حوار العزلة

ماذا تعني لك العزلة؟

أن تَحْضُرَ، وتُحْضرَ معك نقاء الروح.

لا تسمح للوقت أن يسرق جمال التفاصيل؛ وإن كانت حزينة.

تعيش وعي الموقف، لحظة لحظة.

تبرق عيناك حين تتذكر حكايات الوداع، وتبتسم.

  

هذه مدينة نابلس، وهذا أنت، تشهد جنازة شهيد، لأول مرة في حياتك، ترى الصحفيين يصعدون أسطح المنازل، تصعد معهم، يختلطون بالجموع الغفيرة، تقتحم وتذوب، المشهد مهيب، والصيحات هادرة، لا تعرف هل تصور بالكاميرا أم تكتفي بكونك فلسطيني عادي؟ بعض الأشياء لا تستوعبها الكاميرا يا عزيزي، لأول مرة تدخل نابلس، ولا تسعفك شهيتك، وترفض أن تأكل الكنافة النابلسية. المشاعر أقوى من الشهية، تهرول بين القبور، باتجاه جمال منصور، «هل يمكن إجراء مقابلة معك؟»، يبادر الشباب حوله: «من أنت؟». فعلاً؛ من أنا؟ لا بأس، أمام الموت كلنا يوقظنا هذا السؤال.

 

لا تستصغر نفسك، قم من غفلتك، هذا ليس وقت التفكير الطويل في الإجابة الصعبة، الْحق مقابلة العمر، لا تترك جسارة الصحفي، ألم تتعلم ذلك بعد؟ تلاحقه أنت وزميلك المنتج، تراه يشير بهدوء إلى من حوله؛ «دعهم يأتون»، وقد أتيتَ، دخلتَ مكتبه، والكل ينظر إليك بحذر، إلا جمال منصور. يذكر لك بأن شهيد اليوم – صلاح دروزة – كان صديق العمر، سكنا خيمة واحدة في مرج الزهور حين أبعدهم الاحتلال إلى لبنان، تشاركا كل شيء في الدفاع عن فلسطين، لذا قرر أن يجري هذه المقابلة، على الأقل كي يتحدث عن صديقه، رغم الظروف الأمنية المعقدة، «تفضل صوّر، رجاءً، معكم نصف ساعة»، لم تكن قد أعدَدت للأسئلة، ولم تكن في أفضل حالاتك، عيون الناس في الجنازة كانت تشغلك.

 

يتواصل معك لإنتاج أفلام، لم يكن يتحدث عن فيلم واحد. عمره لا تشبعه المفردات، يصطاد البهجة كما لو كانت فراشات أمامه، تارة يقرأ القرآن الذي يحفظه عن ظهر قلب بصوت ندي، وتارة يشدو في شجن «جنة يا وطنا.. حتى نارك جنة»

تلملم ما تبقى من عقلك، بينما زميلك المنتج يداوم في ترهيبك؛ «لا يجب أن نطيل الوقت، الوضع مخيف»، تسأل، فإذا بجمال يبتسم، عيونه عبقرية، وإيماءاته بليغة الصدق؛ «نحن، نعرف الاستشهاديين من عيونهم، الهادئون من الشباب هم من يضحون بأنفسهم كرمى لوطنهم.. ». نعم؛ يدخلون الدنيا بصمت، يخرجون منها بصوت مرتفع جدًا، بالتفجير، بضعة أيام مرت، تتواصل معك هيئة الإذاعة البريطانية BBC، للحصول على حق بث آخر مقابلة لجمال منصور، تم استهداف جمال في مكتبه، صاروخ في المكان ذاته الذي صَوّرت فيه المقابلة، قالت لك زوجته: «ليلة أمس كان يحاول الاتصال بهاتف صديقه الشهيد صلاح دروزة!»، تفضل؛ ماذا يمكن أن تفعل اليوم بكل ما تعلمته من اتزان الصحفي؟ وكم من الوقت ستحتاج لتعود لتصوير بقية الفيلم؟

 

يأتي الدور على معاذ، الجالس بين 18 متدربًا، تنظر إليه؛ «عمو، ماذا تفعل هنا؟»، هو أيضًا يبتسم، كلهم يبتسمون، قال: «أنا صحفي، وأريد أن أصبح صانع أفلام وثائقية»، يالجرأتك يا بني! 17 عامًا من العمر، هكذا اختصرها بثقته، وهكذا كان يجلس طوال 5 أيام، ممتلئًا بحب حماة، وسوريا، بين حين وآخر، كان من السهل أن ترى أثر سيجارة في وجهه، أو كدمات لم تزل عن يديه. كما يمكن أن ترى طفلاً بريئًا، و«ثورة تمشي على الأرض» كما يقول أصحابه، لكنه ما زال يشبهنا في بعض الأشياء، مثلاً؛ يرفض تناول بعض الأطعمة، تارة يضع الوشاح حول رقبته، وتارة يربط به شعره الطويل، يركض إلى غرفته في الاستراحة، ليشاهد بعضًا من حلقات كارتون (ناروتو) و(أبطال الكرة). ما دجنته أشهر السجن الستة لدى المخابرات الحربية، ما غيبت ذائقته أقبية التعذيب.

 

تعودُ من حيث أتيت، ويعودُ معاذ، يقطع الحدود مرة أخرى باتجاه وطنه، لا تضيره همجية الطائرات، ولا يخيفه عبث براميل الموت العمياء، كنتَ قد سألته: «وكيف تفعل ذلك؟ تتجاوز الحدود، ما دام القصف والموت يسير بجانبك»، قال: «اَرْكض واركض واركض، حتى أرى صبية يلعبون، حينها أدرك أن هذه المنطقة تشبهني». المناطق المحررة تليق بك يا معاذ، يتواصل معك لإنتاج أفلام، لم يكن يتحدث عن فيلم واحد. عمره لا تشبعه المفردات، يصطاد البهجة كما لو كانت فراشات أمامه، تارة يقرأ القرآن الذي يحفظه عن ظهر قلب بصوت ندي، وتارة يشدو في شجن «جنة يا وطنا.. حتى نارك جنة»، ويضحك وهو يحمل الكاميرا، يتوحد معها بصوفية الزاهدين. نشرَت تقاريره كبرى القنوات العربية والأجنبية، حتى سقط فوق جسمه النحيل صاروخ غادر.. استشهد معاذ، كم كان جديرًا بالحياة الحرة. أما أنت، داوم النظر في المرآة، والتساؤل؛ ماذا أنت فاعل فيما تبقى من عمر؟

 

موسى، كان قريبًا من عمر معاذ، حين مضى مع صحبه في عملية فدائية عام 1992، خطفوا الجندي الإسرائيلي نسيم توليدانو، وطالبوا بالإفراج عن الشيخ الجليل أحمد ياسين، مرّ اليوم الأول من الدورة، بعد خروج الجميع من القاعة، تقرر أن تبحث عبر جوجل عن هذا الشخص، طريقة جلوسه، نصف الابتسامة، قوة النظرة الجانبية، سر ما يجذبك لمعرفته أكثر؟ من مدينة القدس، سجين فلسطيني سابق، محكوم 3 مؤبدات، و40 عامًا زيادة، قضى منها 19 عامًا في السجون، 7 منها في العزل الانفرادي، حيث يفترض العدو بأنه لن يخرج منها إلا مجنونًا أو ميتًا. لكنه يجلس أمامك الآن، يسأل عن التصوير والمونتاج، «هل كان يمازحنا؟ أم يقضي وقتًا مختلفًا، حياة جديدة؟»، لا بأس، أهلاً به، وإن غدًا لناظره لقريب.

 

أتَذْكُر حين قالوا بأن التفجير سيكون مهولاً، ستطير الشظايا وإطارات السيارات في كل مكان. يجب أن تترك الكاميرا وحدها، وتحتمي خلف السواتر الترابية، أو على الأقل تنخفض، ولا تتحرك قبل أن نأتيك. لكنك وقفت في منتصف الميدان

بداية اليوم الثاني، تكتب على اللوح أرقام «100، 19، 7»، ثم تتركها، يتساءل البعض؛ «ما هذه الأرقام؟» تقرر بعد ساعة ونصف، وقبل الاستراحة أن تسأل موسى؛ «ماذا تعني لك هذه الأرقام؟»، ينظر إلى اللوح ثم إليك، يصمت، مبتسمًا يقول: «يمكن لها علاقة بتاريخ السينما»، الآن دورك أن تصمت، تشير بعينيك لا، تطلب منه أن يركّز أكثر، يطيل الصمت، يقول: «نعم، فهمت». أصبحت الفرصة مواتية، «يا سادة، هذا الذي يجلس معنا، كان محكومًا بأكثر من 100 عام في سجون الاحتلال، و.. »، لم تستطع أن تكمل، طأطأ الجميع رؤوسهم، والدموع تنهمر، شاب سعودي أصيل قام وقبّل رأس موسى، ثم توافد إليه الجميع، وهم عرب من كل الدول، يثننون عليه وعلى صموده، ويأخذونه معهم إلى الكافتيريا، لتبقى وحدك في القاعة، لما تستيقظ من هول الصدمة، نجى من موت محقق ليعود إلى مقاعد الدراسة، ويقول للإرادة، ها أنا ذا.

مبارك الشهادة العليا يا دكتور موسى، حري بك أن ترسل له هذه الرسالة مباشرة.

 

الراحلون في طريقك كثر.

أخشى أنك تبالغ بالاقتراب من الموت، يكاد يظفر بك، أو تكاد تلمسه؟

لكنني أعود، أفهم الأشياء بشكل مختلف، أدرك قيمة الحياة، أعشقها، بلا ترف.

والموت؟

يعْبرني كما أعْبره.

ألا تخافه؟

بلى، ولكني أحث إليه الخطى، كي يبتعد عني أكثر.

أريده مثل ظلي، يسير أمامي، خلفي، جانبي، ولا يتلبّسني.

نعم؛ قال لك خالد الدحدوح: «ممكن في أي لحظة، أنا مستعد، ولا يهمك»، فقلت: «ولكنا غير مستعدين»، فضحك وضحكت، ورحل وبقيت.

 

أتَذْكُر حين قالوا بأن التفجير سيكون مهولاً، ستطير الشظايا وإطارات السيارات في كل مكان. يجب أن تترك الكاميرا وحدها، وتحتمي خلف السواتر الترابية، أو على الأقل تنخفض، ولا تتحرك قبل أن نأتيك. لكنك وقفت في منتصف الميدان، ما استطعت، النظر للتفجير من العيون أبلغ من كل شاشات الكاميرات، وقفت من شدة ذهولك، أصابك غباء من لم يشهد معركة من قبل، إلا في ألعاب البلاي ستيشن، ركض حولك جنود غزة، «لماذا وقفت؟ هل أنت بخير؟» تتفحص نفسك؛ «أنا بخير»، «أصيب بعض المحتمين بالسواتر الترابية». يا رجل؛ كأن الموت يخاطبك؛ كم مرة مررت بي ونجوت؟

 

صديقي؛ المحنة عابرة، حكاياتنا باقية.

كيف تَهزم العزلة؟ تَشبّع بالتفاؤل، لا تَسْأم من الحياة، لا تَكلّ من الأمل.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة