logo

كورونا وإعادة الاعتبار للإنسان

لا يختلف اثنان عن قتامة الوضع حول العالم اليوم، فالصورة شديدة السواد، وشاشات التلفزيون تعج بصور الموت كل يوم، ومنصات التواصل الاجتماعي التحفت السواد منذ أسابيع، وتأبى أن تنزعه. تأتي الفواجع من كل صوب وحدب، بعدما اجتاحت جائحة فيروس كورونا معظم دول المعمور، وأحكمت قبضتها على حياة الإنسان من كل الجوانب، فقيدت الحركة، وشلت الاقتصاد، وطأطأت رؤوس دول كنا نعتبرها عظمى. الوضع القائم اليوم، دفع الكثيرين إلى الحديث عن تداعيات الجائحة وانعكاساتها على مختلف أوجه الحياة، فالعالم بعد هذا الوباء سيكون مختلفا عما كان عليه قبله، وسنرى تغييرات جوهرية على مستويات عدة لا محالة.

يرى البعض أن أبرز تغيير قد تخلفه الجائحة، يتمثل في إعادة الاعتبار للإنسان بإدراك أنه الرأسمال الحقيقي وأساس الأمن والاستقرار، فمن يتأمل الوضع اليوم سيبدو له جليا كيف جندت الدول والحكومات كل إمكانياتها لحماية الإنسان، فأوقفت كل المشاريع والبرامج، وجمدت الاستثمارات، وأنزلت قواتها العسكرية إلى الشارع، مما يؤشر على إعادة الاعتبار للإنسان وإلى مركزية مكانته داخل المنظومة الاقتصادية والسياسية، بعدما أوشك في العقود القليلة الماضية أن يكون مجرد مكمل لا قيمة له، أمام أساسيات القوة والثروة، ورقما في سوق تجارية استغلته واستعبدته أيما استعباد.

قد يشكل الوضع الحالي فرصة لانتعاش بعض الأصوات المتطرفة والحركات الشوفينية داخل بعض المجتمعات، واستغلال فشل الأنظمة في احتواء الوباء، وضعف بنياتها الصحية على وجه الخصوص

يستشرف أصحاب هذه النظرية عالما أكثر إنسانية، فالوضع في نظرهم يفرض إجراء تغييرات في سياسات عدد من الدول نحو نظرة أكثر إنسانية، على اعتبار أن البشرية تعيش في عالم واحد، وأن أي خطر في أحد أرجائه، يمكن أن يصيب بقية الأرجاء، وهذا ما قد يجعلنا أمام إعادة بناء منظومة القيم من جديد. يرى هؤلاء أن العالم سيعتبر ويستوعب الدرس، سيعي فداحة أخطائه في حق الإنسان، وسيعيد ترتيب أوراقه، بالتركيز على بناء الإنسان والاستثمار في البشر، فالأنظمة ستدرك أن الاستثمار في التعليم والصحة والبحث العلمي والتكنولوجيا هو الكفيل لضمان أمنها واستمراريتها، وليست سياسات التفقير والتجهيل والتحكم في أنفاس الناس هي من ستكفل لهم ذلك.

وعلى النقيض من ذلك تماما، يذهب آخرون إلى اعتبار الجائحة فرصة تاريخية نادرة للإشادة بممارسات التسلط والاستبداد، وتمجيد الأنظمة الشمولية. فهذه أول مرة تعلن فيها أنظمة "ديمقراطية" حالة الطوارئ، ومنع التجول، دون أن يعترضها أحد، رغم أن ذلك يعد انتهاكا لأبسط قواعد حقوق الإنسان. كما عادت التعسفات والشطط في استعمال السلطة بقوة في عدد من الأنظمة التي تبحث لها عن موطئ قدم في مصاف الدول التي تحترم حقوق الإنسان، دون أن نسمع صوتا معارضا لذلك.

يعتبر هؤلاء أن إجراءات منع السفر وحظر التجوال، وتعليق كل الفعاليات الثقافية والرياضية والفنية في العديد من البلدان، تعد مؤشرا على نهاية عهد الحريات وحقوق الإنسان في الدول التي ناضلت طويلا من أجل أن تكون كرامة الإنسان فوق كل اعتبار. كما قد يشكل الوضع الحالي فرصة لانتعاش بعض الأصوات المتطرفة والحركات الشوفينية داخل بعض المجتمعات، واستغلال فشل الأنظمة في احتواء الوباء، وضعف بنياتها الصحية على وجه الخصوص، لكسب أتباع ومناصرين جدد لها.

يستشهد أصحاب هذا المنظور بما يصلنا من الصين، التي نراها منتشية بـ"نجاحها"، وهي تتغنى اليوم بـ"انتصارها" على الوباء خلال فترة زمنية قياسية وتقطر الشمع على الدول "الليبرالية" والقائمة على "نظام ديموقراطي" متهمة إياها بالعجز عن حماية شعوبها وعدم قدرتها على احتواء الوباء. لتصبح نموذجا يحتذى به حسب العديد من وجهات النظر، التي لا تجد حرجا في تمجيد الصين وتبجيل نظامها "الشمولي"، بل والدعوة إلى انتهاج سياساتها واعتناق نهجها "المبهر".

هي وجهتا نظر من بين أخرى تختلف وتتعدد في استشرافها لعالم ما بعد كورونا، بعضها متفائلة وردية تستشرف عالما أفضل، اتعظ وأخذ العبرة، ودخل أفرداه في تعاقد عالمي جديد؛ أساسه قيم التفاهم والتعاون والتعايش، سنراها تتجسد فعلا وواقعا لا مجرد شعارات رنانة فارغة فقط، وأخرى سوداء متشائمة ترى أن العالم سيتجه بسرعة أكبر نحو الهاوية، بتكريس المزيد من الاستبداد والاقتتال والخراب والدمار. وبين هذه المتغيرات، ثابت واحد واضح لا يمكن لأحد أن ينكره، هو أن لجائحة كورونا تداعيات على الثقافة والسياسة والاقتصاد والدين وعلى كل أنماط الاجتماع الإنساني ستغير قطعا وجه العالم مستقبلا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة