمساعدات بشرية وتقنية مستعجلة، بقيت الشعبوية تأخذ تمظهراتها في شتى المبادرات الحكومية والشعبية على حد سواء، كي ترسم لوحات اعتباطية ومفتعلة للمناعة الجماعية، ووقف الأطباء والممرضون "العموميون" في عين العاصفة يذودون بما استطاعوه حيلة للحد من سقوط ضحايا جدد للوباء، في حين خذل الكثير من الأطباء الخواص قسمهم والتزامهم الأخلاقي تجاه المآسي التي تصيب الإنسانية، مهرولين نحو صفحات استشارية بمواقع التواصل الاجتماعي التي تفشت فيها أرقام ضحايا كوفيد-19.

اعتمدت الجزائر بروتوكول علاج فيروس كورونا "الكلوروكين" الذي أظهر فعاليته في علاج بعض المصابين، غير أنّ منظمة الصّحة المقرة لفاعلية دواء الملاريا ما زالت متمسكة بالاجراءات الاستباقية للتباعد الاجتماعي، والتي ترتب عنها اختلالات اجتماعية وخسائر اقتصادية ضخمة بالعالم، حيث أعلنت دول كثيرة تمديد الحجر الصّحي إلى منتصف مايو/آيار المقبل كإجراء احترازي؛ بينما تنتظر أوساط عدة قرار رئيس الجمهورية تمديد فترة الحجر الصّحي الموصى بها من جهات علمية وطبية، تتوجه أعين المجتمع الجزائري نحو اللجنة العليا للافتاء لإعلان استقبال شهر رمضان، ممارسا حياته الطبيعية في زمن الكورونا بكثير من الاستخفاف واللامبالاة، فذات يوم صرّح الأمين العام الأسبق لحزب الأفالان "جمال ولد عباس" أنّ الجزائر أفضل بكثير من السّويد التي انتهجت سياسة القطيع!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة