logo

كيف تحد الرأسمالية من الإبداع العلمي عند الغرب؟

منذ أربعة أشهر وفيروس كورونا يجوب الكرة الأرضية من شرقها إلى غربها، يصيب البشر ويدمر الاقتصاد ويصيب الحياة بشلل تام، هذا يحدث وحجمه لايصل لمائتى نانوميتر. بداية انتشار الفيروس حدثت فى الشرق وظن الجميع أن الغرب قادر بعلومه الحديثة أن يُلقن هذا الفيروس درساً بليغاً، وقادر على إيقافه عند حدوده التى تخطاها. إلا أن ما حدث عكس كل هذه التوقعات، فالفيروس يضرب أكثر الدول تقدماً وهى الولايات المتحدة الأمريكية التى بلغ ضحاياها حتى كتابة هذه السطور أكثر من نصف مليون مصاباً وأكثر من 22 ألف وفاة.

والسؤال الذى يطرح نفسه الآن هو: لماذا فشل العلم حتى هذه اللحظة فى إيجاد دواء أو مصل لهذا الفيروس رغم فك شفرته الجينية ومعرفة تركيبه بل وآلية عمله فى جسم الإنسان؟ إن هذا السؤال يستدعى منا أن نفتح موضوعاً ونضعه تحت المجهر قلما فتحه أحد، ألا وهو الإبداع العلمى فى الغرب. إن الأصل فى العلوم أنها عالمية ولا تتأثر بوجهة النظر في الحياة وهي محصلة اجتهاد بشرى عابر للحدود، يكمل بعضه بعضاً. إلا أن البحث العلمى في الغرب محكوم بإطار فكري ألا وهو الرأسمالية التى تركت أثارها على العلم والإبداع العلمى.

فكيف يؤثر هذا الإطار الفكري فى حركة العلوم والإبداع العلمي؟ إن الرأسمالية كوجهة نظر فى الحياة تجعل المنفعة هي مقياس الأعمال، فأي عمل يقوم به الإنسان الأصل أنه من أجل المنفعة، وهذا بدوره قد أخرج الإنسان بوصفه الإنساني من بؤرة الاهتمام ووضع مكانه في منتصف الدائرة المنفعة نفسها التى يدور هو حولها. وهنا بيت الداء، فشركات الدواء مثلا يحركها فى إنتاجها وأبحاثها المنفعة، التى يمكن أن تحققها من إنتاج أى عقار، وليس بالمقام الأول صحة الإنسان، وهذا يجعلها تُقدم على صناعة عقارات تحقق لها منفعة كبيرة وسريعة وتُحجم عن غيرها رغم أهميتها للبشرية، لأن المنفعة المتحققة من ورائها ليست كبيرة.

إن المنشغلين بالبحث العلمى يدركون تمام الإدراك أن علماء المسلمين الأوائل أوجدوا أساساً للتفكير العلمي وأوجدوا علوما تركوها للبشرية، وكان علمهم هدفه خدمة الإنسان الذي هو في بؤرة الاهتمام، ومن أجله يجب أن تسخر الدولة كل إمكانياتها

هذا بالنسبة لصناعة الدواء نفسها، أما فيما يتعلق بما قبلها من بحث وإبداع علمى فإن القوانين التي تفرضها الرأسمالية تُحَجم حركة العلم تحجيماً كبيراً، مثل قوانين حماية الملكية الفكرية التى تمنع أي أحد من الاستفادة بأفكار الأخرين دون موافقته، ومثل هذه الموافقات لا تتم إلا مقابل منفعة مادية كبيرة. فتبقى الفكرة محصورة عند صاحبها ويحرم آخرين من تطويرها، وإضافة مجهود بشري عليها. ويضاف لذلك براءات الاختراع التى تمنح صاحبها تسجيل فكرة بإسمه ليمنع غيره من الوصول إليها. وهكذا نرى هاتين المسألتين، حماية الملكية الفكرية وبراءة الاختراعات من أهم الأسباب التي تقتل الإبداع العلمى في الغرب وتجعل حركة العلوم بطيئة.

فلنتخيل مثلاً أن هناك عالماً قدم فكرة جديدة في الهند، فبدأ غيره فى الاستفادة بها فى أستراليا ومن حيث انتهى هو بدأ غيره في القاهرة ومن حيث انتهى صاحبها في القاهرة تلقاها منه غيره في برلين وهكذا، فإن حركة العلوم تكون سريعة ومبدعة لأنها نتاج معرفة البشر في كل أنحاء العالم، ولو وضعنا فى الاعتبار التقدم الآن فى وسائل الإتصال فيضاف هذا إلى عملية التطوير ويعين على الإبداع العلمى. إن الغرب قد احتكر معارفه العلمية لنفسه فمنع غيره من الاستفادة منها وتطويرها، وحرم نفسه من الاستفادة بمجهود غيره. وهذا ما نراه اليوم فى أزمة كورونا، وتحت وطأة الأزمة التى تهدد الجميع نرى أنه لأول مرة في المائة عام الأخيرة يضطر الغرب إلى رفع القيد عن أبحاثه ليتعاون مع علماء آخرين فى كل بقاع الدنيا عسى أن يتمكن من إيجاد مصل لفيروس كورونا وعلاج للمرض الذى يسببه كوفيد 19.

إنه حين تسير حركة العلم بشكل طبيعى دون قيود ولا تقف عند أى حدود وتتشكل من مجهود العلماء في الدنيا بإختلاف ألوانهم وعقائدهم، عندها فقط سنجد حركة العلم سريعة ولن يشكل فيروس مثل كورونا أي عقبة أمام العلماء لإيجاد مضادات له في لمح البصر. إن علماء الإسلام الأوائل قدموا لنا نموذجاً فريداً في الإبداع العلمى، لأن الغاية التى ابتغوها من علمهم هي رضوان الله ولم يتعلموا العلم من أجل منفعة مادية، لأن الدولة كانت تعوضهم عن أعمالهم وتقدر إنتاجهم العلمى. يضاف إلى ذلك قوة العقيدة التي تجعل العالم المسلم يسير في أبحاثه أخذاً بالأسباب مؤمناً بأن النتائج من عند الله مجسدة في معنى التوكل، وبذلك يصبح أفقه لا تحده حدود.

إن المنشغلين بالبحث العلمى يدركون تمام الإدراك أن علماء المسلمين الأوائل أوجدوا أساساً للتفكير العلمي وأوجدوا علوما تركوها للبشرية، وكان علمهم هدفه خدمة الإنسان الذي هو في بؤرة الاهتمام، ومن أجله يجب أن تسخر الدولة كل إمكانياتها. نعم لقد أبدعوا إبداعاً لا يرقى إليه كل علماء الغرب مجتمعين رغم التقدم الآن فى وسائل التواصل ووسائل الكتابة وغيرها، فلك أن تتخيل أن أبو الكيمياء جابر بن حيان قد كتب 30 ألف كتاب في أقل الروايات، وهذا العدد ربما يفوق كل ما كتبه علماء الغرب مجتمعين في المائة سنة الأخيرة.

بقيت نقطة أخيرة وهي أن غياب المسلمين الآن عن ركب التقدم العلمى قد أفقدنا المقياس الذى نقيس به تقدم الغرب، فأصبحنا لا نرى إلا الغرب أمامنا وبالتالى ينظر إليه المسلمون نظرة إكبار ولكنها نظرة لا تقوم على مقياس حقيقي للإبداع العلمى. إن نظرة حولنا ترينا حجم المعاناة التى يعانيها البشر من أمراض فتاكة، بقاؤها هو أكبر دليل على غياب الإبداع العلمى. فلاغرابة فى ذلك، فالمبدأ الرأسمالى الذي يسود العالم اليوم لا يرى فى الإنسان إلا مستهلك ويجب تسخيره لخدمة أصحاب رؤوس الأموال ولا يمكن أن يكون الإنسان عندهم هو بؤرة إهتمامهم بل المنفعة، التى جعلت ترامب يتأخر ثم يتردد في اتخاذ إجراءات سريعة لتحجيم فيروس كورونا خوفاً منه على تعطيل الحياة الاقتصادية وبالتالى خسارة لأصحاب رؤوس الأموال، فلا ضير عنده أن يضحى بكبار السن والمعاقين من أجل الاقتصاد في نظرة بعيدة كل البعد عن معنى الإنسانية.

لقد أصبح العلم والبحث العلمى أسيران خلف قضبان الرأسمالية ويتوقان لليوم الذى يتحرران فيه إلى رحاب الإسلام ليخدما الإنسانية، وعندها فقط سيدرك المسلمون كم كانوا مخدوعين بالغرب وعلمه الذي ظنوه يوماً أنه أرقى ما وصل إليه العقل البشري وفي الحقيقة هو أقل من هذا بكثير.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة