في العراق.. سباق على القتل بين كورونا والإنسان!

blogs كورونا

أهل العلم يقولون إن من محاسن كوفيد 19، هو تنظيف البيئة من براثن الإنسان، الصحفيون والإعلاميون أفرادا ومؤسسات وجدوه فرصة خلو المدن والشوارع من البشر، لينعموا بالنظر إلى المعالم التاريخية والبارزة في المدن، الصين وأمريكا اللتان كانتا تتنافسان لقيادة العالم اقتصاديا، صور الأقمار الاصطناعية تثبت أن الأجواء في البلدين أنظف مما كان بعد مغادرة الإنسان الفضاء العام والمكوث في المنزل، عقود كثيرة العلماء يصرخون بضرورة التعامل مع غازات الانبعاث الحراري، لكن فيروسا خارج مدى الرؤية جاء وأجبر تلك القوى المعاندة الباحثة عن المال والسيطرة على التراجع والهبوط، جمال المدن ظهر، العدسات تمكنت من التصوير، حتى الحيوانات البرية رأت عالماً مختلفاً فنزلت إلى الشوارع كما في باريس وكاليفورنيا، كل هذه لم يكن بسبب صلاح الإنسان بل خوفا لأن كورونا يقتل وهو موصوف بالفتاك الذي لا يرحم، ويتعامل مع الجميع سواسية.. أول من انهار أمامه الدول المعروفة بالمتقدمة..

في العراق، بما أن المعدِن في الشدائد يظهر، رأينا مختلف المشاهد من جميلة وقبيحة وعجيبة خلال التصدي للفيروس، لكن أن يتحول الإنسان إلى وحش في خضم المعركة مع كورونا؟ ثلاث في أسبوع واحد من شمال البلد مروراً إلى جنوبه، صورت المعدِن الأسود للإنسان، إغتصاب ممن أنيط بهم الحماية -رجال ألأمن-، وحرق ممن أعتمد كظهر مساند -الزوج- وخيانة ممن قيل إنها المأوى -الزوجة-.

الحالة ألأولى، تم تثبيتها عبر الفيديو، وفتحت الجهات المختصة التحقيق، وجعلت المتهمين تحت الحجز، زوجة من أصحاب الاحتياجات الخاصة تسكن مع زوجها وأطفالها بلدة -بردي- ألتون كوبري- الواقعة بين كركوك وأربيل، والمنطقة من المدن التي يتواجد فيها الكورد كغالب، بعد أحداث ١٦ أكتوبر ٢٠١٧ استطاع الحشد الشعبي أن يجد مكانا في الإدارة الأمنية في تلك المناطق، خاصة أن الجبهة مع داعش كانت السبب لتوسع فصائل الحشد داترة تواجدها، بالإضافة إلى الشرطة المحلية، لكن عندما يتحطم الإنسان من الداخل ويتحول إلى الأنعام بل أضلّ، يكون فيروس كورونا بجميع أنواعه أقل خطورة منه، هذه المرأة تعرضت للإغتصاب وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة من طرف هؤلاء، وأحدهم يصور المشهد الذي أصبح دليل الإدانة فيما بعد.. وبما أن كل شيء يُرى من منظار سياسي والكل يشك ويشكك، فقد تدخلت الأطراف من منطلق الشعور القومي، أو النأي بالنفس تنزيها للقومية التي ينتمي إليها إثنان من المتهمين.

الحالات الثلاث في العراق، وقبلها من منع دفن ضحايا كورونا، ومنع دفن الطبيبة المصرية التي انتقلت إلى رحمة الله بسبب إصابتها بالفيروس وهي تعالج المصابين، تلك التي أسلفنا ذكرها، تصور التحطيم الداخلي للإنسان

والحالة الثانية، هي إقدام فتاة في عمر ١٩ عاماً، على إشعال النار في جسدها، هروبا إلى الموت من المعاملة السيئة التي تتلقاها من زوجها وأهله، ملاك الزبيدي من مدينة النجف التي أحرقت جسدها في باحة المنزل بعد شجار عنيف مع زوجها، لم يقدم الأخير على إطفاء النار المشتعلة وجلس ينظر إليها وهي تحترق، ربما لأنه كان ينظر إليها وهي قلبها يحترق من دون أن يرف له جفن، فلا بأس بأن يتفرج على حرق جسدها دون أن يرف له جفن، فالأمر سيان بالنسبة له..

أما الحالة الثالثة فهي عاكسة، الضحية رجل، لكن القيمة واحدة، زوجة تتفق مع عشيقها في بغداد على قتل زوجها، هي تطعنه ثم يخنقانه ويحرقانه، نعم، هكذا، من الفيروس هنا؟ البشر أم كوفيد 19؟ في الحادثتين الأوليتين، الشرطة والقضاء على الخط، وزير الداخلية أمر بالتحقيق حتى لا ينجو الجاني، والثالثة فالمرأة وعشيقها في الحبس وألقي القبض عليهما، لكن نحن بالمنظار القيمي عندما نقيس الأحوال نلمس بوضوح أن كورونا أكثر وضوحا وتفهما وقبولا للمعاملة من هؤلاء البشر، والبشر عندما ينحط، يتحول إلى وحش كاسر، الإنسان يقتل ويفسد كما قالت الملائكة لله سبحانه، لكن الحامي هو القيم التي زرعها الله فيه -إني أعلم ما لا تعلمون- ، في حال التخلي عنها فهو القاتل الفاسد، بتلك القيم يكون أهلا لتعمير الأرض، وبدونها يأتي إليه كورونا لإجباره على المراجعة.

الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، اتهم العولمة بأنها لم تجعل البشر أخوة، بل أعداء، وإن الانعزالية القومية هي التي طغت في الفترة السابقة حيث امتنعت البشرية من تحمل الهموم المشتركة وأصبح الكل ينادي بنفسه ولنفسه، الآن حسب موران الوقت متاح لأن يفكر العالم بصورة مختلفة، أن تعود العدالة الاجتماعية التي غابت بسبب التهافت على الربح المادي، وهذا ما يقول ويتنبأ به المفكرون الغربيون أكثر من المسلمين بأن العالم سيتغير وأن القيم الحاكمة لن تبقى كما كان قبل كورونا، العزل الاجباري لقَّن الجميع بانه بحاجة إلى الآخر، الآخر السليم الحيّ الحرّ، وليس المريض المنهك، الإنسان لابد أن يتغير، العلماء دائما يقولون بأن الخلوة بين فترة وأخرى، صرورية لكي ينظر الإنسان إلى داخله، يقيم حاله، يسدد ويصحح، لكن الجشع والطمع لم يسمحان له في الفترة الماضية، الآن كورونا أجبره، التفكير من أجل إحداث التغيير ليس في مستوى العالم كيف يكون فقط، بل التفكير على مستوى الفرد كيف أكون بعد هذا الوباء؟ فالوقت متاح للتفكير للمراجعة الذاتية لمعالجة مواطن الخلل وتثبيت نقاط القوة.

الحالات الثلاث في العراق، وقبلها من منع دفن ضحايا كورونا، ومنع دفن الطبيبة المصرية التي انتقلت إلى رحمة الله بسبب إصابتها بالفيروس وهي تعالج المصابين، تلك التي أسلفنا ذكرها، تصور التحطيم الداخلي للإنسان، الإنسان الذي يتحول إلى حشرة مضرة بحاجة إلى التصفية، وإلا فإن الجمال الكوني يكون مشوهاً.. فالصحة والسلامة ليستا في الجسم المادي فقط، بل الصحة النفسية والسلامة العقلية أهم..