logo

إشكالية البيانات العددية في مجابهة كورونا

عما قريب، سيتوقفُ عدّادُ الإصاباتِ بفيروس كورونا المستجد عن تزويدنا بقيمة معرفيةٍ عن مدى انتشارِ أو انحسارِ الوباءِ المتفشي. وحدها أعدادُ الوفيات ستقودُ الخروجَ من النفقِ المظلمِ، ولرُبّما ذكرتنا بما لم نقمْ به حين توجّبَ علينا عملُه. في هذا المقال، سأعرضُ إشكاليةً بُنيويّةً للبياناتِ المتعلقةِ بعددِ إصاباتِ وباء فيروس كورونا المستجد (covid-19)، قبلَ أن أُقدّمَ حلاً يستندُ إلى عَدِّ الوفياتِ نسبةً إلى زمنِ حدوثِ الإصابةِ عِوَضاً عن زمنِ وقوعِ الوفاة. فهذهِ المقاربةُ تُمَكِّنُ الباحثين في علومِ البياناتِ (Data Sciences) والأطباءَ على حدٍّ سواءٍ من فهمٍ أفضلَ للديناميكيةِ الحقيقيةِ لتطورِ الجائحة.

 

إشكاليةُ البياناتِ العدديةِ وأثرُها في انتشارِ الوباء

تعرِضُ الصفحةُ الرسميةُ لمنظمةِ الصحةِ العالميةِ على الشبكةِ العنكبوتيةِ بياناتٍ يوميةً عن تطوراتِ انتشارِ وباء covid-19 في العالم. وبدافعِ حرصِها على احتواءِ الوباءِ وترسيخِ الشفافيةِ في التعاطي مع الجائحة وما يتطلبُه ذلك من بثِ الوعيِ المجتمعي، تقومُ المنظمةُ الدوليةُ بتحديثِ بياناتِها مرّةً كُلَّ أربعٍ وعشرينَ ساعةً. البياناتُ تتناولُ -على وجه الخصوصِ- عددَ الإصاباتِ، عددَ الوفياتِ، وعددَ الحالاتِ التي تَمَ شفاؤُها في كُلِ بلدٍ (كما تُقَدَّمُ لمنظمة الصحةِ العالمية من المعنيينَ في ذلكَ البلد). وفي الوقت الذي تساهم فيه البيانات في تحفيزِ الباحثين على طرح أفكارهم واستحثاث الأطباء على إيجاد الدواءِ كجهدٍ جمعيٍّ للبشريةِ في مجابهة المرضِ مجهولِ العلاجِ حتى هذه اللحظة، فإنها تفتقدُ – في طريقةِ توظيفِها – إلى قوةِ الدلالةِ ومُطْلَقِ الفاعليةِ. فيما يلي، أعرضُ لنمطٍ إشكاليٍّ في قراءةِ وتأويلِ بيانات وباء covid-19.

  

مصابون معلومون وآخرونَ غيرُ معلومين

وفي حين أن عدد الإصابات الرسمي يشمل من تم فحصُهم والتأكدُ من انتقالِ العدوى إليهم، فإن عددَ من يحملون الفيروس ولم يخضعوا لفحوصاتٍ تكشفُ إصابتَهم يبقى في الحيزِ المعتمِ من الصورةِ الكُليّة. سنسمّي الصنفَ الأولَ من حاملي الفيروس "مصابًا معلومًا" والثاني "مصابًا غيرَ معلوم". ولكن ما تأثيرُ ذلك في الإضرارِ بمعرفةِ مدى انتشارِ أو انحسار الوباء؟

    

  

قبلَ أن نسترسلَ في العرضِ، لا بُدَّ من لفتِ الانتباه إلى الطبيعة الديناميكيةِ لهذا النوعِ من البيانات العددية والمتعلقِة عموماً بعالَمِ البيولوجيا (الطب على سبيلِ المثالِ) كنقيضٍ لعالم الرياضياتِ وما يترتّبُ على ذلك من تضاربٍ بين العالمين. فعالَمُ البيولوجيا واقعيٌ ديناميكي، وعالَمُ الرياضياتِ مثاليٌ استاتيكيّ. الورطةُ تكمنُ في أنّهُ لا يمكنُنا حلُّ أَيّةِ مشكلةٍ ذاتِ أبعادٍ واقعيةٍ ما لم نقُمْ أولاً بأنمذجتِها ومن ثَمَّ تمثيلِها عدديًا في عالم الرياضيات. فالمُخْرَجُ الذهنيُ الذي لا يمكنُ التعبيرُ عنه رياضياً، هو أقربُ إلى الهذيان منهُ إلى الفكرةِ العلميةِ الرصينة.

 

لنعد إلى مسألةِ حاملي فيروس كورونا

حقيقةُ أن هناك مُصابين غيرَ معلومين ستُهمّشُ -عاجلاً أم آجلًا- دورَ عددِ الإصاباتِ كوسيلةِ قياسٍ فعّالةٍ لمدى تفشي المرضِ بين الناس. ذلك أنّ المنظومةَ الطبيةَ (أي قابليّةَ معالجةِ كُلِّ المصابين) مرهونةٌ -كما بات واضحاً- بتوافرِ المعطياتِ الفيزيائيةِ (كعددِ وتنوّعِ أفرادِ الطاقمِ الطبي والمعداتِ الطبية وما إلى ذلك) في كل بلدٍ على نحوٍ يجعلُ منها غيرَ قادرةٍ على التعاملِ مع أعدادِ المصابينَ بالمُطْلَق. ولأن سرعةَ انتشارِ الفيروس كما هو مُلاحظٌ من البياناتِ الأمميةِ تتجاوزُ مدةَ البقاءِ في المرض لمن قُدِّرَ لَهُمُ الشفاءُ، فإنّ قَدَر كُلِّ بلدٍ (إلا أن يشاءَ اللهُ) تتفشى فيه العدوى أن تصلَ منظومتُهُ الطبيةُ إلى سعتِها القصوى في وقتٍ ليس بالبعيد. عندَها، ستظهرُ بذلك محدوديتُها وسيبينُ عجزُها (كما حصلَ في إيطاليا).

  

هنا، ستتسببُ محدوديةُ المنظومةِ الطبيةِ حين تبلغُ سِعتَها القصوى بتدوينِ بياناتٍ مغلوطةٍ عن حقيقةِ أعدادِ المصابينَ "دون أن يلحظَ ذلك أحدٌ ودون أن يكونَ ذلك عملاً مقصودًا على الإطلاق". وهذا سيجعلُ الاعتماد على عددِ الإصاباتِ كوسيلةٍ فعالةٍ في فهمِ ديناميكية انتقالِ الفيروس وما يترتبُ عليهِ من تحديدِ آليّةِ مكافحتهِ والحدِّ من انتشارِه عملاً غيرَ ناضجٍ من وجهةِ النظرِ العلميةِ ومُخَيِّبٍ للآمالِ من الناحيةِ الطبيةِ.

 

ولكي نُجلّي الفكرة، لنفرض أنّ دولةً ما ترغبُ في إجراءِ فحوصاتٍ عشوائيةٍ (بغرضِ الإحاطةِ بمدى تفشي الفيروس لديها). ولتَكُنْ سعتُها التشخيصيّةُ تبلغُ 1000 اختبارٍ يوميًا. أي أن مختبراتِ هذه الدولةِ تنجزُ في اليومِ الواحدِ ألفاً من التحليلاتِ الطبيةِ اللازمةِ لتحديدِ ما إذا كان المشتبهُ بإصابتِه مُصاباً فعلاً بالفيروس أو مُعافًا منه. ولنقُلْ أيضاً إنّ نسبةَ الإصابةِ بين المشتبهِ في انتقالِ العدوى إليهِم تبلُغُ بالمتوسط 10 بالمئة فقط (هذه نسبةٌ متواضعةٌ جدا بالنظرِ إلى شراسةِ كورونا وسرعةِ انتشارِه)، وإنّ عددَ الإصاباتِ (والحالاتِ المشتبهِ بها) يتضاعفُ من يومٍ إلى آخرَ (هذا افتراضٌ واقعيٌ جدًّا والبياناتُ الأمميةُ تُرجّحُه ضمنًا).

   

  

لنُجري الآن حساباتِنا مُبتدئين من اليوم الذي يسبقُ مباشرةً يومَ بلوغِ المنظومةِ الطبيةِ في تلكَ الدولةِ سَعَتَها القُصوى. سنميّزُ هذا اليوم بالرقم "صفر". إذاً في اليوم "صفر" لدينا 500 حالة مشتبهٌ بها، بواقعِ 50 إصابة (10 بالمئة من 500). ولْنَشْرَعْ في متابعةِ تطورِ الأعدادِ بعدَ ذلك اليوم. في اليومِ الأولِ بعد اليوم "صفر" ستكون لدينا 1000 حالةٍ مشتبهٍ بها بواقعِ 100 إصابةٍ مُثبتةٍ. كلُّ ذلك حسنٌ حتى الآن. ورطتنُا تبدأ في اليومِ الثاني بعدَ اليوم "صفر". وللتحديد، في ذلك اليوم، ستكونُ لدينا 2000 حالةٍ مشتبهٍ بها، غيرَ أنّا لن نتمكنَ من إجراءِ أكثرَ من 1000 اختبارٍ. وعليهِ، ستقودُنا نتائجُ الاختبارات إلى تسجيلِ 100 إصابةٍ في الوقتِ الذي واقعُ حالِ الإصاباتِ يُثبتُ وجودَ 200 إصابةٍ.

 

وهكذا تتوالى الأيام وتتضاعفُ أعدادُ المصابين غيرِ المعلومين دون أن يُلحَقوا بسجلاّتِ المصابين مما يتسببُ في الإيهام بقرب انحسارِ الوباء استناداً إلى ثباتِ عددِ الإصاباتِ الجديدةِ، في حينِ أنّ ثبات َ أعدادِ الإصاباتِ اليوميةِ يرجعُ في الحقيقة إلى بلوغِ المختبراتِ الطبيةِ سعتَهاَ القصوى. هذا الأمر لا ينطبق على أعدادِ الوفيات، فأعدادُ الوفيات يمكنُ تحديدُها دون أن يكونَ لذلك أيةُ أبعادٍ إشكاليةٍ بالنظرِ إلى السعةِ القصوى للمنظومةِ الطبيةِ في بلدٍ ما، من هنا كانت أهميةُ عددِ الوفيات في تزويدِنا بقيمةٍ معرفيةٍ عن شراسةِ الوباء وديناميكية انتشارِه.

 

كيف نوظفُ أعدادَ الوفياتِ في تحديدِ مدى انتشارِ أو انحسارِ الوباء؟

معلومٌ لدى الأطباء أنّ فترةَ حضانةِ فيروس كورونا تبلغُ خمسةَ أيامٍ. لذا، فظهورُ الأعراضِ المستلزمةِ لإجراءِ الفحصِ الخاصِ بمرضِ covid-19 تعني أنّ الإصابةَ حدثت فعليّاً قبلَ خمسةِ أيامٍ. فإذا أضفنا إليها خمسةَ أيامٍ أخرى هي فترةُ انتظارِ إجراءِ الفحوصات الطبيةِ والحصولِ على النتيجةِ وإدراجِ الحالةِ في السجلاتِ الطبيةِ للدولةِ المعنيةِ قبلَ إرسالِها إلى منظمةِ الصحةِ العالمية، تكونُ قد انقضت عشرةُ أيامٍ بين تلقينا نبأ حدوثِ إصابةٍ جديدةٍ وبين اليومِ الفعليِّ لحدوثِ هذهِ الإصابة. وفي أسوءِ الأحوال، يفقدُ المصابُ حياتَهُ بعدَ عشرةِ أيامٍ من موعدِ إدراجِ اسمه في سجلاتِ المصابين. لذا نستطيعُ توظيفَ عددِ الوفياتِ لاستشعارِ مدى انتشارِ أو انحسارِ وباء كورونا بمُقارنةِ الزيادةِ أو التراجعِ اليوميِّ للوفياتِ على أن نأخذَ بعين الاعتبار أنّ وفياتِ اليومِ هي نتاجُ الإصاباتِ قبلَ عشرةِ أيامٍ.

 

وهكذا نستطيعُ استخلاصَ حقائقَ مفيدةٍ عن تطورِ الوباءِ بعيداً عن قيودِ السعةِ القُصوى للمنظومةِ الطبيةِ ودورِها في تفعيل الإشكاليةِ البنيويةِ لعددِ الإصابات من خلالِ ربطِ الوفياتِ بزمنِ الإصابات المؤديةِ إليها عوضاً عن زمنِ وقوعِ الوفيات فعليّاً.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة