إنكار كورونا كظاهرة معرفية

شهدت الآونة الأخيرة فورة في مقالات الرأي المنشورة لعلماء أوبئة وأمراض معدية وصحة عامة تتناول ظاهرة الإنكارية (denialism) في ضوء الإنكار المتزايد لجائحة كورونا على المستويين العام والرسمي، تحديدا في تلك الدول التي اعتمد ردها على خليط مدمر من المماطلة، التلكؤ، الإرجاء، الكذب وفوق كل هذا وذاك الإدعاء بأن الأزمة العالمية الراهنة لا تعدو كونها سوى مؤامرة تقودها قوى كبرى، على رأسها الصين، لتهيئة المناخ لولادة نمط جديد من علاقات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.

ينقسم هؤلاء العلماء إلى فريقين. الأول يعمد إلى التعميم في تحليل الظاهرة، مستندا إلى جملة من القواسم المشتركة -ذهنية (كالأيديولوجيا) ونفسية (كالإكتئاب واليأس والإنسلاخ عن الواقع) وسياقية (كالفقر والتهميش وتدني مستوى التحصيل العلمي)- التي تجمع بين كافة جماعات الإنكار، بغض النظر عن الحقيقة العلمية (أو الواقعة التاريخية) موضوع الإنكار. خلاصة الحجة هنا أنه من الجائز لنا الإعتقاد بأن من درج على إنكار الحقائق الطبيعية والبيولوجية، من قبيل كروية الأرض وتبدل المناخ واللقاح ضد الأمراض، سيسهل عليه إنكار وجود فيروسات فتاكة مثل كورونا.

أما الفريق الثاني، فيستند تحليله إلى شيئ من التخصيص في التشخيص، كالقول مثلا بأن أغلبية السكان في دولة أو منطقة ما يقرّون بوجود الفيروس وبتداعياته الوخيمة ولكنهم يمارسون نوعا من أنواع الإنكار الفرعي، كإنكار مدى انتشار الفيروس أو مدى خطورة كوفيد-19 (المرض التنفسي الناتج عنه). لا شك أن التخصيص أداة تحليلية ضرورية لتوسيع المدارك والتأسيس لمعالجات عميقة، ولكنه بإمكانه أن يوقع صاحبه في فخ الإختزال. فمن غير الصواب، من وجهة نظري، التعامل مع إنكار الجائحة، سواء إنكار وقوعها بحد ذاته أو مسار تطورها وفعالية الخطوات المتخذة للتصدي لها، على أنه فريد من نوعه، منفصل من حيث الأسباب والإشكالية والمآلات عما عداه من صنوف الإنكار.

الإيمان بالعلم شيء ومعرفته شيء آخر. فلا تزال فئات شعبية واسعة في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء تجهل المبادئ والأنظمة والخلفيات والمقاربات والمنهجيات البحثية وآليات الرصد والمتابعة وكتابة التقارير والمقالات واستيفاء الشروط الرقابية

يظهر الفحص والتدقيق فيما كتب حتى الآن أن كلا الفريقين على حد سواء لم يقدما إسهامات نظرية جديدة يمكن البناء عليها لتجريد ظاهرة الإنكارية، أي استيضاح الحقائق والأسباب الواقعية التي تشتمل عليها. فالتعميم في التشخيص، شأنه شأن التخصيص فيه، يدل على بنية فكرية معنية بالسؤال الإبستمولوجي -ما هي الأدلة النظرية والإمبيريقية على الظاهرة؟- أكثر من عنايتها بالسؤال الأنطولوجي- ما هي ماهية الظاهرة؟ بعبارة أخرى، يخفق علماء الأوبئة وغيرهم من العلماء الطبيعيين في فهم ظاهرة الإنكارية -ولا عجب، إذ إن المسألة ليست أصلا من اختصاصهم- لأنهم يأخذونها على علاتها، بكل ما حيك ويحاك حولها من أدبيات بحثية وعامة، بدل أن يحاولوا استنطاقها مباشرة، دون واسطات إبستمولوجية.

وعلى هذا الأساس، فقد صَرفتُ الأسابيع القليلة الماضية في محاولة أولية لإزاحة الغبار الإبستمولوجي الكثيف الذي تكدس على ظاهرة الإنكارية نتيجةَ اللجوءِ المفرط إلى الإنسانيات والعلوم النفسية والإجتماعية والسياسية الحديثة لتحليلها. استندتُ في مبحثي على منهجية واقعية نقدية تقوم على الإستدلال على الشيئ بأصله. فبما أن إنكار الحقيقة العلمية، كليا أو جزئيا، هو في أصله إنكار لمعرفة قائمة، وجب النظر إلى ظاهرة الإنكارية بوصفها ظاهرة معرفية في المقام الأول، مما يعني ضرورة الإستعانة بمفرزات أو نتاجات فلسفة المعرفة بالتحديد لتقعيد معالجتها. وبناء عليه، فقد خلصت إلى تعيين ثلاثة عوامل معرفية قد تكون مُحرِّكات مهمة لفهم أسباب إنكار البعض لكورونا. نظرا لضيق المساحة، سأسوقها هنا باختصار:

1- ضعف ثقافة البحث العلمي: الإيمان بالعلم شيء ومعرفته شيء آخر. فلا تزال فئات شعبية واسعة في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء تجهل المبادئ والأنظمة والخلفيات والمقاربات والمنهجيات البحثية وآليات الرصد والمتابعة وكتابة التقارير والمقالات واستيفاء الشروط الرقابية (أخلاقية وعلمية) وغيرها الكثير من الطرق التي يعمل بها العلماء. ولذلك تجد من يجنح، ولأسباب وجيهة، منها الحق المشروع في المشاركة في صناعة الحدث العلمي، نحو "المعارف المدنسة"، على حد تعبير عالِمَي المعرفة جوهان مولر ونيك تايلور. هذه المعارف عامية، أي تتشكل انطباعيا في مختبر الحياة اليومية، الأمر الذي يعوزها إلى تلك البنى المعقدة -متانة اللغة والدلالة، عمق المعاني وشمولية الطرح المفهومي (أو ما يصفه البعض بكونية التصوّر)- التي يستحيل بدونها أن ترقى إلى درجةِ "علمية". هذا ناهيك عن أنها معارف مشوبة بالمغالطات المنطقية، كالخلط بين الدوافع والعواقب. فعلى سبيل المثال، يحاجج البعض بأنه يمكن الإستدلال على كون فيروس كورونا سلاحا بيولوجيا صينيا مهندسا لخدمة أهداف إقتصادية (الدافع) بالنظر إلى الأرباح الهائلة التي تحققها الصين من بيع الكمامات الطبية ومساحيق التعقيم وأجهزة التنفس الإصطناعي إلى بلدان العالم المنكوبة (العاقبة).

2- تحديات دمقرطة المعرفة: من نافلة القول الإشارة إلى جسامة التحديات المعرفية التي فرضتها الثورة الصناعية الرابعة. فبفضل وسائل التواصل الإجتماعي، أصبح كل ما يتعلق بالمعارف البشرية ذا طابع ديمقراطي-تشاركي. يظهر هذا جليا في تقمُّص ملايين الناس العاديين لدور رئيس التحرير على صفحاتهم الفايسبوكية والتويترية. فكلما أمعنوا في استهلاك خاصيات التفاعل الذاتي، كالإعجاب والمشاركة والتعليق والنشر وإعادة النشر، كلما شعروا بأن آراءهم مهمة وذات أثر كبير في بلورة الرأي العام. فكيف يمكن في ظل هذه الدمقرطة المتحررة من أي قيود وضوابط إقناع أحدهم بأن معرفته بأصول الفيروسات وتكوينها وسبل احتوائها ومعالجة المصابين بها هي معرفة ثانوية، إن لم تكن خاطئة تماما، إذا ما قورنت بمعارف أصحاب الإختصاص والخبرة الطويلة؟ دمقرطة المعرفة هي بالفعل سلاح ذو حدين: تُحَرِّر المرء ولكنها في الوقت نفسه تفقِدُه تواضعه، أو قل استعداده لتفويض أمره لمن هو أعلم وأكفأ منه.

3- سوء تقدير الخلاف المعرفي: مشكلة الكثيرين أنهم يسيئون التقدير، وإن أحسنوا القراءة. لنأخذ مثالا على ذلك الجدل الدائر حول الخلاف المعرفي الحاد بين علماء الأوبئة اليوم فيما يتعلق بالسياسة الصحية العامة الأنسب للتصدي للجائحة. منهم من يقول بالمناعة الجماعية، ومنهم من يطالب بالتشدد في إجراءات الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي حمايةً لكبار السن والفئات الأكثر عرضة للمرض. وكذلك بالنسبة لاختبار الفحص الشامل، على صعيد سكاني كبير، فمنهم من يلح عليه ومنهم من يعتبره غير مجد البتة، إذ إن القدرة على السيطرة على معدلات تفشي الفيروس قد أصبحت ضئيلة جدا. الإنقسام في الآراء على أشُدِّه، ولكن لا غضاضة من ذلك، إذ أن الخلاف المعرفي (epistemic disagreement) ليس فقط مسألة طبيعية، بل هو شرط حتمي لتَحَقُّق الإجماع بين العلماء وتقدم المسيرة العلمية. بعبارة أبسط، الخلاف نعمة ولكن أكثر الناس لا يعقلون. يقع سوء التقدير عندما يُنظَر إلى الخلاف المعرفي على أنه دليل ضعف، تضارب وتلعثم، وليس دليل قوة ودينامية وشراكة مستدامة يُؤمل أن تثمر نتائج إيجابية.

تتشابك هذه العوامل بانتظام، كاشفةً عن متتالية سببية تصلح كنقطة انطلاق لإعادة فهم ظاهرة الإنكارية: فالدمقرطة المفرطة، في ظل ضعف الإلمام أو المعرفة الكاملة بالخلفيات الفكرية للبحث العلمي وتقنياته وعملياته، ستؤدي حتما إلى نشوء حركات وتيارات تُسَوِّق أفكارا ورؤى بديلة عما يقدمه العلماء، مستغلة في ذلك خلاف الأدلة فيما بينهم. من هنا نستطيع القول إن الإنكار حالة من حالات التمرد على السائد. هو ناد عريض يستقبل كل هواة الرفضية المعرفية، الذين، وللمفارقة، لا يشترط أن يكونوا من المراهقين والجهّال وشذاذ الآفاق فقط، كما هو شائع، بل إن فيهم الكثير من العلماء والمشايخ وقادة الرأي وحملة الشهادات من أطباء ومهندسين وخبراء اقتصاديين وأساتذة جامعيين. هؤلاء جميعا يشتركون بطريقة أو بأخرى في التصويب على مكتسبات العلوم الطبيعية وما يرونه من انتهازية ووصولية وتواطؤ مصلحي مثير للشك بين بعض العلماء وبعض الأنظمة الرسمية، فضلا عن رجال الأعمال والشركات العامة والخاصة الكبرى.

في الختام، ليس كل من ينكر وقوع جائحة كورونا أو أي أثر من آثارها أو بابا من أبواب التصدي لها فقيرا لم يتعلم أو جاهلا تعوزه البصيرة أو شخصا يعاني من أعراض حالة نفسية عليلة. فالأمر أعقد من ذلك، وقناعتي هي أن البحث يجب أن ينطلق من طرح أسئلة تخص سياقات وروافد صناعة المعرفة المعاصرة. بدون هذه الزاوية وما تستتبعه من إعادة نظر شاملة في ظاهرة الإنكارية، ستبقى مجهوداتنا النظرية تدور في حلقة مفرغة من شبهِ ترديدٍ ببّغائي لما قد قيل وكتب ولم تثبت جدواه. والله أعلم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة