كيف نجتاز أزماتنا بسلام؟ ‎

لا تخلو حياة البشر في هذه الدنيا على طول مشوارها من المصائب والبلايا، وهذا بالذات ما يخلف أزمات لا مفر منها، فهي فوق إرادة وتوقع الإنسان، كما تعد من الأمور الحرجة نظرا لما قد يترتب عليها من تحول مصيري في حياة الأفراد أو المؤسسات أو الدول، وغالبا ما تتزامن مع عنصر المفاجأة، وتخلف أضرارا كثيرة؛ منها ما هو حسي ملموس ومنها ما هو معنوي وجداني، وينتج عنها أيضا مجموعة من الخسائر سواء التي تكون ذات طابع طبيعي، أو الناجمة عن تفاعل المرء مع غيره من أفراد جنسه ومع الأشياء الأخرى، وهذه الخسائر لا تحصل عبثا وإنما لقوة حدة الأزمات أو جراء سوء التعامل معها، وإما بفعل هشاشة البنية الداخلية للفرد؛ كضعف الشخصية وقلة الثقة في النفس، أو بفعل ما تفرزه البيئة الخارجية المؤثرة في الذات؛ كالنقص في الدعم والإسناد من مختلف مؤسسات المجتمع والدولة.

  

لا يكاد أحد منا ينجو من الأزمات التي تحل بالبشرية، والتي قد تكون سببا من أسباب عيش الإنسان في تعاسة وكدر، فكلما اشتدت درجتها إلا وصارت أكثر فتكا، بل وتصبح في أحيان كثيرة سببا في هلاك العديد من البشر، لأن كيفية التعامل مع الأزمات تختلف بين فرد وآخر، فهناك من لا تهزه ويبقى أمامها صامدا ويكمل طريقه كأن شيئا لم يقع، وهناك من تسقطه لكنه يعاود الوقوف من جديد ليصير أقوى مما كان، وهناك من يعلن استسلامه بمجرد ما أن تعترضه في مشواره بهذه الحياة، ويعود سبب هذا التفاوت في كثير من الأحيان إلى افتقاد الفرد للتصرف الحكيم الذي يكفل له الخروج من الأزمات بسلام، وقد يرجع ذلك أيضا إلى وجود ظروف معينة ليس للإنسان عليها سلطان، أو إلى شدة قوة الأزمات التي أصابته.

  

تعتبر الأزمات من التحديات المصيرية لكننا نحن البشر نستطيع معالجة الآثار الناجمة عنها؛ وذلك بالتعامل معها على نحو يقلل أضرارها، ويحوِّل محنها إلى منح، ويجعل شدة وطأتها عطاءً مثابا، بالرغم من أننا لا نملك القدرة على إيقاف وقوع ما يصيبنا من أقدار حاصلة بمشيئة الله، إلا أن هذا ليس سببا مقنعا للانهزام التام أمامها؛ بالتأثر سلبا بوقعها القوي على النفس، واستنزاف جميع القوى والطاقات بالهلع والجزع منها، فيحرم المتأزم من إمكانية عبورها بثبات، في الحقيقة وإن اعتقدنا أن ما يصيبنا يحمل لنا الكثير من السوء والشر، إلا أنه دافع قوي للتعامل إيجابا معه، لكي نخرج مما يمكنه أن يؤزمنا بأقل الأضرار الممكنة، ولا يكون ذلك إلا بتتبع كيفية تمكننا من عبور أزماتنا بسلام على نحو يجعلنا أكثر تماسكا وثباتا وأقل عرضة للإحباط والإخفاق.

  

علينا أن نعلم بأن التزامنا بما ذكرنا على المستويين الخارجي والداخلي سيفيدنا كثيرا في عبور أزماتنا بسلام رغم تعددها، لأنها تبقى مشتركة في الجوهر وإن اختلفت في المظاهر والأسباب

لهذا تعد كيفية اجتياز أزماتنا بسلام إحدى الموضوعات البالغة الأهمية، فالتعامل معها بشكل غير واعٍ يؤثر فينا سلبا: جسديا وعقليا ونفسيا، ويجعلنا في وضع لا نحسد عليه، وهذا الأمر بالذات هو الذي فرض علينا مزيدا من الاهتمام بهذا الموضوع، لكي يكون هناك إدراك جمعي للكيفية التي تجعلنا نعبر أزماتنا بسلام، فبذلك يسهل تحقيق الغلبة على ما يؤزمنا خصوصا عندما نمتلك إرادة فاعلة، وعزيمة راسخة، وتصميما فولاذيا، مما يعني أن إتقاننا لهذه الكيفية يتطلب مهارة عالية تمنحنا القدرة على التصدي لكل ما يؤزمنا بشكل شرعي وقانوني، دون إغفال التحضير الجيد لمخطط خاص بالطوارئ؛ كي نتفادى آثار الأزمات المدمرة، ونتجنب الوقوع في التخبط بقرارات عنيفة وارتجالية عنترية غير مدروسة، بفعل قوة الصدمة والإحساس بالخطر الشديد، مما يعني فقدان التركيز والتشويش على الذهن، الشيء الذي يؤدي لا محالة إلى التعامل مع العوارض المفاجئة بصورة ضعيفة وغير مناسبة.

  

وتجدر الإشارة إلى أن اجتياز أزماتنا بسلام عملية تستلزم الصمود، لكي نكون قادرين على إبعاد الأفكار السوداوية، والمشاعر المظلمة، وردود الفعل السلبية تجاه أزماتنا، الأمر الذي سيؤدي بشكل طبيعي وربما حتمي إلى الإعلان عن تحقيق الانتصار بأقل الخسائر، وإلى الرفع من قدرة تفاعل مناعتنا الذاتية بفعالية مع ما يصيبنا من أزمات، لهذا نقول أن هذه العملية في حقيقتها تعد معركة إرادة أكثر من كونها معركة مواجهة، لكنه في نفس الوقت لا تقتصر على ذلك فقط، لأنها تحتاج لأمور أخرى ذات أهمية بالغة في خلق حلول ناجعة، ويمكن إجمالها في خطوتين رئيسيتين:

  

تطويق الأزمات بإحكام

إن أكثر ما يصيبنا من أزمات إن تركناها بدون تطويق ستغلي غليان المرجل وتتصاعد وتائر غليانها في كل الاتجاهات، وستكبر لتغطي مساحة واسعة من جهدنا وتفكيرنا وطاقاتنا، وتتحول من أزمات بسيطة إلى حروب طويلة الأمد الرابح فيها خسران، فعندما نقوم بمحاصرة الأزمات نمنعها من الامتداد، ونحد من انتشارها على نطاق واسع، ونحول دون وقوع آثار سلبية عميقة المدى، بل ونحجمها ونجعلها صغيرة أمام الإمكانيات المتاحة والاختيارات المحدودة للوصول للحلول الممكنة، فإن من أكبر الأخطاء التي نقع فيها نحن معشر المتأزمين أننا ننجر وراء الأزمات وتسترسلنا بكل ما تحمله من هواجس ومخاوف وغيرها من عناصر الانهزام إلى حيث لا نريد، في المقابل نجد بأن ما هو مطلوب منا بالأساس يتمثل في التمكن من تطويقها، لنكون أقوى وأكثر استعدادا وتحكما في تأثيرها علينا؛ بمنع كل من يحاول إقحام أمور وحسابات أخرى عنوة باستهتار واحتقار، وفرض العزلة على القوى الخارجية التي ترغب في الزيادة من حدة ما يؤزمنا دون أدنى احترام لرقابتنا الداخلية.

 

احتواء الأزمات والسيطرة عليها

قبل البدء في هذه الخطوة ينبغي أن ننتهي من الخطوة السابقة؛ بحصر أزماتنا وتطويقها بطوق محكم، إذا أردنا الإمساك بزمامها من الداخل، والتمكن من التلطيف من حدتها، والتحكم فيها بشكل يستبعد معه خروجها عن سيطرتنا، فنحتويها وكل ما له ارتباط بها، لكي تتم معالجتها باستقلالية تبعدنا عن باقي الأمور التي يمكن أن نعاني منها، وهذا ما سيعطي هيمنة كبيرة للأزمة التي نريد أن نجتازها بسلام، ما سيجعل المنظومة الإدارية الذاتية لدينا تضع ضمن أولوياتها ما نحدده نحن، فنتجنب بذلك الوقوع في شراك ما هو غير متداخل معها، فكلما كنا قادرين على احتواء أزماتنا إلا وكنا منظمين أكثر، ولنا استطاعة كاملة على بسط سيطرتنا وحسم المعركة لصالحنا، لأننا بذلك نصبح أفضل وأكمل، بحيث تكون كل خطوة من خطواتنا لها وقع إيجابي في علاج مختلف الانعكاسات السيئة والآثار السلبية، خصوصا التي تترك تبعات تمس استقرارنا وأمننا وأماننا الداخلي.

 

وفي الأخير علينا أن نعلم بأن التزامنا بما ذكرنا على المستويين الخارجي والداخلي سيفيدنا كثيرا في عبور أزماتنا بسلام رغم تعددها، لأنها تبقى مشتركة في الجوهر وإن اختلفت في المظاهر والأسباب، وكلما كانت نظرتنا إليها متسمة بالواقعية والحكمة  إلا وكان تعاملنا معها جيدا، مما يعني سهولة تجاوز أضرارها، ولا يمكننا أن نتصرف بسلوك صحيح مع ما يقع لنا من أزمات بدون ما أن نعرف كيفية عبورها بسلام، فبذلك تعظم مكاسبنا وتختصر المسافة التي ببننا وبين الحلول الفعالة في أجواء سليمة خالية من الخوف والتوتر، وبهذا نكون قد صرفنا جهدا أقل مع نتائج أفضل في اجتيازنا للأزمات، ونعود بقدرة تنافسية أقوى مما كنا عليه من قبل، ونتأهب ونكون على استعدادا تام لخوض مثل هذه المعارك الطاحنة دون كلل أو استكانة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة