كيف نقدم للعالم قيم شهر رمضان؟

بعد أيامٍ قليلةٍ يطرُق أبوابنا شهر رمضان زاده الله تعظيما وجلالا، بيْدَ أنَّ له هذا العام مذاقا خاصا حيث نعيش ظرفا استثنائيا لم يحدث في التاريخ المعاصر من قبل، في ظل محاضرة فيروس كورونا الأرض ومن عليها، ألجأ سكان الكوكب إلى الانزواء في بيوتهم لا يخرجون منها إلا لِمَامَاً ثم يعودون مسرعين مرتقبين يوم انفكاك الحجر الصحي لتعود الحياة سيرتها الأولى قبل أن يلتهم الفيروس عشرات الآلاف من الموتى وأكثر من مليون مصاب حول العالم، أُغلقت المساجد والمدارس والجامعات، والمسلمون يتساءلون سؤال الحيران الحزين هل سنُحرم من صلاة التراويح في المسجد؟ ومع استمرار إجراءات الحجر سيبقى الأمر على حاله .

   

رمضان في زمن الكورونا فرصة تاريخية

لقد حزن المسلمون حول العالم حينما أَغلقت المساجد أبوابها، وحرموا من الترداد على بيوت الله تعالى، غير أن الجوانب الأخرى المشرقة من المحنة والتي تراءت لنا، أن بيوت المسلمين حول العالم أضاءت بأنوار الذكر والصلاة جماعة لأول مرة في التاريخ الحديث والقديم باعتبار طبيعة النازلة العالمية، ولا أبالغ إن زعمت أن المسلمين لم يتحلقوا حول القرآن الكريم مثل ما هم عاكفون عليه الآن، ولم تقترب الأسرة فيما بينها مثل ما اجتمعت في هذه الظروف.

 

نعم إن كل مصيبة لها وجهان وجهها الأول: أَلمٌ ووحشةٌ وضيقٌ وحصارٌ ومشقةٌ، ووجهها الثاني: منحة ومِننٌ ونِعَمٌ وعطاءٌ وفرصٌ كثيرةْ، ولا يرى الوجهين إلا من أعطاه الله من أنوار الوحي والعقلِ، ورصيدٍ من الخبرةِ والمعرفة، قال تعالى: "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) سورة التغابن، وقد جاء شهر رمضان المبارك والعواطف متشابكة، شَوْقنا لأول ليلة في صلاة التراويح بالمساجد موَّار في أعماق القلوب، إلا أنَّ بيوتنا مسرورة لأنها ستتحول إلى حِراء القرآن ومحرابٍ للراكعين لربهم والساجدين، والقانتين والمستغفرين بالأسحار.

 

ختمات القرآن ستشهدها حجرات بيوتنا وأفنيتها. فما أسعدنا وأسعدها، وكأني بها بعد زوال كورونا وعودة مساجدنا تقول: أحبُّ إلى عودتكم للمساجد ولكن لا تحرموني الأُنْس بالصلاة والقرآن العظيم، فأى بركة ونور أنعم الله علينا بها أكثر من هذا؟ سنجعل بيوتنا في رمضان محاريب لصلاة التراويح وحلقات القرآن الكريم وذكر الله تعالى، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً " رواه مسلم . وما يطمئن القلب أن جمهور الفقهاء ذهبوا إلى استحباب صلاة النافلة في البيوت سواء كانت نوافل فرائض النهار أو الليل، فلا تحزن ولا تبتئس، فكل أقدار الله خير ولكن خلق الإنسان هَلُوعا عَجُولا.

   

   

رمضان ومنظومة القيم العالمية

إننا لم نُقَدم للعالم – كما ينبغي- منظومة قيمية متكاملة انطلاقا من عباداتنا العظيمة على نحو يجمع بين الجانب النظري والعملي، وشهر رمضان المعظم يَزْخَر بمنظومة قيمية أخلاقية عظيمة، غير قاصرة على أمة الإسلام وحدها بل للعالمين جميعا، وهذا أوانها ووقتها، وفي حروف يسيرة أوجز أهم القيم التي نراها ماثلة في شهر رمضان لنعيش بها حقا ونُحسن تقديمها للعالم.

 

القيم الأخلاقية

حينما نتحقق بالقيم الأخلاقية التي يرسخها ويُنَميها شهر رمضان المبارك فإن السعادة والرخاء النفسي والاقتصادي والتراحم الاجتماعي سينعم به العالم من حولنا. ذلك لأن الصيام يصنع سلاما وأمنا عاما مع الإنسان ونفسه، معه المرء وبيته، مع الفرد ومن حوله من الإنس والجن والطير وسائر المخلوقات، إن كانت القبائح الأخلاقية منكورة في كل وقت فإنها أشد حرمة في شهر رمضان . إذاً الصيام هنا وقاية كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم " والصوم جُنَّة"، أنت في شهر رمضان فاحترس، لا كذب، ولا غش، ولا قول زور، ولا غيبة، ولا فُحش، لقد قيَّد الله الشياطين وأفسح لك أوسع السُّبُل للطاعة والقرب منه فهل تبقى على شروردك وصدودك؟!

 

قد أهدر الإسلام أجر الجوع والعطش إن كان صاحبه لَجُوجاً في الباطل وَلُوغا في أعراض الناس آكَّالا لأموال الناس بالباطل، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَن لم يَدَعْ قول الزُّور والعملَ به، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه) رواه البخاري، قد يتعرض المرء في سحابة نهاره لمواقف تستثير غضبه فماذا يصنع؟ حينما يتذكر أنه منع نفسه من الشهوات لله رب العالمين فعليه أن يكظم شهوة غضبه حفظا لصومه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" فليقل إني امرؤ صائم "

 

الاهتمام بهموم الآخرين

إن عالمنا المعاصر عاكف على نفسه قد اكتفى معظم الخلق بشؤونهم وتوارى الاهتمام بضعفاء الناس خلف حجب كثيفة، فيأتي شهر رمضان ليذكرنا بأن هناك من لا يجد قوتا ولا يملك من متاع الحياة شيئا، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المُرسَلة"، لذلك تتدفق أيدي المؤمنين بالخير حتى عُصاة المسلمين يبادرون في تفطير الصائمين حول العالم، وترى كثيرا من المسلمين حول العالم يسارعون في الإطعام وإخراج الصدقات وبذل وجوه الخير، إن شهر رمضان خير وبركة على المسلمين حول العالم، وسيكون كذلك على المجتمع العالمي كله حينما نتحقق بقيمه الأخلاقية الواسعة فنَسعد بها ونُسعد غيرنا.

   

   

القيم التربوية

ليس سهلا على المرء أن يُمسي على حالٍ ثم يستيقظ على ضده، ذلك لأن النَّفس تألف ما تجد، ويشق عليها أن تُبَدِّل أحوالها، وكانت العقبة الأكبر في طريق دعوة المرسلين عليهم السلام هى أسر العادات والتقاليد، وحينما جاء الإسلام اعتبر تلك الحال متدرجا مع الناس في الواجبات والمحرمات، لذلك تأخر تشريع الصيام للسنة الثانية من الهجرة، ومثال التدرج في تحريم الخمر والربا مشهور، ما أريدُ قولَه هنا أن الصوم هو ثورة على مألوف العادات، وتأهيل للإنسان ليواجه نفسه ويكون حرا من أن تتحكم فيه عادة لا يستطيع الفكاك منها، وقد رأينا ماذا فعل كورونا بالعالم، فبيْن عَشيَّة وضحاها تبدلت الأرض غير الأرض والناس، وانقهر الخلق على حال جديد لا عهد لهم به، ولا اختيار لهم غيره إن أرادوا النجاة .

 

قيمة التحكم في الذات

ذلك عنوان محاضرات المشتغلين بالتنمية البشرية حول العالم، والقصد منه أن يستطيع المرء أن يدير نفسه دون أن تُهدَر قدراته رغما عنه، وإننا نلحظ ذلك في الصوم، فحينما يَحرم المسلم نفسه مما يشتهي من الطعام والشراب وغير ذلك تقربا إلى الله دون أن يجد فائدة مادية عاجلة من صومه فهو أدعى للضبط والتحكم في نفسه عندما تراوده الدنيا للنيل منها فوق حقه فيتأبى عليها امتثالا لله تعالى واعزازا لنفسه أن يدور فقط حول ذاته دون أن يفكر بغيره، ورضى الله عن عمر بن الخطاب حينما رأى ولده قد اشترى لحما فسأله ما هذا؟ قال: لحماً اشتهيتُه، فسأل مستنكرا: أَوَكل شيء اشتهيتَه اشتريتَه؟! في إشارة حاسمة لضرورة ضبط الاستهلاك، وما أحوج البشرية لهذه القيمة في زمان جنون الشراء.

 

القيم الإنسانية

ما كنتُ أحب فَصل القيم الإنسانية عن ما سبق، فكل قيمة في شهر رمضان تقتضي أن يَعُمَّ خيرها الناسَ جميعا كثمرة لها، غير أن هناك قيما يشترك فيها الخلق دون فرق، كالشعور بالفقراء والجوعى، فالجوع والشعور بالظمأ ينادي فينا ويصيح بنا أن اذكروا ملايين الجوعى حول العالم، دون تفرقة بين جائع وأخيه على أساس دينٍ أو لونٍ أو عِرق، ربما نُحْرَم هذا العام من الإفطار الجماعي بالمساجد، غير أن الفقراء ينتظرون فلا يفوتنا أن نتفقدهم بالعون ولا نقطع خيرا وسُنَّة حسنة أقامها الله فينا .

 

رمضان واحة الانفتاح على المجتمع

شهر رمضان في البلاد العربية والإسلامية له مذاق وبُعْد إنساني كبير حيث يشارك غير المسلمين إخوانهم بهجة الشهر وفرحته وطقوسه، بل كثيرٌ من غير المسلمين يصومون مع إخوانهم المسلمين الشهر الكريم، وفي أوروبا غدا لشهر رمضان طابع اجتماعي واسع بين المسلمين والمجتمع على جميع المستويات، إفطارات جماعية يُدعى إليها المسؤولين من جميع المستويات والمؤسسات، فضلا عن الافطارات المفتوحة التي يحضرها عامة الأوروبيين وسط أجواء أخوية ومودة قلبية ظاهرة وتواصل لا ينقطع.

 

القيم الروحية

لقد شَقىَ العالم وشقينا معه طويلا حينما عكفنا على خدمة الجانب المادي وتغافلنا عن روحنا وقلبنا، وظننا أن أقدامنا هى التي تحملنا وتجري بنا كما نبغي نحو مواطن السعادة والرخاء وغفلنا أن قلبا فارغا من الآخرة عاكفا على دنياه، لاهثا خلفها سيظل حائرا خائفا مضطربا حتى يرتوي من مادة الوحى الأقدس.

  

   

ماذا ربح العالم حينما ذكر الدنيا ونسى ربه؟

انطلق يَعُبُّ من الشهوات عبَّا، وكلَّما نال حظاً منها سئم وفتش عن غيرها لعله يجد فيها الدواء، ولا يدري أنها الداء الذي يجلب أنواع البلاءـ وسط هذا الركام من تَزَاحُم الدنيا على القلب والروح يأتي شهر رمضان ليعيد التوازن الروحي للمسلم، من خلال جملة من العبادات منها:

– الصيام والذكر والدعاء والتضرع إلى الله وقراءة القرآن الكريم والصدقة وقضاء حوائج الضعفاء وصلة الرحم والتضامن الاجتماعى ومضاعفة الأجر في الشهر الكريم وتذليل سُبل الطاعة.

 

أمَّا الصيام فهو عبادة ظاهرها العذاب وباطنها الرحمة كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي، ولعل أبرع الجماعات في تاريخ الإسلام ممن برعوا في تربية النفس وتزكيتها وتصفيتها والأخذ بزمامها إلى الله تعالى هى الصوفية، وقد اجتهدوا في وضع طرائق ووسائل لذلك منها:

– الجوع

– العزلة

-الصمت

– الزهد

 

ورغم الانحراف الذي مس كثيرا من تلك الطوائف إلا أنَّ أقطاب الصوفية وعلماءهم الكبار تركوا رصيدا زاخرا عظيما منضبطا بأصول الشريعة وقد أطلق شيخ الإسلام ابن تيمية مصطلح علم السلوك يقصد بها " التصوف "، يقول الإمام الجنيد: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، ولكن عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات، أي: بشدة المجاهدة. ولا ريب أن كثيرا من الطوائف في العالم غالت في اتخاذ طرقٍ لتهذيب النفس والروح وحادت عن الوسط، فجاء الإسلام بتشريع الصوم الذي اجتمعت فيها جميع وسائل التزكية وترقية الروح، فَمن رام مبدأ الحرمان تأديبا للنفس فهنا الصوم، غير أن الإسلام توسط وترفق بالمكلفين وخفف عنهم، فلا فرْض على الأطفال والكبار في العمر والمرضى وغير ذلك ممن يشق عليهم.

   

  

ومن اتخذ العزلة مذهبا فقد جعل الإسلام العزلة وسيلة للصفاء الذهني والروحي، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الوحي يعتزل في غار حراء، وسن لنا الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، واعتزل موسى عليه السلام أربعين ليلة، غير أنها عزلة منضبطة فهى ليست هروبا من واجب أو يأسا من الاجتماع البشري، بل هى تزود للعودة الراشدة المرشدة. ولا ريب أننا في كل زمان بحاجة لخلوة من وقت لآخر نرجع فيها لأنفسنا بعد أن اختطفتنا الدنيا وشغلتنا عن ساعة تفكر وتأمل في النفس والحياة.

  

"ما نفع القلبَ مثلُ عزلةٍ يدخل بها ميدانَ فكرة "

ابن عطاء الله السكندري

  

والخلوة تداوي كثيرا من عيوب النفس وجوانب ضعفها، إن كبح غرائز النفس طريق لتحرير الإنسان وتَرَقِيه حتى يتشبه بالملائكة المقربين، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم.

 

كيف نصوم صيام الصالحين؟

حينما تحدث الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء عن أسرار الصيام تكلم عن صوم العوام وصوم الخواص وذكر أن صوم العوام هو صيام عن الطعام والشراب والشهوة فقط، أما صوم الخصوص فهو صوم الصالحين، ونرجو أن نعزم على الوصول لدرجته في عامنا هذا، ذهب الإمام بأن تمام هذا الصوم يكون بستة أمور أذكرها باختصار :

الأول: غض البصر عن كل ما يُذم ويُكره وكل ما يشغل عن ذكر الله.

الثاني: حفظ اللسان عن آفاته.

الثالث: كف السمع عن كل مكروه.

الرابع: كف بقية الجوارح عن الآثام.

الخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار .

السادس: أن يكون قلبه معلقا بعد الإفطار بين الخوف والرجاء، هل قبل الله صومه أم رده عليه.

 

ومما استرعى انتباهي شكوى الإمام أبي حامد من ظاهرة الإكثار من الطعام في شهر رمضان يقول:" واستمرت العادات بأن تُدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر .." ظننت أن زماننا هو المتفرد بالإكثار من الإنفاق في شهر رمضان وإذا بها أزمة قديمة تضيق قليلا وتتسع بحسب عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، وحتى نكون واقعيين لن ندعو أن ينصرف عن بالكلية عن تلك العادات، لكننا نريد الترشيد، فلينتبه المسلم وليتوسط في الأمر فلا يُضْعِف أثر صومه بكثرة طعامه بعد الإفطار، وكلنا يُعاين من نفسه الفارق الكبير بين أن تقوم للصلاة بعد الإفطار وأنت خفيف من الطعام وضده .

 

ولعل العودة إلى ما كتبه الإمام الغزالي في إحيائه المزيد من الاطلاع على أسرار الصوم وحكمته، لنتجاوز قليلا فقه الظاهر إلى فقه الباطن المتعلق بالقبول والرضا من الله جل في علاه لأعمالنا، وكل عام وأنتم بخير وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة