logo

تداعيات كورونا الاقتصادية.. هل يخرج ترامب من عنق الزجاجة؟

تتوالى الأزمات التي تواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فبلاده تصارع واحدة من أكثر أزمات الصحة التي تشهدها والتي أثرت بشكل كارثي على الاقتصاد العالمي والأمريكي، ويجد ترامب نفسه مشتتا بين رغبتين متضادتين، فمن جهة هو مطالب بالحفاظ على أرواح الأمريكيين من فيروس كورونا الذي أصبحت بلاده تحتل الصدارة من حيث الإصابات والوفيات والأرقام في تسارع مخيف، ومن جهة أخرى يريد فتح الاقتصاد في البلاد حتى يمكن تعويض الخسائر الاقتصادية التي مني بها الاقتصاد الأمريكي لا سيما أن ورقة الاقتصاد هي الورقة الرابحة التي يبني عليها آمال ترشحه لولاية ثانية وانهيار الاقتصاد سيعد أحد أكبر أسباب خسارته انتخابات نهاية سنة 2020 إن حدثت.

لكن تداعيات الأزمة (كورونا) اقتصاديا ليست في الحقيقة أكثر سوءا من إدارته لها، فسُرعة انتشار الإصابة بالفيروس تكشف تخبط الرئيس دونالد ترامب الذي لطالما روج خلال الشهرين الماضيين أن الفيروس سيتم احتوائه في أمد أقصاه 12 أبريل وسيتم فتح الاقتصاد بالكامل، وظل يؤكد أن الاقتصاد سيعود قريبا عدة مرات لكن تفاقم الأزمة وإغلاق كافة الولايات مطلع الأسبوع الجاري، كشف فشله وحُكومته في إدارة الأزمة، الأمر الذي يَعكِس حالةً من التخبّط ولم تتردّد السيّدة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النوّاب في اتّهام الرئيس ترامب بالفشَل والكَذِب معًا.

يبدو أن هذا التخبط قد يضع ترامب في عزلة دولية وهو أمر لن يرغب به في مثل هذا الظرف بالذات إذا أضفنا له هجومه مؤخرا على المستشارة ميركل واصفا سياستها بشأن اللاجئين بالكارثية كما هاجم حلف الناتو

وفي إطار بحثه عن شماعة لتبرير فشل إدارته قام بافتعال أزمة علاقات مع الصين بسبب تصريحاته التي أعربت الخارجية الصينية عن "سخطها ومعارضتها" إزاء وصف الفيروس من قبل الرئيس ترامب بأنه "الفيروس الصيني". حيث قال شوانغ (المتحدث باسم الخارجية الصينية) في مؤتمر صحفي: "بعض السياسيين في الولايات المتحدة، ربطوا كورونا بالصين، ولطخوا سمعتها، الصين تعرب عن سخطها ومعارضتها الشديدتين لذلك". ولم يتردد الرئيس ترامب في البحث عن شماعة أخرى علها تنجيه من مقصلة الأمريكيين في الانتخابات حيث أرسل سيلا من التصريحات ضد منظمة الصحة العالمية، واتهمها بـ«التركيز على الصين»، وقال ترامب في تغريده على تويتر: «أفسدت منظمة الصحة العالمية الأمر بالفعل لسبب ما، ورغم أنها ممولة من جانب الولايات المتحدة، إلا أنها تركز على الصين، سنلقى نظرة على هذا الأمر»، وأضاف ترامب: «لحسن الحظ، رفضت نصيحتهم بإبقاء الحدود مفتوحة مع الصين في البداية، لماذا أعطونا هذه النصيحة المغلوطة؟»..

ولم يخجل ترامب في خضم صراع العالم مع جائحة كورونا والضغوط الواقعة على منظمة الصحة العالمية أن يذكر المنظمة بدعم الولايات المتحدة الكبير ويهدد بإيقاف المساعدات لها حيث قال ترامب متحدثا عن مدير المنظمة: «لا أصدق أنه يتحدث عن السياسة عندما تنظر إلى العلاقة التي تربطهم بالصين التي تنفق 42 مليون دولار، بينما نحن أنفقنا 450 مليون دولار» وأكد خلال المؤتمر الصحفي اليومي بشأن كورونا" إنه سيعيد النظر في التمويل الأمريكي للوكالة التابعة للأمم المتحدة، متهماً منظمة الصحة العالمية بأنها "متحيزة للصين" في عملية ابتزاز واضح لمنظمة الصحة العالمية في وقت يفترض أن تتوحد جهود العالم لمحاربة الفيروس، لكن ترامب يبحث عن طوق نجاة يبرر به فشل إدارته في مواجهة الفيروس.

وقد دافع أدهانوم (مدير منظمة الصحة العالمية) عن عمل المنظمة، ودعا إلى وقف تسييس فيروس كورونا. ولم يعلق أدهانوم على اتهامات ترامب، لكنه قال: "نحن قريبون من كل الدول، ولا نميّز بينها". وقال إنه يعتقد أن التمويل الأمريكي سوف يستمر. وضم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في وقت سابق، صوته إلى الأصوات المدافعة عن المنظمة، واصفاً انتشار فيروس كورونا بأنه "غير المسبوق"، وقال إن أي تقييم لكيفية التعامل معه متروك للمستقبل. وأضاف "هذا أوان الوحدة، على المجتمع الدولي العمل والتضامن لإيقاف الفيروس ونتائجه المدمرة". وأفادت تقارير بأن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد عرض دعمه على منظمة الصحة العالمية، في اتصالٍ هاتفيٍ بتيدروس. ونقلت وكالة رويترز للأنباء عن مسؤول في الرئاسة الفرنسية القول إن الرئيس ماكرون "يؤكد ثقته في المنظمة ودعمه لها، ويرفض أن يراها أسيرة حرب بين الصين والولايات المتحدة".

ويبدو أن هذا التخبط قد يضع ترامب في عزلة دولية وهو أمر لن يرغب به في مثل هذا الظرف بالذات إذا أضفنا له هجومه مؤخرا على المستشارة ميركل واصفا سياستها بشأن اللاجئين بالكارثية كما هاجم حلف الناتو وقال إنه "عفا عليه الزمن" ما دفع ألمانيا مؤخرًا على لسان وزيرا المالية والاقتصاد فيها إلى التخوف من أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع القضايا السياسية والاقتصادية، متوقعين فشله في إدارة البلاد اقتصاديًا بسبب المعارضة الداخلية لسياساته المثيرة للجدل.
وحذّر شويبله (وزير الخارجية الألماني) قائلًا: "لا ينبغي لنا الاستجابة للاستفزاز أو ممارسة الاستفزاز نفسه"، موضحًا أن ترامب يختبر حاليًا الكثير من الأمور عبر تصريحات ضد أوروبا الموحدة على سبيل المثال. مؤكدًا أن ترامب "غير جاد تمامًا في هذه التصريحات". إلى ذلك، أكد الوزير الألماني على ضرورة أن تعي أوروبا أن الوضع أصبح على "منعطف"، قائلًا: "إذا لم يكن فوز ترامب في الانتخابات يعد تنبيها لأوروبا، فلا أعلم أي تنبيه نحتاج إليه!".

يعلق الكثير من المراقبين بأن الإصلاحات المذكورة قد تخفف من حدة الأزمة الاقتصادية لكن لا شك أن الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا ستكون آثارها طويلة المدى ومن الصعب تداركها في الوقت الحاضر

وما يدعو للاستغراب أيضا ففي الوقت الذي يعتبر المجتمع الدولي فيه الولايات المتحدة قائدة للعالم في جهود مكافحة كورونا يخرج ترامب بتصريحات اقل ما توصف به أنها أنانية ولا تمت لروح التعاضد وقت الأزمات بصلة فحرب الكمامات جعلت ترامب يجن جنونه حيث شدد في تصريح مؤخرا على حاجة بلاده إلى الأقنعة ورفضه التام السماح لجهات أخرى بالحصول عليها، مهددا في الوقت ذاته بما سماه الانتقام إذا لم تأخذ واشنطن ما تريده منها. وهنا نتساءل.. هل تؤدي سياسة ترامب إلى وضعه في عزلة دولية والتي قد تكون سببا آخر لعدم فوز ترامب في الانتخابات المقبلة، هل تؤدي سياسة ترامب وأزمة كورونا إلى رسم خارطة جديدة للعلاقات الدولية تظهر فيه دولة مثل الصين قائدة للعالم (خصوصا بعد دورها ومساعداتها لمكافحة فيروس كورونا).

ولأن المصائب لا تأتي فرادى فداخليا شكل خبر إنهاء السناتور الديمقراطي، بيرني ساندرز، لحملته الانتخابية للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة ودعمه لمنافسه بايدن، صدمة أخرى لترامب ما يعني توحد الديمقراطيين مبكرا لإسقاطه ما يمهد الطريق أمام جو بايدن، ليصبح مرشح الحزب الديمقراطي. ومن جهة أخرى فقد حاول ترامب بأن يتفادى مؤشرات السقوط الاقتصادي جراء تداعيات أزمة كورونا فدعا إلى إجراءات اقتصادية تحفيزية سريعة، فمثلا خفضت الولايات المتحدة أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر، وأطلقت برنامجا تحفيزيا بقيمة 700 مليار دولار، في محاولة لحماية الاقتصاد من تأثير فيروس كورونا. ويعد هذا أول تخفيض لسعر الفائدة خارج الاجتماع المنتظم للمجلس الاحتياطي الفدرالي منذ الأزمة المالية في عام 2008. كما توصل نواب الكونجرس الأمريكي إلى اتفاق مع مسئولين بإدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن حزمة التحفيز الاقتصادية المقترحة بقيمة 2 تريليون دولار. كما وافق فريق المفاوضين على إنشاء لجنة مكونة من 5 أعضاء تشرف على الخطة المالية برئاسة قاض مستقل.

وأوضح موقع "ماركت ووتش" أن الحزمة التحفيزية، التي تمثل شريان حياة للعديد من الأمريكيين بعد الشلل الذي أصاب النشاط الاقتصادي والتجاري في البلاد تنص على تأمين 377 مليار دولار في شكل قروض للشركات الصغيرة وتعويضات مباشرة لكافة أبناء لشعب الأمريكي. وأضاف أن الخطة تتضمن برنامجا غير مسبوق يتم بموجبه تخصيص 500 مليار دولار توضع قيد تصرف وزارة الخزانة لدعم الشركات المنكوبة، على أن يتم استخدام بعضا من هذه الأموال في ضمانات لبرنامج الإقراض الذي أعلنه الفيدرالي الأمريكي لدعم الشركات المتوسطة والصغيرة. وتعليقا على الخطة التحفيزية وعملية الطوارئ قال ترامب "أنها جعلتني سعيداً للغاية".

ولكن يعلق الكثير من المراقبين بأن الإصلاحات المذكورة قد تخفف من حدة الأزمة الاقتصادية لكن لا شك أن الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا ستكون آثارها طويلة المدى ومن الصعب تداركها في الوقت الحاضر والأهم من كل ذلك هل سنرى قرارا من ترامب بفتح الاقتصاد (رغم تحذيرات المسئولين عن القطاع الصحي وعدد من حكام الولايات) نذير موجة جديدة من الإصابات قد تكون اشد في آثارها الإنسانية والاقتصادية والتي قد تدق المسمار الأخير في نعش حلم ترامب بإعادة انتخابه في الانتخابات المقبلة.. هل أخطأ ترامب بالمراهنة على تقوية الاقتصاد مقابل الحريات وصحة الإنسان وحقوق الأقليات والنزعة الشعبوية والتمييز العرقي وإضعاف وتشويه قيم أمريكا داخليا ناهيك عن انعزالية وسوء إدارة العلاقات خارجيا. الأيام القادمة ستحمل الإجابات..



حول هذه القصة

أسعى في هذه المقالة إلى تفكيك الخطاب الإعلامي الغربي المهاجم للأرقام الصينية وكيفية احتوائها لتفشي الفيروس من أجل الوصول لفرضية مفادها أن أمريكا والغرب تشكك بالأرقام الصينية لتغطية فشل الليبرالية.

أسوأ ما يفعله ترامب حاليا بالنسبة للأمريكيين هو تدمير الحلم الأمريكي فرئيس يهاجم الإعلام ويتهم الصحفيين ويقيد الحريات وينبذ الجيران ويبتز الحلفاء يتسبب بضرر كبير لمنظومة القيم الأمريكية والحلم الأمريكي.

تقوم النيوليبرالية الاقتصادية على أسس فلسفية تروج للفردانية والأنانية وخلو التعامل الاقتصادي من القيم على مستوى الأفراد. وعلى المستوى المجتمعي، فتستند النيوليبرالية إلى الداروينية الاجتماعية التي ترى أن “البقاء للأفضل”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة