logo

عزيزتي كورونا.. أمّا بعد

لطالما تخيّلتكِ فتاةً رقيقةً ناعمةً بفستانٍ أبيضَ من "الدّانتيل"، ترقصُ "الباليه" على رؤوسِ أصابعِها متخايلةً، وتنتظر عازف البيانو أن ينتهي من معزوفته لتتوقف عن الرقص، ثمَّ تضع يدها على ضحاياها بلطفٍ، قبلَ أن تعُضّ رقابَهم، ويملأ الخبر شاشاتنا التي توقفَ بها الزّمن عند ظهورِ أوّل راقصة، أنتِ هكذا تمامًا، ولكنّك رحلتِ الآن، لذا كتبتُ لك هذه الرسالة التي أتمنى أن تصلكِ قريبًا، فقد قيل لي بأنّ ساعي بريدِ حارتكُم لا يزالُ في إجازة، بعد أنْ أصابتْهُ عضّتُكِ بالمرض.

 

لقد كانَ اليوم الأولُ من دونكِ جميلا، اعتدتُ أن أستيقظَ على صوتِ الغِرْبان المُزعج الذي يجعلني أتذمّر، ولكنّني هذه المرة وجدتُ صوتهُم جميلا بل تمنيّت لو أنّهم لم يتوقفوا عن النّعيق، حتّى جيرانُنا الذين كانوا يَصِلُون ليلهُم بنهارهم صراخًا، فأتفّفُ وأنا أحاولُ أن أبحثَ عن النوم بعدسةٍ مُكبّرة في زوايا الغُرفة المظلمة، باتَ ضجيجُهم اليوم أجملَ من عزفِ "ياني" نفسه.

 

عزيزتي كورونا:

أكتبُ إليكِ الآن، ونحنُ نبدأُ عهدًا جديدًا من دونك.

 

اليوم كانَ لرؤية الشّمسِ طعمٌ آخر، فلم يسبِقْ وأن دقّقتُ في كلّ زاويةٍ تنعكسُ عليها أشعتها كما دقّقت اليوم، لقد بدتْ كلوحةٍ فنيّة تُشبه في جمالها ابتسامات مَن أحب، هذه المرة الأولى التي أتناول فيها كأسَ حليبِ الصباح المُعتاد على عُجالة، فأنا على موعدٍ مع شوارعِ اسطنبول الجميلة، ثمّة طُرقٌ وعدتُها بالعودة، وأخرى قطعتُ عهدًا على نفسي بأنْ أكتشفَها على دراجتي الهوائية التي أخافُ أن أقودها في طرقاتك، هل تعلمين يا كورونا، لقد كنتُ على يقينٍ بأنّك سترحلين، ولكنّني في كلّ مرةٍ كنتُ أضعُ يدي على قلبي مخافةَ أن تأخذي عزيزًا معك، وتتركيني ألعنُ وجودكِ صبحَ مساء، أنا التي أكرهُ اللّعنات وأمقتُها.

  

 

هل تعلمين أنّ جارتنا أصبحتْ تُلقي السّلامَ عليّ بابتسام، كنتُ أسلّمُ عليها فتشيحُ بوجهِها العابسِ عنّي وتمضي، وكأنّني قتلتُ لها غاليًّا، أو سرقتُ لها مالا وذهبًا، ولكنّها الآن تبتسمُ بعينيها أيضا، ابتسامتُها جميلة بالمناسبة، أمّا جارنا، بائعُ الخبز اللّذيذ، فقد أعطاني قطعةً من الكعك، وقال لي مُطمئنا:

"بالصحة والعافية، لن تعودَ الكورونا أليسَ كذلك؟"

فأجبتُه موافقة: "نعم نعم لن تعود".

 

عزيزتي..

هل تعلمين بأنّني كنتُ أتذمّر من شوارعِ اسطنبول المُزدحمة، وأبحثُ عن يومٍ ومكانٍ لا يتواجدُ فيه البشر، كيّ أخرجَ وأستمتعَ بيومي، وألتقطَ الكثيرَ من الصّور، دون أنْ يُؤرّق خلوتي أحد، يا الله، لكِ أنْ تتخيّلي كم الحياة جميلةٌ بأناسها، والشّوارعُ مميّزة بازدحامِها، والحارات رائعةٌ بمقاهيها، اليوم أنا أرسلتُ لسُّكانها رسائلَ هاتفية، وأخبرتهم بأنْ يتجمّعوا في ساحاتها، فأنا على استعدادٍ لأصافحَهم واحدًا واحدًا، ونحتفلَ جميعًا بغيابك، لقد قرّرنا أيضًا ألاّ نرشّ الماء وراءك، هي عادةٌ قديمة، أعلم، ولكنّها تُشعرنا بالاطمئنان، فلا تؤاخذينا، هنا بالضبط، وقبلَ مجيئك، ابتلعتْ آلةُ الصّرّاف بطاقتي البنكيّة، ورفضَ المُوظفون إعادتها إليّ، وخرجتُ من عندهم مكسورةَ الخاطر، تخيّلي اليوم مررتُ من نفسِ المكان، فناداني أحدُ الموظفين، وأخبرني بأنّهم سيُعيدون لي بطاقتي البنكيّة مع اعتذارٍ وأسفٍ شديديْن. بالمناسبة حتى صاحبُ المحل الذي يكره العرب، أخبرني بأنّه يحبنا كثيرًا، ودعا على الشّيطان بالخزيّ، فقد كان يوسوسُ ويلعبُ بعقله الصغير، بحسب اعترافه.

 

عزيزتي كورونا..

أكتب إليك وأنا أرى الكثيرين قد تغيّرتْ عاداتُهم للأحسن، وكأنّهم تعلّموا مِن دروس الحجر مالم يتعلموهُ سابقًا في حياتهم، فمنهم مَن أصبحَ يُولي للنّظافةِ اهتمامًا أكبر، ومنهم مَن صبَّ جلّ اهتمامه لعائلته، وصحته، ووقته، ومنهم مَن قرّر ترك مُراقبة الآخرين، وفكّر في تطوير نفسِه بعد أنْ كان شُغله الشّاغل متابعة غيره، وانتقادهم متمنيّا اختفاءَهُم من السّاحة ليسطعَ نجمُه هو، وكأنّه لا يعلم أنّ تلكَ السّاحة بالذات تتّسعُ للجميع ولن تضيق.

  

  

أنا مثلا، أشعرُ بأنّني تغيّرت كثيرا، فلا أُخفيكِ سرًّا، عندما "كبسْتِ" على أنفاسِ إيطاليا، رافضةً أن تُفلتي يدكِ عنها، حزنتُ عليها أكثرَ من أيّ بلدٍ آخر، بل شعرتُ بأنّني أنتمي لهذا البلد، وأنا ما يجمعُني به، لا يتعدّى حُبًّا لفريق أو نادٍ رياضيّ أو طعامٍ أو مدن، تستطيعينَ القول بأنّهُ كانَ حُبًّا لم يُكلّل بزيارةٍ بعد، ومع ذلك كنتُ انتقائيّة حتى في إبداءِ تضامُني، بينما لم أشعرْ بأيّ مشاعرَ تجاه الصين، بل دعوتُ عليها مرارًا وحقدتُ عليها تكرارًا.. أعتقد أنّهُ من الخطأ أنْ يكونَ الإنسان انتقائيا في مشاعره خاصةً الحالات الإنسانية منها، ولكن هذا ما حدث معي للأسف ولكنْ أعدُكِ أن أنتبهَ في المرّات القادمة.

 

عزيزتي كورونا:

لقد تعلّمت أن أتوقف عن التذمُّر، الذي كان في حياتي أشبهَ ببهوٍ كبير، في آخرهِ آلةٌ تبتلعُ شكوايّ وتحوّلها إلى زئبق، بَدتْ النّعم أمامي وكأنّها معروضةٌ في متحفٍ كنتُ أرتادُهُ كلّ يوم، ومع ذلك لم أكُن أراها، ولكنّني كلّما اقتربت منها، تُوشوشني لأجد نفسي فجأةً بعيدة عنها آلاف الأميال ركضًا، وفي النهاية أخرجُ من البّهوِ بأنفاس متقطّعة، فألهثُ شاكرة..

 

لقد قتلني الكثيرُ من الأمل، حتى ظننتُ أنّك كِذْبة، ككذبة نيسان، نستعدُ لاستقبالها قبل أيام من كلّ عام، مُحصَّنين ضدَّ الصّدمات، ولكنّك كنتِ الحقيقةَ الأكثرَ جدلا في أشهرٍ مضتْ، أنا اليوم، بعد رحيلك، أشعرُ بأنّني عقدتُ صفقةً مع الحياة، أريدُ أن أكون طائرةٌ ورقيّة ترتفع وترتفع دونَ أن ترتطمَ بسُحُبٍ أو أحد، فقد مللتُ دَوْرَ المزهريّة الذي لعبتُه لأشهر، وسئمتُ من كوني أنظرُ للحياة من ثقبٍ صغير وضيّق، أتّتبعُ إرشاداتَ الطريق بحرص، فأنسى أنّ عامودَ إنارةٍ يقفُ أمامي، ولا أتذكر ذلك إلاّ بعدَ أنْ أرتطمَ به.. عزيزتي، لقد تغيّرنا جميعًا، فلا تعودي.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة