مناعة القطيع.. استراتيجية وقائية أم مواجهة جذرية؟

منذ ظهور فيروس كورونا المستجد الذي انتشر بدءاً من الصين في نهاية العام الماضي، بدأت العديد من المصطلحات تظهر للتداول، بعضها لم يكن مستخدماً من قبل، وبعضها الآخر كان تداوله نادراً، ومنها مصطلح مناعة القطيع الذي شهد استخداماً وتداولاً واسعاً، وخاصةً بعد اعتماده من قبل بعض الدول الأوروبية كبريطانيا وهولندا والسويد كسياسة للتعامل مع فيروس كورونا المستجد، حيث أثار استخدام هذه السياسة جدلاً واسعاً في الأوساط البحثية الاجتماعية والسياسة والطبية نظراً لما قد يترتب عليها من نتائج قد تكون غير محسوبة في مواجهة هذا الفيروس.

تفترض نظرية مناعة القطيع بشكلٍ عام بأنه يُمكن إعاقة انتشار الأمراض المعدية التي تنتقل من فرد لآخر بشكلٍ متسارع، عندما يتمتع أعداد كبيرة من أفراد المجتمع بالمناعة ضدها، وكلما كبرت نسبة الأفراد الذين يمتلكون المناعة، كلما قلت احتمالية انتقال الفيروس. وتدعو هذه النظرية إلى ممارسة أفراد المجتمع حياتهم بشكلٍ طبيعي، دون اتخاذ أي إجراءات صارمة تجاه انتشار الفيروسات المعدية حتى يصاب أكبر عدد ممكن من هؤلاء الأفراد بالفيروس، بحيث تتعرف أجهزتهم المناعية على الفيروس، ومن ثم تحاربه إذا ما حاول مهاجمتها مجدداً على اعتبار أن أجساد البشر لديها القدرة على التصدي لأي فيروس جديد، ثم تقوم بحفظ طريقة المواجهة داخل الجسم من خلال تطوير ذاكرة لهذا الفيروس، للتصدي له مستقبلاً بكل سهولة، مستندةً في ذلك على الطريقة التي تعمل بها اللقاحات، والتي تقوم بخلق ذاكرة للمرض من دون أن يصاب الجسم حقيقة بالمرض، إذ يكون اللقاح مكوناً من فيروسات ميتة أو ضعيفة، لكنها كافية لتكوين ذاكرة لدى جهاز المناعة من دون إصابة الجسم بالمرض، فعندما يُعطى لقاح إلى عدد كافٍ من الأشخاص في المجتمع ضدّ وباء ما، يمكن أن يزيد ذلك من صعوبة انتقاله إلى أفراد آخرين معرّضين للخطر لم يتلقوا اللقاح أو لم يكن ممكناً تطعيمهم.

نظرية مناعة القطيع ينظر إليها عادةً على أنها استراتيجية وقائية في الأحول العادية ومع الفيروسات التي يوجد لها لقاحات أو تطعيم، وفي حال غياب لقاح لفيروس كورونا المستجد تكون مناعة القطيع أقل فعالية وتؤدي إلى انعكاسات سلبية على برامج الرعاية الصحية

بالنسبة لفيروس كورونا المستجد انطلقت العديد من الدول التي اعتمدت سياسة مناعة القطيع من نفس الفكرة السابقة على اعتبار أنه إذا كان لديك مرض جديد مثل كوفيد19 وليس له لقاح فعندها سينتشر بين السكان، ولكن إذا طوّر عدد كافٍ من الأشخاص ذاكرة مناعية فسيتوقف المرض عن الانتشار حتى لو لم يكن جميع السكان قد طوروا ذاكرة مناعية، لهذا رأينا أن بعض الدول وخاصةً الأوروبية منها كبريطانيا بنت خطتها في مواجهة فيروس كورونا المستجد على نظرية مناعة القطيع وهي نظرية يدعمها مفكرون محافظون، تقوم على مبدأ أنه يجب أن يصاب بالفيروس عدد كبير من أفراد المجتمع، حتى 60 أو 70 بالمئة من إجمالي الأفراد، لكي يكوّن المجتمع ككل، مناعة ضد المرض الجديد، ليس فقط المجتمع الحالي، بل الأجيال المقبلة.

لكن مع تزايد عدد الإصابات في بريطانيا ووصولها إلى نقطة حرجة، تخلّت بريطانيا عن هذه النظرية في مواجهة فيروس كورونا المستجد لتلجأ إلى سياسية التباعد الاجتماعي وسياسات أكثر صرامة ليكون التساؤل هنا، هل تشكّل سياسة مناعة القطيع استراتيجية وقائية أم أنها مواجهة جذرية للفيروس؟ للإجابة على هذا التساؤل يمكن الركون إلى مقاربتين مختلفتين، في المقاربة الأولى يرى البروفيسور مارك وولهاوس الذي يعمل في جامعة إدنبرة، أن فيروس كورونا المستجد يشكّل عدوى فيروسية تتسبب في حثّ أجساد من يصابون بها على صنع أجسام مناعية مضادة لها، لذا علينا أن نتوقّع تحقّق مناعة القطيع، لكن في المقابل يشير وولهاوس إلى أن فيروس كورونا المستجد لم تجر دراسته بشكلٍ وافٍ حتى الآن، وبالتالي لا يمكن معرفة مدى الحماية التي يمكن أن تقدّمها الأجسام المناعية المضادّة له على المدى الطويل، وكذلك لا يمكن معرفة المدة التي قد تستمر فيها تلك المناعة، لكن من المنطقي توقّع أن الأشخاص الذين يتعافوا من الإصابة ستكون لديهم درجة ما من المناعة ضدّ العدوى في وقتٍ لاحق.

تنطلق هذه المقاربة من ثلاثة أمور وهي، إبطاء تفشي الفيروس لكي لا يصل عدد المصابين المحتاجين لرعاية طبية إلى مستوى يتخطى الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، إلى جانب عزل المواطنين الأقل مقاومة للفيروس مثل كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، مع الاستعداد لأشهر طويلة من المرض والإصابات والوفيات. أما في المقاربة الثانية فترى تونيا طوماس مديرة مشروع معرفة اللقاحات أن المقاربة المستندة على تطوير مناعة ضد مرض ما عبر العدوى بدلاً من التطعيم، يمكن أن تكون ضارة لأنها قد تضع الناس أمام مخاطر قد تنجم عن مضاعفات متأتية من ذلك المرض، وتشير إلى أن اللقاحات وليس العدوى هي الطريقة الأكثر أماناً لتطوير المناعة، في منأى عن المخاطر المرتبطة بالمرض نفسه، فمناعة القطيع لا تعمل إلا إذا جرى تلقيح غالبية السكان ضد حالة مرضية معينة، فمناعة القطيع لا تُعطي مستوى عالياً من الحماية الفردية، وبالتالي فإنها ليست بديلاً جيّداً من التطعيم.

من خلال هاتين المقاربتين، يمكن القول إنّ نظرية مناعة القطيع ينظر إليها عادةً على أنها استراتيجية وقائية في الأحول العادية ومع الفيروسات التي يوجد لها لقاحات أو تطعيم، وفي حال غياب لقاح لفيروس كورونا المستجد تشير تقديرات الخبراء إلى أن اللقاح لن يكون متاحاً قبل سنة إلى سنة ونصف السنة تكون مناعة القطيع أقل فعالية وتؤدي إلى انعكاسات سلبية على برامج الرعاية الصحية وصحة المواطنين في الدول، وبالتالي لا يمكن اعتبارها أيضاً مواجهة جذرية لفيروس بخطورة كورونا المستجد الذي لا يعلم العلماء عنه الكثير حتى الآن، ولا يوجد له لقاحات أيضاً، بحيث تبقى المخاوف قائمة من قدرة هذا الفيروس على تبديل طبيعته بمرور الوقت كفيروسات الإنفلونزا الموسمية، التي تغيّر هيئتها وتستطيع إصابة البشر بشكلٍ متكرر، وهذا الأمر إن صح فإنه يجعل بناء أجساد البشر مناعة ضده أمراً مشكوكاً فيه بسبب تطور الفيروس جينياً وتطوير سلوكه. لذا لاقت سياسة مناعة القطيع بالتعامل مع فيروس كورونا المستجد انتقادات واسعة من العديد من علماء العالم الذين حذروا من هذه الاستراتيجية التي قد تكون كارثية وتخاطر بحياة الناس أكثر من اللازم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة