"المحاضرة الدقيقة".. عندما يكون التعليم تقليديا في ثوب إلكتروني

مَا زِلتُ أَذكُرُ قِصَّة رَواها لَنا أُستاذنا يوم كنا صِغاراً نَستَعذِبُ القصص، عَن تِلك البَيضَةِ التي تَدحرَجت إلى قُنِّ الدَّجاج حَدَّثنا، حَيثُ لَم تَنتَبِه إليها الدَّجاجات، ثُمَّ رُحنَ يَرقٌدنَ على بيضاتِهنَ فَمَكثنَ غَيرَ بَعِيدِ وإذا بالبيضات تأتي بالخبر اليقين، يا لهول! الصيصان قَالت، إنه ابن بيضةٍ لكن لا يشبههم ،عندها عرفت الأم أنها رقدت على بيضة نَسرِ،إنَّ البيض تَشابه علينا لكن لِمَ لا يَكونُ ربيب اليَومِ سَند الغدِ، الأخ لا يَعدو  على اخوته ولو كان أخٌ في الرِّقادة، وبِنيَّةٍ حَسَنةٍ أَساءت تِلك المُربيَةُ للرَّبيب عُمرَهُ كًلَّه، ومضى النَّسرُ مع اخوته مجيئاً وذَهاباً وليتَ شِعري مَا حياةُ الدَّجاج مُقَارنَةً بِمن خُلِقَ لِيَكونَ نَسراً، هذا مَا يَفعَلُ بَعضُ المُعَلِّمين ليُسَهِّلوا على التَّلاميذ التَّعلم زَعماً، فيغذُّيهم بالملعقة فلا هم علَموهم ولا تَركوهم يتعلَّمون، لأن ما يُحشى بِه الدِّماغ يُفرَّغُ في ورَقة الاختبار، أما ما وَصَل إليه الطّالب بحثاً واختباراً فذلك يؤتي أُكَلَهُ مرَّتين (تَعلُّماً وتَعليماً)، إنَّ الطَّلبَة بحاجَةٍ إلى بوصَلَةِ المُعلِّم وهم ببراعتهم التكنولوجية سَيكملون رحلتهم ،كَرَّمَ اللهُ وَجهَ  أبي الحَسَنِ إذ قال رَبُّوا أولادَكم لِزَمان غَيرِ زَمانِكم.

 

المُحاضَرَةُ الدَّقيقة.. هيَ ترجَمَةٌ حَرفيَّةٌ عَن (Micro Lecture) (من الدِّقة والصِّغر) وَلكِنِّي هُنا أحمِلُها على مَحامِل، أوَّلُها: الدَّقيقة مِن الدِّقَّة حَجماً حيث أَنَّ هذا النَّوع من الدُّروس لا يَزِيد عن خَمس دَقائِق وُقوفاً عِندَ النَّظرية التي ترى أن الطَّلبَة لا يُركِّزون استِماعاً أَكثرَ مِن خَمس دقائِقَ في مَوضوعٍ واحد، وعادَةً ما تَكونُ دَقيقَة (دِقَّةً) في أهدافِها ومَضمونِها ومُخرَجاتِها، ومَحمَلٌ آخَرُ أَحمِلُها عَليهِ ِوهو الدَّقيقة (السِّتون ثانيةً) حيث يُقَدِّمُ المُعلِّمُ مُحَاضَرتهُ في دقيقة واحِدَةٍ يَقوم على إثرِها الطَّلبة بما تَقتضيه هذه الدّقيقة وغالباً ما يَكونُ عَملاً كَثِيراً ولَعّلَّ مِن أَشهرِ مَن طّبَّق هذه النَّظرية الدكتور كي (key) من جامعة ليدز المصنفة ثالثةً على مستوى بريطانيا والعِشرين على مستوى العالم وفق تصنيف (َQS) ٢٠١٩، دَقيقةً يُقدِمُ فيها المُحاضِرُ تَوجِيهاتٍ وَاضِحةٍ لما يُريده مِن الطَّلبة ثُمَّ يُبدِع الطَّلَبَةُ فيما يُريد.

 

البرفسور دقيقة … اسم يطلق على البرفسور ديفد بنروس (Dived M.penrose) خبير التَّعليم الإلكتروني البريطاني الذي كان يقدم محاضراته التَّدريبية (الموضوع الواحد) في دقيقة واحدة ولا يُنكر أن من بين مريديه من تُعجِبه هذه المُحاضرة ومنهم لا، إلا أنه يرى أنَّ هذه الدَّقيقة تصنع طالباً يَعرف كَيف يَفوق أستاذه، هذه مُحاضرَةُ الدَّقيقة الدَّقيقة التي يكون دور المعلم فيها أقلُّ مِن عشرَةٍ بالمئة تَظهر فعاليتها في تسعين الطَّالب المتبقية، حيث ينكبُّ الطَّلبة على ما يُريد المُعلِّم ويرودون بَحثاً وفحصاً وتحليلاً وتدقيقاً، مما يَجعل ما تَعلم الطَّلبة ثابت الأصل باسق الفرع في سماء أجيال ما زلنا ننتظرهم بحرارةٍ محتبسة ٍو فقر ماءٍ وأوباء تغزونا من كل جنوب وشمأَلِ أوطانٌ مُحتَلَةٌ شَرقاً وغَرباً.

 

هَل تَذكرون… صَحِبنا النَّسر أو بشكلِ أدق (النِّسراجة)، لقد ظَّل يعيش اضطراب اختلافه عن مُجتَمَعه (ما لهذا خُلِقت!!) إلى ان جاءته الفرصة التي يريد غَيرَ لم يستثمرها إذ لم يكن مهيئاً لذاك بل لا يَعرف كيف، لَقد مرَّ سِربُ نُسورٍ مِن فوق قُنِّ الدَّجاج وسألوا النَّسر أنْ يَطير مَعهم فأبى، أنَّى لمن اعتادَ النَّق في الأرض أن يَطِير في السَّماء،لَقد عَاش اضطراب اختلافه عن المجتمع وعَدم قَبول المُجتَمعِ له من جِهَة، وعَدم أهليتِه لمجتَمعهِ الحقيقي، لِيكون ضَحيَّة مُعلِّمٍ يَنظرُ بين قدميه ليأخذ حبة  رُميَت لَهُ ولم ينظر للأُفقِ يوماً، لكن نيَّته كانت طيِّبَة، لقد أرادت به الدَّجاجة عَطفاً وحُباً وخيراً وشيءً من أنانيَّة ،أيها المُعلِّمون أعطونا ما نريد ولو لم يُعجبنا بادي الرَّأي لكنَّنا يوم نُحلِّق مع سربنا سنقول ربِّ ارحمهم كما ربونا صِغارا، ونذكر لكم فضلاً تنالون بهِ عِزَّ الدَّهر.

   

  

سِتَّةُ الامام الشَّافِعي.. يَحتَجُّ كَثيراً مِن المُتَحَمِّسين لِتقليديَّة التَّعليم وعَدم التَّحديث فيه بأرجوزَةِ الامام الشَّافعي رَحِمهُ الله والتي يقول فيها أخي لن تنال العلم إلا بستتة.. سأنبيك عن تفصيلها ببيان.. ذَكاءٌ وحِرصٌ واجتِهادٌ وبُلغَةٌ.. وصُحبَةُ استاذٍ وطولِ زَمان.. (انتهى الاقتباس) لعَمري لا أرى موضع احتجاجٍ لأنصار حَشو الأدمغة أو التَّعليم المُعلَّب، فلا أرى الامام الشَّافِعي إلا من الذي يؤسِّسون للتَّعلم من خلال المحاضرة الدَّقيقة فلا بدَّ مِن ذَكاء للإلتقاط أنصاف الأفكار بالبحث والتَّحليل، ثمّ َالحِرص على انجاز شيء سَيكون مِفتاح التَّفكير ثم الاجتهاد مِطيَّة الدارس ثُمَّ بلغَةٌ يَستَعِين بها ليبلغ مأمله، ولقد كان الشَّافعي عبقرياً يَوم قال صُحبَةُ استاذ، الصُّحبة في الشيء تعطي للصُّحبة أَمداً وحدّاً فلم يقل إلتزام الاستاذ وأخذ غَثِّه وسَمِينه بل عَليه أن يَكون مع نَفسه دارساً مُحلّلاً مبتكراً زَمناً طَويلاً، لقد قال شيء لم يَسمعه (النسراجة)، تَزوَّد بقليل زَادٍ وحَلِّق، ذلك أنَّ كَثرَة الزاد تُبطىء مِن تَقّدُمِ المُحلِّق في سمائه.

 

الطَّالب الدّقيقة.. شئنا أم أبينا وقياساً على البرفسور الدَّقيقة فنحن بحاجة إلا الطَّالب الدَّقيقة الذي يعرف ما يريد وكيف يحقق ما يريد بنفسه أو كيف يكون اليد العليا في تحقيق ما يريد لا ريب أن الطالب الذي يجلس في المُحاضرة القريبة كانت أم البعيدة لمدَّة سَاعَةٍ يقوم بعدها بكل حماسٍ ممتشقاً عَقله متقلِّداً قَلَمهُ يبحث ويستَزيد مما سَرده المُعلِّم لم يَعُد مَوجوداً، بل لعله أصبح رابع  مستحيلات العرب الثلاث الغول والعنقاء والخل الوفي،لذلك لابد على المُعلمين اعداد طلبتهم ليكونوا ذلك الجيل الذي لا يحتاج لتحقيق النجاح سوا بوصلةٍ وفرصةٍ ليس فقط ليحجز مكانه في مقدمة السِّرب المحلِّق بل ليَكون جَناحاً لِمن تَربى في القُنِّ إن وُجِد ونَجاحاً لِمن علَّمهم التَّحليق، المطلوب الأن قليل ٌ كلامٍ مِن المُعلِّم وكَثيرُ فِعلٍ من الطَّلبة فيصنعون تعلُّمَهم بأنفسهم.

 

حَشو الأمغِةِ.. وتَعليب المواد العلمية للطلبة ليكونوا قوالب مستنسخة، ببغاوات تكرر ما ألقي عليها دون أن تستطيع تحليل شيء وتطويره بل في بعض الأحيان لا يكون جوابهم إلا "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" وهُنا تَكونُ الخَطِيئة الكُبرى ،حيث أننا نَعيش الآن في ضِيافَةِ الجل (ز)  (jen.Z) الذي يَتمَّيز بإتقانه للتِّكنولوجيا بشكل فائق بل  مِن أبرز ما يميز هذا الجيل هو أستخدامه الواسع للأنترنت من سن مبكرة. أبناء الجيل (ز) عادة ما يكونون متكيفين مع التكنولوجيا، والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي يشكل جزء كبير من حياتهم الأجتماعية، فَقد امتلكوا نَاصيَة المَصادِر التَّعليميَّة المُتجَدِّدة اضافَة إلى روح التَّحدي العالية التي تَكفل لهم التَّمرُّد على واقِع القُن والتَّحليق مع السِّرب في المُقدِّمة في سماء النَّجاح.

 

إنَّ دَورة الحَياةِ مُستَمرَّة والتَّعليم في القلب مِنها، فَمن تَفوَّق عليها فقد قادها وساد عليها، ومن ادَّعى أنها سَحابَةُ صَيف ما تَلبتُ أن تنقشع فَقد جَانَبه الصَّواب، بل يبني جِيلاً خارج الواقِع تَماماً، يا مَعشَر المُعلِّمين ارسموا طَريق النَّجاح لطلبتكم ودَعوهم يَمضوا في رحتلهم بوسائلهم فإن الزمان زَمانهم  لقد تجاوز هذا الجيل الأمسَ بكل تَفاصيله.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة