كورونا يدقّ إسفينا جديدا في نظرية "نهاية التاريخ"!

تمثّل "الجائحة الوبائيّة العالميّة" بحيثيات التعاطي معها وتداعياتها المزلزلة المرتقبة ضربة جديدة تُوجّه إلى نظريّة "نهاية التاريخ" الفوكوياميّة.. بادئا ذي بدء.. ماذا نعني بـ"نهاية التاريخ"؟.. "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" هي نظرية للمفكّر الأمريكي من أصول يابانية "فرانسيس فوكوياما" الذي نشر مقالا في مجلة -the national interest- عام 1989 بعنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" قبل أن يحوله إلى كتاب عام 1992، وما عناه فوكوياما بالتاريخ ليس ذلك الحيز الزمني بما يستوعبه من أحداث ووقائع وإنجازات واكتشافات بل أراد الإشارة إلى التاريخ بما هو فضاء لتموضع الأفكار الكبرى وتظورها الفلسفي الديالكتيكي، وبالتالي يكون المقصود بالإصداع بالقول: انتهى التاريخ..، هو إعلان نهاية الإيديولوجيات وإقرارا بأنّ الإنسان الأخير سيعيش في كنف الديمقراطية الليبرالية إلى الابد لأنّها التعبير النهائي والتأليفي لتراكمات الفكر الإنساني، فنحن هنا أمام مقاربة تتحدّد نقيضا للاطروحة الماركسيّة في نهاية التاريخ، ويُشار هنا إلى أنّ الفيلسوف الألماني "فريديريك هيغل" قد بشّر بنهاية "تاريخ الاضطهاد الإنساني" فور استقرار نموذج السوق الحرة وانتشاره.

يُلاحظ أنّ فوكوياما قد استخدم "الحرف الكبير" في كتابة H في History وقد كان هذا الاستخدام موظّفا كما أكّد المفكّر نفسه للإحالة على المعنى المخصوص المختلف عن المعنى القريب أو "المباشر". لماذا نرى في "كورونا" انتكاسة جديدة لنظرية "نهاية التاريخ"؟!.. مشهد التسابق والتنافس بين الدّول ومراكز الأبحاث العلميّة من أجل إنتاج دواء ولقاح يوقف "كوفيد-19" عند حدّه مشهد مرعب رغم بهرج التنافس العلمي لخير البشريّة، الأصل أن يتعاضدوا ويتعاونوا لإنقاذ ما أمكن إنقاذه من مستقبل الإنسانيّة، لكنّ هذا التّعاضد يتناقض جوهريّا مع الأدبيات الرأسماليّة والليبراليّة الغربيّة الّتي تدور حول "الربح المادي" منزوع القيمة..

كما يثبت إخفاق "النموذج الديمقراطي" في محاصرة الوباء قصورَه العملي في مجابهة وضع كارثي يحتاج إلى سرعة اتّخاذ القرار بعيدا عن بيروقراطيّة "المؤسّسات" وتسلسلها الهرمي القاتل، في المقابل تسجّل الصين الشموليّة تقدّما لافتا في حربها على الفيروس المستجد لسلاستها في "إدارة الأزمة" وطبيعتها القهريّة الفارضة للانضباط ولهذا دلالاته العميقة الّتي تتجاوز اللحظة الراهنة..

"فوكوياما" الّذي تراجع جزئيّا عن مقاربته تلك وربط تراجعه الكلّي بما ستؤول إليه تجربة الصين الشموليّة اقتصاديّا عاش ليرى الصينيّين وهُم يصدّرون الأزمة إلى معاقل "الدّيمقراطيّة الليبراليّة" ويتجاوزون -أو يكادون- أزمتهم بما يجعل مستقبلًا دون العملاق الصيني بعيدا جدّا، هذا فضلا عمّا تفتح عليه سيناريوهات "الصعود" و"الهبوط الحضاري" من بدائل أخرى أهمّها "البديل الإسلامي"..

إن كان ما يراه "فوكوياما" في الأفق هو "سيادة النموذج الديمقراطي" فإنّ ما يحدث حاليّا يُبشّر بكلّ شيء إلّا بسيادة هذا النموذج.. فدأب الأوبئة والجوائح أن تجذّر الأنظمة السلطويّة وتثبّت أركانها لأنّها تكسر إرادات الشّعوب في التحرّر

لا نقول ذلك فقط بوعي إيماني ذاتي مصدّق بوجود وعد إلهي بالتمكين بل نقوله أيضا لخصوصيّة الدين الإسلامي كمرجعيّة للفعل التاريخي المباشر وليس كمجرّد انشداد إلى ما هو "متجاوز" و"مفارق"، هذا فضلا عمّا شهد به التاريخ لعقيدة الإسلام من اختزان لقوّة دفق تحرّري نجحت في النّهاية في تحقيق "نهضة حقيقيّة" لا مجرّد "نهوض" (مادي/جاف) وهو ما أكّده كتّاب الغرب أنفسهم من "ويل ديورانت" صاحب "قصّة الحضارة" إلى "غوستاف لوبون" في "حضارة العرب"، ونحن نرى اليوم ما يحدث في إيطاليا من جدل حول أولوية المريض الشاب في الرعاية على المريض العجوز، وهو الجدل نفسه الّذي تعرفه الولايات المتحدة الّذي وصل الأمر فيها إلى إصدار لوائح قانونية تشير على المصالح الطبية بإهمال علاج المرضى المصابين بمتلازمة "داون" وغيرهم من المختلين ذهنيّا ، فضلا عن دعوات جادّة لكبار السن بإفساح المجال للشباب للعلاج من "كورونا"!..

هذا فضلا عن خصائص موضوعيّة تميّز الشريعة في مراعاتها للفطرة البشريّة وفي علاقة بالمجتمع والاقتصاد والسياسة، خصائص نرى اتّجاهات البحث عن حلول في "العالم الحر" (خطاب "ما بعد الحداثة" النقدي) تنزاح نحوها أو تتحرّك على تخومها كالحديث اقتصاديًّا عن تفاصيل "إسلامية الهوى" كالتقليص في الفائدة البنكيّة للتشجيع على الاستثمار أو زيادة تدخّل الدولة بل إنّ منهم (الاقتصادي "جاك أوستروي" نموذجا) من يدعو صراحةً إلى تطبيق "الاقتصاد الإسلامي" لموازنته بين المصلحة الخاصّة والعامة، كما يتحدّثون اجتماعيّا عن ضرورة استعادة دور الأسرة للحدّ من الانحلال الأخلاقي، أمّا سياسيّا فالتنظير لما بعد الديمقراطيّة ما فتئ يتعمّق ويتمدّد!..

من زاوية أخرى.. يمثّل احتفاء الطّرح الفوكويامي بالديمقراطية الليبراليّة والرأسماليّة احتفاءً ضمنيّا بالعلم باعتباره النواة التاريخية للتطوّر السياسي والاقتصادي.. فاليوم ونحن نشهد هذه الكارثة الإنسانيّة العالميّة لابُدّ أن يقفز إلى أذهاننا "الكشّافون" أو "الشكّاكون" أو "الهدّامون الثلاثة" الّذين تحدّث عنهم الفيلسوف الفرنسي «پول ريكور» في كتابه الأهم «صراع التأويلات.. دراسات هيرمينوطيقيّة»:

"ماركس" وحديثه عن تزييف الوعي الطّبقي.
"نيتشه" وحربه على «الوعي الزّائف/الضغيف»
"فرويد" وتقزيمه للوعي لحساب "اللاّوعي".

إذا ما نظرنا إلى «كورونا» بصفته وباء القرن الحادي والعشرين بما راكمه من قفزات طبيّة خرافيّة نجد أنفسنا أمام "خدش جديد" يلحق كرامة الجنس البشري الّذي اكتشف فجأةً أنّ ما بلغه "عقله العلمي" الجبّار يمكن أن يُربكَه "كائن مجهري" يغزو العالم خلال أيّام ويُجبر الجميع على التراجع والانسحاب من أرض المعركة على أمل توقّف العدوى أو انحسارها.. فمثلما شكّك "الهدّامون الثلاثة" في «الوعي» فإنّ ضحيّة الجائحة الوبائيّة هذه المرّة هو «العلم» بما حصّله من "رأسمال رمزي" طيلة عقود خلت.. من الثورة الصناعيّة و"الآلة البخاريّة" خلال القرن الثامن عشر إلى الثورة الرقميّة والأجهزة الذكيّة في أيّامَنا هذه.. قصارى القول.. لو كان «ريكور» حيًّا لَرُبّما تراجع عن اعتبار "التحليل النفسي" آخر الإهانات الموجّهة إلى نرجسيّة الإنسان ولَفكّر في منح هذا الشرف العظيم لـ«كوفيد-19»!..

وإن كان ما يراه "فوكوياما" في الأفق هو "سيادة النموذج الديمقراطي" فإنّ ما يحدث حاليّا يُبشّر بكلّ شيء إلّا بسيادة هذا النموذج.. فدأب الأوبئة والجوائح أن تجذّر الأنظمة السلطويّة وتثبّت أركانها لأنّها تكسر إرادات الشّعوب في التحرّر فهي تمنح عناوين جديدة للقهر المؤسّسي من فرض "الانضباط الجماعي" باسم المقاومة إلى تعزيز ثقافة "الامتثال" باسم المصلحة العامّة، وهو ما يُقوّي شوكة "الحكم الاستبدادي" ويمنحه أسباب الصّمود أمام الأزمات الاقتصاديّة اللاحقة والّتي تُمثّل عادةً تهديدا كبيرا لاستمرار "الأنظمة المنغلقة"..

كما أنّ "السّياقات الوبائيّة" بكارثيّتِها هي سياقات ملائمة "سوسيوسياسيًّا" لإنضاج "إيديولوجيّات هدّامة" تتوثّب للظّهور والصّعود فور انتهاء الأزمة "الوجوديّة" الّتي تمرّ بها الأمّة، ففي أوقات الضعف والوهن العام تصبح الطّروح اليمينيّة المتطرّفة و"السرديّات الشّموليّة الحدّيّة" بوارد التقدّم على حساب "المقولات العقلانيّة المعتدلة"، فعندما حلّت كارثة الحرب العالميّة الأولى على الشعب الألماني أخذت "الأدلوجة النازيّة" طريقَها إلى الشّارع فالسّلطة بعد أن استثمرت في حالة الشعور العميق بالمهانة لدى الألمان..



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة