كيف تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي العربية مع جائحة كورونا؟

blogs كورونا

"تناول الليمون والثوم يقيك من الفيروس".

"غسل الأنف بمحلول ملحي يقضي على الفيروس".

"الهواء الساخن من مجفف الهواء يقتل الفيروس".

"الوضوء يحميك من الفيروس".

"كيف تعرف أنك مصاب بالفيروس وأنت في بيتك؟".

"إستمتع بموت الفيروس أثناء تعرضك للشمس".

"خرج الفيروس بسبب شبكة الجيل الخامس".

"قام الأمريكيون بتصنيع الفيروس في أفغانستان ثم نشروه في الصين". 

 

خرجت علينا مواقع التواصل العربية بسيل عارم من الأخبار والمقاطع عن جائحة كورونا، وتناولت بشكل عام الأطعمة التي تقول إنها تقوي المناعة وتمنع الإصابة بالفيروس ونال الليمون والثوم نصيب الأسد. وأضاف البعض الفول والعدس والقرفة والفلفل والزنجبيل والسماق والكمون، وقد أدت بعض هذه النصائح إلى ارتفاع أسعار بعض هذه المأكولات في بعض البلدان العربية.

 

لا يمكننا إغفال موضوع وجبة "الشلولو" التي قدمها رئيس وحدة التثقيف الغذائي بالمعهد القومي المصري للتغذية في لقاء تلفزيوني حيث أسهب في شرح مكونات الوجبة من ملوخية وثوم وليمون

وشاعت أيضاً نصائح طبية بتناول المشروبات خاصة شرب الماء بانتظام وكذلك المشروبات الساخنة مثل الشاي والماء الدافئ بدعوى أن الماء والحرارة تقتل الفيروس، وقد أوصت بعض المنشورات مجهولة المصدر على مواقع التواصل بضرورة الإبقاء على الفم رطباً وشرب الماء كل 15 دقيقة، باعتبار أن ذلك سيساعد في دفع الفيروس باتجاه المريء والمعدة حيث تقضي عليه أحماض المعدة. وأضاف بعض الرواد نكهةً لعلها تقنع الجمهور فقالوا إن هذه نصيحة من أطباء يابانيين.

 

بينما تناولت منشورات أخري طقوس معينة لمنع الفيروس أو قتله، فانتشرت مقاطع تنصح بغسل الأنف أو الغرغرة باستعمال محلول ملحي لقتل الفيروس ومنعه من دخول الرئتين، وتحدث ضيف تم تقديمه على أنه طبيب متخصص في برنامج على قناة فضائية عن تأثير الحرارة على الفيروس وقدم نصيحته الذهبية بأن المكوث لدقائق معدودة تحت أشعة الشمس كفيل بقتل الفيروس وحتى أب الفيروس على حد قوله! بينما أوضح منشور آخر طريقة مبدعة لقتل الفيروس وهي تندرج تحت نظرية من يقول إن الفيروس لا يتحمل الحرارة العالية حيث أوضح المنشور وبخطوات عملية مصورة استعمال الهواء الساخن من جفاف الشعر على الأنف والحنجرة كعملية تعقيمية للفتك بالفيروس!

 

ومن أشهر المنشورات التي تم تداولها بشكل واسع ذلك الذي يوضح كيف يمكنك بسهولة معرفة ما إذا كنت مصاباً بفيروس كورونا بكل بساطة وأنت في منزلك وذلك عن طريق حبس النفس لمدة عشر ثوانٍ فإذا لم يحدث سعال فيدَّعي الاختبار أن الشخص غير مصاب بالفيروس ولإضافة جرعة مصداقية فقد تم ذكر أن هذه التجربة تم اختبارها واعتمادها في مستشفى جامعة ستانفورد الأمريكية وقد قالت المتحدثة باسم المستشفى لشبكة "سي أن أن" أن المنشور ليس تابعاً للمستشفى وأنه يحوي معلومات غير صحيحة.

 

وبعيداَ عن هذه العبثيات مجهولة المصدر والغير صحيحة علمياً فإن المعلومات عادةً ما يتم تقبلها بطريقةٍ جديةٍ إذا كان مصدرها متخصص في المجال أو شخصية معروفة، فقد انتشر مقطع يظهر تصريحاً لوزير الصحة الأردني يقول فيه بأن غطاء الرأس (ما يُعرف بالشماغ) يمكن استعماله لتغطية الوجه وأنه يُغني عن الكمامة الطبية وأثار هذا الموضوع جدلاً واسعاَ على منصات التواصل وتساءل البعض عن مدى فعالية الشماغ في الحماية من الفيروس وتندَّر آخرون عن إمكانية إقرار بيع الشماغ في الصيدليات تبعاً للتصريح المذكور، ولكن الرد جاء حاسماً من منظمة الصحة العالمية والتي أفادت بأن الكمامة مصنوعة من قماش طبي بنوعية خاصة وأن الشماغ لا يقوم بعمل الكمامة. وشاع أيضاً مقطع لمقابلة مع كاتب معروف يتحدث عن مادة أسماها كورومنيوم (ولم يتسنى حتى الآن العثور على هذه المادة رغم البحث الدؤوب في المعجمات الطبية)، قال إنها موجودة في التوابل الهندية وبسبب فتكها بالفيروس فإن المرض غير موجود في الهند، ولكن ما هي إلا أيام حتى اجتاح الفيروس العديد من المدن الهندية وأصاب الآلاف.

 

ولا يمكننا إغفال موضوع وجبة "الشلولو" التي قدمها رئيس وحدة التثقيف الغذائي بالمعهد القومي المصري للتغذية في لقاء تلفزيوني حيث أسهب في شرح مكونات الوجبة من ملوخية وثوم وليمون لافتاً إلى وجود هذه المواد بتركيزات معينة وأن لكلٍ منها وظيفة محددة تؤدي في النهاية مجتمعةً إلى تقوية المناعة ومكافحة فيروس كورونا وكذلك الفيروسات الأخرى، وقد لاقى المقطع رواجاً كبيراً وجدلاً واسعاً وبسببه وجه المجلس الأعلى المصري لتنظيم الإعلام عقوبة لفت النظر إلى البرنامج الفضائي الذي استضاف اللقاء.

 

والحقيقة أن المنشورات والمقاطع التي تُنسب إلى أطباء أو خبراء في التغذية أو الميكروبات قد تكون سلاحاً ذو حدين فمعرفة أن المعلومات تصدر من متخصص طبي يؤدى غالباً إلى اطمئنان رواد المواقع إلى صحة المعلومات التي يتلقونها ولكن هذا ليس صحيحاً على إطلاقه ففي أحيانٍ كثيرة يقوم البعض من هؤلاء "الخبراء" بتكرار ما يقال عن استعمال أطعمة معينة أو أعشاب لتقوية المناعة ومنع العدوي بالفيروس بدون الاستناد إلى أدلة علمية. فلم يثبت علمياً أن طعام معين أو أعشاب تقوي المناعة أو تقتل الفيروسات أو تحمي منها.

 

الجانب الديني كان أيضاً حاضراً مع منصات التواصل أثناء جائحة كورونا فقد انتشرت مقاطع تطمئن العامة بأن الفيروس لن يصيب من يتوضأ وفي مقطع آخر يظهر خطيب في مسجد وهو يشرح آلية عمل الفيروس ويخلص إلى استنتاج أن الفيروس يعيش في بيئة جافة ولذلك فإن إدخال الماء إلى الأنف أثناء الوضوء كفيل بمنع العدوي بالمرض. وقد ظهرت منشورات عن فعالية الحبة السوداء في علاج الفيروس وتحدثت منشورات عن أن دواء "هيدروكسيكلوروكوين" -والذي أشارت دراسات أولية إلى احتمالية مقاومته للفيروس- إنما أصله الحبة السوداء، وغالباً ما يتم ذكر الأحاديث النبوية التي تشير إلى فوائد الحبة السوداء ضمن هذه المنشورات لإضافة المصداقية عليها.

 

نظرية المؤامرة كانت حاضرة بقوة مع جائحة كورونا حيث تم تداول منشورات تؤكد أن الفيروس تم تصنيعه من قبل علماء أمريكيين ثم نقله إلى الصين بغرض تدمير الاقتصاد الصيني بينما انتشر بشكل واسع مقطع لمستخدم وصلت مشاهداته حوالي أربعة ملايين مشاهدة على موقع فيسبوك يقول فيه إن الفيروس صُنع في أفغانستان على شكل غاز السارين، وإن عدداً من الجنود أصيبوا به، ولكي يخفوا إصابتهم، سافروا إلى مدينة ووهان الصينية حيث نشروا عدوى السارين. ويؤكد المستخدم أن مصدر هذه المعلومات معهد سكريبس الأمريكي للأبحاث، لكن موقع المعهد لم يذكر أي دراسة أو تقرير يحمل المعلومات المزعومة وقد قام المستخدم بحذف المقطع لاحقاً.

 

وانتشرت نظرية أخرى تقول إنه ليس هناك فيروس أصلاً ولكن الذي حدث هو نتيجة تداعيات إطلاق الجيل الخامس من الإنترنت مما تسبب في إطلاق موجات كهرومغناطيسية تسببت في أعراض الفيروس. وهناك أسلوب ربما يكون الأخطر في تمرير المنشورات وهو عرض معلومات مع الإعلان أن مصدرها جهة رسمية معروفة مثل منظمة الصحة العالمية أو منظمة صحة الطفل وتكون بعض المعلومات قد صدرت فعلاً من هذه المؤسسة ولكن يتم التضليل بإضافة معلومات أخرى مزيفة لم تصدر عن تلك الجهة وإنما يريد المصدر تمريرها، وقد أدت هذه الممارسات وما شابهها إلى تحذير منظمة الصحة العالمية من المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة المصاحبة لجائحة كورونا ملفتةً النظر إلى أنها قد تعرقل الاستجابة الطبية للمرض.

 

من الدروس المستفادة من جائحة كورونا تأكيد واقع أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت من أهم وربما أسهل الأدوات المستعملة للحصول على المعلومات بمختلف أنواعها خاصةً الطبية وهذه لها خصوصيتها وخطورتها خاصةً أثناء انتشار الأوبئة حيث تساهم بشكل كبير في توجيه سلوك العامة للحد من خطورة المرض والمساهمة في التخفيف من أضراره. لهذا فإنه من المهم جداً نشر التوعية بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن التحري والتثبت عند استقبال المعلومات وقبل إعادة إرسالها.

 

وفي هذا الإطار أطلقت الحكومة البريطانية حملة "تحقق قبل أن تصدق" بعدة لغات منها العربية على مواقع التواصل الاجتماعي لمواجهة المعلومات المغلوطة والأخبار الكاذبة حول جائحة كورونا وتركز الحملة على أهمية تقصي الحقائق مع تقديم النصائح والوسائل التي تساعد القارئ على اكتشاف حقيقة المعلومات والتحقق من مصادر المعلومة، بالإضافة إلى أهمية مراجعة المحتوى قبل القيام بإعادة نشره، والإرشاد إلى بعض المصادر الموثوقة للحصول على المعلومات الصحيحة والمعتمدة.

 

أختم بمقاربتي الشخصية لمعلومات منصات التواصل الاجتماعي فأتعامل معها بعكس فعل أهل القانون فهي عندي متهمة حتى تثبت براءتها.