كيف يمثل الصعود الصيني إمبريالية جديدة؟

لا تخفي الصين طموحاتها للتحول إلى قوة عالمية مهيمنة وتبوء دفة قيادة العالم، فصورتها الحالية تختلف بشكل عميق عن ماضيها القريب المليء بندوب الحرب الأهلية ومآسي الاحتلال الاجنبي لأراضيها أو حتى ويلات الحكم الشيوعي، خاصة إبان عهد ماو تسي تونغ الزعيم المؤسس لجمهورية الصين الشعبية الذي أتخمها بألوان الصراعات والفوضى السياسية في سبيل بناء دولة البروليتاريا.

 

ومع وفاته سنة 1976 عمل الحزب الشيوعي الحاكم على تقديم تنازلات أيدولوجية بتبنيه خطة الإصلاح والانفتاح التي قدمها دينغ سياو بينغ ،و التي أسسها على فكرة ليس مهما لون القط المهم أن يصطاد وقد جسدت ردة حقيقية عن مبادئ الشيوعية خاصة في شقها الاقتصادي، ومنذ ذلك الحين استطاعت الصين أن تحقق أحد أنجح نماذج التنمية في نهاية القرن العشرين حينما حافظت على معدلات نمو سنوية تجاوزت 6 من مئة، واستطاعت أن تحقق فوائض تجارية مهمة جعلتها تسيطر على حصص معتبرة في المبادلات التجارية العالمية وبفضل هذا الصعود استطاعت أن تراكم ثروات سيادية هائلة، حيث تعتبر أكبر مستثمر في السندات الحكومية الأمريكية بما يقارب 1.5 ترليون دولار وحسب مجلة ايكونمست بلغ مجموع القروض التي قدمتها الصين أكثر من 700 مليار دولار مما يجعله أكبر دائن رسمي في العالم أي أكبر من ضعف حجمي البنك الدولي وصندوق النقد مجتمعة.

  

دبلوماسية الديون

ولأن البقاء في القمة أصعب بكثير من الوصول لها، عملت الصين على تسخير كل الامكانيات المتاحة لإدامة الطفرة الاقتصادية المحققة وترسيخ تفوقها الاقتصادي، وهو ما يفسر حضورها القوي في كل ربوع العالم بحثا عن الشركاء التجاريين والأسواق الخارجية وضمان إمدادات الطاقة والخامات التي تحتاج لها، ولعل أبرز المشاريع الصينية الطموحة تبقى مبادرة الحزام والطريق كإحياء لما كان يعرف بطريق الحرير بهدف ربط الصين بالعالم عبر الاستثمار في صناعات التعدين والزراعة الخدمات وتمويل مشاريع البنية التحتية، ومن المتوقع أن تكلف هذه المبادرة التي أطلقت منذ سنة 2013 حوالي ترليون دولار وأن تشمل 180 بلدا.

  

   

وفي خضم هذا التمدد تتضح السياسة الصينية الهادفة لتغيير ملامح الاقتصاد العالمي بالاستناد إلى إستراتيجية قائمة على دمج القوة الصلبة والناعمة، ونعرف القوة الناعمة بأنها كل الوسائل الثقافية والسياسية والديبلوماسية التي توظفها الدول بغرض دفع الأخرين لتحقيق مصالحها وبالتالي تطبيع نفوذها الخارجي، وتشمل تبادل الخبرات والبعثات الطلابية وتقديم المنح الجامعية وتقديم المساعدات المالية، ومن الخصائص المميزة للحالة الصينية أنها تتخذ شكل أنعم، عبر إبداء سخاء غير معقول في إبرام اتفاقيات التعاون والتنمية خاصة مع الدول النامية وتقديم قروض الميسرة لتمويل مشاريع البنى التحتية التي تحتاج لها.

  

ومن أبرز العوامل المسؤولة التي تسهم في تفاقم هذا التوجه لدى العديد من دول العالم خاصة النامية، أن القروض الصينية لا تفرض شروطا سياسية وتركز أساس على التنمية الاقتصادية وهو ما يفسر تعاملها حتى مع أعتى الأنظمة السلطوية والديكتاتورية، بخلاف التعامل مع باقي الأقطاب الاقتصادية الكبرى أو المؤسسات المالية كصندوق النقد والبنك الدولي المعروفة بتشددها في تقديم القروض والمساعدات المالية وربطها بضرورة الالتزام بمعايير الديمقراطية والليبرالية كالقيام ببعض الشروط وتقديم التنازلات وإجراء إصلاحات هيكلية بتوسيع هامش الحريات العامة والحقوق السياسية ،أو الالتزام ببرامج التقويم الهيكلي التي تجبر علي ضرورة التحول نحو اقتصاد السوق والتشدد في الإنفاق العام، وأمام هذه الوضعية فضلت الكثير من البلدان اللجوء للصين كخيار أمثل، غير أنه في المقابل تثار العديد من علامات الاستفهام حول مخاطر تفاقم الديون في ظل الاتهامات الموجهة نحو سياسات بكين الاقتصادية بكونها نمط جديد من الاستعمار الجديد.

 

الاستغلال الناعم

أن هذه الصورة النموذجية التي تحاول الصين أن تتقمصها وتروجها في العالم، تشكل أحد مظاهر قوتها الناعمة وخلفها تتوارى مطامع الهيمنة والاستغلال لا تقل في قبحها عما مارسته وتمارسه القوى الكبرى في حق شعوب الدول النامية، وتتجلى في حرصها الشديد على تضمين العقود والاتفاقيات على امتيازات تجارية تتيح لها الحصول على سلع وخامات بأثمان مخفضة فضلا عن إجبارية إشراف شركاتها سواء عبر المهندسين والخبراء واليد العاملة على مشاريع البنية التحتية المتفق على إنجازها كتشييد المطارات والسكك الحديدية والموانئ، مما يؤدي إلى تقليل التدفق الأجنبي إلى هذه البلدان المضيفة وتخفيض أرباحها وضرائبها، وفي المحصلة تبقى الاموال في الصين ويصبح البلد مدينا بسدادها.

 

أما حين يفشل البلد المضيف في السداد فهنا تتكشف الحقيقة حيث تتدخل لطلب مزيد من التنازلات والمزايا الاخرى وهو ما يعرف بمصيدة الديون، ولعل أبرز الامثلة الخطيرة في هذا الصدد ما وقع لسريلانكا التي اضطرت إلى تسليم مينائها الاستراتيجي هامبونتونا بعقد إيجار للصين لمدة 99 سنة مقابل التشطيب على ديونها التي بلغت قيمتها مليار دولار، مما أثار مخاوف عدة دول أصبحت تخشى فقدان أصولها الوطنية إن عجزت عن سداد ديونها، وقد كان دافعا للتفكير مليا قبل الاعتماد على التمويل الصيني، ففي سنة 2017 ألغت كل من باكستان ونيبال مشاريع كبرى كان من المفترض انجازها بالتعاون مع الصين، وفي الإكوادور أضحى سد كوكا كودو سينكلر المنجز بإشراف فني وتمويل صيني وبلغت قيمة ميزانية انجازه 19 مليار دولار فضيحة وطنية فقد واجه مشاكل هيكلية وتشغيلية قبل افتتاحه.

 

والشاهد أن السياسة الخارجية للصين تجسد تطبيقا للنزعة النفعية المستندة لفكرة الغاية تبرر الوسيلة والتي لا تتوانى عن استغلال الفرص لتعظيم المكاسب وحماية المصالح دون مراعاة لحقوق الاخرين والامعان المتعمد في الاستيلاء على مقدرات دول العالم النامي، والصورة التي تحاول تقديمها للعالم باعتبارها زعيمة للعالم والحماس لتقديم المساعدات الطبية والانسانية للدول التي تعاني من جراء تفشي فيروس كورونا ما هو إلا قناع تكشفه الوقائع على الميدان، وإذا كان هذا الخطر بات هاجسا يؤرق الاقتصاديات العظمى فإننا كدول عربية لم نستشعر بعد خطورة الزحف الصيني الذي يكبدنا الملايير من الخسائر جراء مبادلات تجارية غير متكافئة، ويسهم بالتالي في تدمير صناعاتنا المحلية وحرمان الملايين من فرص عمل وفي المحصلة إطالة أمد الكساد المزمن الذي نعاني منه.



حول هذه القصة

تشير الإحصائيات إلى أن إنفاق العالم سنويا على شراء السلاح يتراوح بين التريليون ونصف والاثنين تريليون دولار، وهو يمثل حوالي ٣% من كامل الناتج المحلي العالمي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة