logo

رسالة إلى فتاة جريحة.. الورد لا ينطفئ

هي خفيفةُ الظل،ِّ جميلةُ المعشَرِ، طيبةُ اللسانِ، شديدةُ التأثرِ، تحفظُ الوِدَّ، ذاتُ قلبٍ يضِج حنينًا لماضِيها البعيدِ، ومترنمةٌ لما هو آتٍ. عالمُها بسيطٌ جدًا، تسعِدُها أبسطُ الأشياءِ، ويُبكيها أقلُّ المواقفِ، دموعُها ليست ضعفًا، تجمعُ الشيءَ ونقيضَهُ في ثنائيةٍ فلسفيةٍ عميقةٍ! فقد تراها هائمةً تبتعدُ رويدًا رويدًا، وفجأةً تراها في كلِّ مكانٍ، تنثُر الضَّحِكاتِ، وتُطَمئنُ الجميعَ وقلبُها يرتجِفُ، تواسي الآخرينَ وحزنُها يتدفق، متفائلةٌ رُغمَ غَصّةٍ في القلبِ، وجرحٍ عميقٍ أصابَ قلبَها، مُحِبَّةٌ للآخرينَ؛ رُغمَ بشاعةِ الحياةِ، لا تعرِف للحقدِ مسلكًا وطريقًا، وما ذاك إلا لخُلُقِها المتين؛ فهي خرجت من مَنبتٍ أصيلٍ طاهرٍ. حياتُها طُهر ونقاء، تعيشُ لهدفٍ سامٍ، وغايةٍ نبيلةٍ، قد تبدو للوهلةِ الأولى ذات شدةٍ ومراس لكنها عكسُ ذلكَ، عاطفيةٌ، ربما تُحكِّمُ العاطفةَ قبل العقلِ أحيانًا؛ لكونها صاحبةَ قلبٍ رقيقٍ. وروحٍ أسيفةٍ، فلسفتُها بسيطةٌ، وكلامُها واضحٌ رَغم عمقِه.

 

إذا أحبَّت،ْ أحبَّتْ بصدقٍ ووفاء؛ لأنَّ الحبَّ في قاموسِها مشاعرُ مقدسةٌ نبيلةٌ، ولأنها كذلك، أعطت كثيرًا، لكنها جُرِحت في القلبِ، وما زال جُرحُها ينزفُ وينزفُ، لكنّها صابرةٌ متجلدةٌ، تعالَت على أوجاعِها وأنوثتِها. وكأن مولانا الرافعي يصفها في قوله: "ولها شعورٌ دقيق، يجعلها أحيانًا من بلاغةِ حسها وإرهافه كأن فيها أكثر من عقلها، ويجعلها في بعض الأحيان من دقة هذا الحس واهتياجه كأنها بغير عقل! وكنت أراها مرحة مستطارة مما تطرب وتتفاءل، حتى لأحسبها تود أن يخرج الكون من قوانينه ويطيش، ثم أراها بعد متضورة مهمومة تحزن وتتشاءم حتى لأظنها ستزيد الكون هما ليس فيه!".

 

هي لا تهوى الإنسانَ الأجملَ، بقَدْرِ ما تهوى مَن تتوهَّجُ في حضرتِ. تؤمنُ أن أجملَ ما في الحبِّ "الطمأنينةُ" صحيحٌ أنَّ ثمةَ أشياءَ رائعةً في الحبِّ، لكنها تؤمنُ أن أجملَ ما قد يحدثُ أن تعطيَ مشاعرَها لشخصٍ يعرفُ كيفَ يُطَمئنُ قلبَها، يُنيرُه، يستوطنُه يحتلُّه احتلالًا! وإذا كان من الحتْمِ أن يلومَ الآخرُ نفسَه فلستِ أنتِ، بل ذلك الشخصَ الذي تجردَّ من كلِّ خُلُقٍ حسنٍ، عليه أن ينظرَ في المرآةِ كي يرَى حقيقتَه الأخرى، الخادعةَ، المزيفةَ. من ترك شخصًا أحبَّه، وأخلصَه له، ووَثِقَ به، لا يأسفُ عليه، لأنَّ هؤلاءِ لا يعيرونَ للأوجاعِ مسمعًا، ولا يَعُونَ حقيقةَ الألمِ الذي تركوه فينا، ولا معنى الرعشةِ في صوتِنا حينما نتألمُ.

 

دعيني أكتبْ إليكِ، أرسمْ وجعَكِ، أفتشْ عن مشاعرِك الجريحةِ، لعلِي أمسحُها، أتعرفين لماذا؟ لأن أمثالَكم لا يليقُ بهم الحزنُ، ولا أن تجفِنَ عيونُهم، وتبردَ قلوبُهم

عليكِ أن تكوني مثلَ بعضِ أنواعِ الورودِ التي تزهرُ دون أن تُسقى بالماءِ، ويُعطونَ دونَ تَلَقِّي المقابلَ، ويواسونَ الآخرين، بينما هم يحتاجون من يُرَمِّمُ قلوبَهم، ويُوقِفُ دموعَهم، لا تجعلي أحدَهم يُطفِئُك حتَّى وإن أوشكَ كلُّ شيءٍ فيكِ على النّهايةِ، حتّى وإن سُدَّتْ في وجهِكِ كلُّ النوافذِ. لا تحزَنِي، ولا يذهَبْ قلبُكِ حَسَراتٍ، فأنتِ كالدرةِ المصونةِ، أخلاقُكِ شَذِيَّةٌ، وتربيتُكِ بهيةٌ، وزينتُك العفافُ والنقاءُ.

 

لكنَّ عينَيها لا تعرفُ للنومِ طريقًا، وجسدُها منهكٌ والحنينُ يأخذُها كلَّ مأخذٍ، تريدُ أن تنامَ كي تتناسى جرحًا صَاحَبَها. الليلُ أنيسُ المحبين، والتقاءُ القلوبِ الصادقةِ التي عَرَفت كيفَ يناجُون القمرَ، ويعدون النجومَ البعيدةَ! لكن من جُرِحت أفئدتُهم، وبكَت عيونُهم، هؤلاء يستوحشونَ من الليلِ البهيمِ المُطبِقِ، لأنهم فقدوا ذلك الشخصَ الذي كان يبدي محبةً زائفة، فهم يبكون لأنهم أعطوا كثيرًا، وكانوا صادقين كثيرًا، لكنهم أُصيبوا في أعزِّ ما يملكون، أصيبوا في مشاعرِهم.

 

دعيني أكتبْ إليكِ، أرسمْ وجعَكِ، أفتشْ عن مشاعرِك الجريحةِ، لعلِي أمسحُها، أتعرفين لماذا؟ لأن أمثالَكم لا يليقُ بهم الحزنُ، ولا أن تجفِنَ عيونُهم، وتبردَ قلوبُهم. قد تلومين نفسَك، توبخيها، تقولين:َ أيُّ عقلٍ كنت أفكر فيه، إلى هذا الحدِّ كنتِ طيبةً بل ساذجةً! لكن الأمر عكس ذلك، لأنكِ صادقةٌ، وتملكين روحًا جميلةً، وأخلاقًا عليّةً، تعاملتِ بأصلك الحقيقي، دون خداعٍ وزيفٍ.

 

هل تعرفين كيف تنمو الورودُ في الصحراءِ القاسيةِ المقفرة؟ِ! وتتحدّى قوانينَ التضاريسِ الجافّةِ؟ مُصممةً أن تُزهر، وتنثُرَ أريجَها للآخرين؟ لماذا لم تستلمْ؟ وتذبلْ حتى تجِفَّ أوراقها؛ ثم تسقطَ أرضًا فتذروها الرياح! لأنها لا تستطيعُ أن تتخلى عن أخص خصائصها فهي مجبولة أن تكونَ ذاتَ أَلَقٍ ومنظرٍ باهرٍ، ورائحةٍ فواحةٍ، هي تتألمُ كثيرًا، أليس للورد شوكٌ؟ لكنها تكتمُ ذلك، وتتغاضى عن آلامها، لأنها لا يمكنُ إلّا أن تكون بهيةَ المنظر. انفُضِي يدَكِ ممن خَذَلَك وتركَك غير مبالٍ، فمَن فرَّطَ بمثلِكِ لا يجبُ أن يأخُذَ حَيّزاً من تفكيرِك، ويحتلَّ مكانًا في عقلِك؛ لأن أمثالَ هؤلاءِ نسيانُهم أولى وأوجَبُ.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة