إلى الذين يؤثرون المبادئ على الأشخاص

BLOGS مجتمع

أما قبل ففي هذه المدونة سأتطرق لموضوع لم يمله الترف الفكري، أو أنه قد جاء عبثاً هكذا، أو قد صاد في خاطري بكلمات أريد التعبير عنها فقط، أو أي شيء تعتقد بأنه قد يماثل هذا القول أو حتى يشابهه! بل كان هذا لما نعيشه في واقعنا المضطرب اليوم، فالموضوع يحاكي صورةً قديمة جديدة موجودةً بيننا، وما نلمسه من مرض أو هوس أو حتى حالة من الشيزوفرينيا (اضطراب نفسي)!، لست أدري الداء من بين كل ذلك، ولكن غايتي السعي في بيان المبدأ والإيمان به وأهميته في رقي الحضارات والمجتمعات، والذي يكمن الدواء فيه.

فمع فوضى المصطلحات وجدلية القياس الذي يحوينا في هذا الزمان، يحاول الإنسان جاهداً وضع كل أمراً أو حدثاً في مكانه الصحيح، يسعى بأن يكون لديه قاعدة أو منطلق ترسم حقيقة الحياة ومنطقها العملي داخل المجتمع الذي يعيش فيه وما يتمسك به لاتخاذ قرارات أساسية أو حتى ثانوية! تسعى بأن تكون صاحب مبدأ واضح سهل يعينك على معرفة وتقييم سلوك حياتك وحياة من حولك في مجتمعك.

وضع حد فاصل بين مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ، فالأشخاص يستمدون مكانتهم من خدمة المبدأ، فإذا تحول الحفاظ على تلك المكانة إلى غض من المبدأ، أو عدم وضوحه في أذهان الناس، فقد انحرف عن قصده

فكم وقع من التخبط بين المبادئ والأشخاص، وكم زاد "داء تجسيد المبادئ في الأشخاص"، وكم كثر أصحاب المنافع والألوان الذي هم في كل واد يلهون ويلعبون، ولا شيء في الوجود غير أنفسهم فقط، والتي هي مقدمة على الأهل والعشيرة والوطن والدين، ينتهزون أي فكرة ليستغلوها لصالحهم، فيتركوا مبادئهم هذا إن صح التعبير عنها بمبادئ، بلا قيود نحو تحقيق مآربهم بكل الطرق المتاحة، ولا يتمتعون بالحد الأدنى بالصبغة الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة) فمهما كان نوعها ما دام أنها ستؤدي إلى الغاية. والتاريخ الحديث شهيداً على ذلك، فتراهم ما آن لهم أن سمعوا بالتطبيع ركضوا نحوه بحجة مظلة (الأمر الواقع)، ووصل بهم أن يدافعوا بلا حياء أو نخوة عن كل احتلال. وصدق الشاعر حينما أحسن القول فيهم: "وإنك لو تعطي المبحتر درهماً … على دين عبرانية لتهوّدا".

فمن هنا إن اللبيب الذي يتأمل حال مصير انشطار الأمة الإسلامية اليوم وازدياد جرحها ولا يزيده كرّ الزمان إلا عمقاً وألماً وبعداً عن منهاج العدل والانصاف ويدرك أنّ أسس تقدم المجتمعات ورقيها وقوة جأشها وترابطها بتمسك مبادئها وقيمها الثابتة التي لا تتغير، فشتان شتان من أناس يموتون من أجل مبادئهم، ومن يقدمون مبادئهم قرابين لحاجاتهم أو شهواتهم! والتاريخ شهيد على كل تلك الأنواع والأصناف.

"إلى الذين يؤثرون المبادئ على الأشخاص"، عبارة تسطر بماء الذهب، استعرتها من الكاتب الموريتاني الدكتور محمد بن المختار الشنقيطي، أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمد بن خليفة في قطر، والتي عنون بها كتابه البليغ: "الخلافات السياسية بين الصحابة، رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ". هذه الرسالة التي قال عنها "إنه يتحكم فيها هم الفصل بين الشخص والمبدأ وهي جملة من القواعد المنهجية المقترحة للتعاطي مع تلك الخلاف (الاختلاف بين الصحابة الكرام) بما يعين على استخلاص العبرة منها لمستقبل أمة الإسلام وآتي أيامها، مع الاعتراف بفضل السابقين ومكانتهم في حدود ما تسمح به المبادئ التي استمدوا منها ذلك الفضل وتلك المكانة..". تطرق إلى أسس ثلاث لخصها الكاتب في مدخل الكتاب وهي:

1- وضع حد فاصل بين الوحي والتاريخ، بحيث يتم التقيد بالوحي المنزل كتاباً وسنة، ويتم الاعتبار بالتجربة التاريخية، دون اتخاذها أصلا بنى عليه، أو معياراً تتم المحاكمة على أساسه.
2- وضع حد فاصل بين المبادئ ووسائل تجسديها التاريخية، بحيث يصبح الباب مفتوحاً أمام تجديد الوسائل دون تحريف للمبادئ، ولا يتم الجمود على وسائل معينة حتى ولو أثبتت جدواها في الماضي.
3- وضع حد فاصل بين مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ، فالأشخاص يستمدون مكانتهم من خدمة المبدأ، فإذا تحول الحفاظ على تلك المكانة إلى غض من المبدأ، أو عدم وضوحه في أذهان الناس، فقد انحرف عن قصده.

ولعل لنا وقفة من موقعة الجمل التي قد تغني عن طرح المزيد من العبر والأحداث ولكن بعيداً عن الأخبار الكاذبة أو التأويلات الفاسدة التي تحط من قدر الأصحاب الأخيار أو من أم المؤمنين عاشة -رضي الله عنها-، أو تصور ما جرى بينهم على أنه نزاع شخصي أو دنيوي. فذاك عمار بن ياسر -رضي الله عنه- في موقعة الجمل كما روى في البخاري، عندما سار‏ ‏طلحة ‏والزبير‏ ‏وعائشة ‏إلى ‏البصرة ‏بعث‏ ‏علي ‏عمار بن ياسر ‏وحسن بن علي،‏ ‏فقدما ‏الكوفة‏ ‏فصعدا المنبر فكان‏ ‏الحسن بن علي ‏فوق المنبر في أعلاه، وقام ‏عمار‏ ‏أسفل من ‏‏الحسن ‏فاجتمعا إليه‏ ‏فسمع ‏عماراً‏، ‏يقول‏: ‏إن ‏عائشة ‏قد سارت إلى ‏البصرة‏ ‏ووالله إنها لزوجة نبيكم‏ -صلى الله عليه وسلم-‏ ‏في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم اياه تطيعون أم هي!" عرج الحافظ ابن حجر قائلاً: "ومراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع علي، وأن عائشة مع ذلك لم تخرج عن الإسلام، ولا أن تكون زوجة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة. فكان هذا يعد من انصاف عمار وشدة روعه وتحريه قول الحق، وعلق ابن هيبرة في هذا "أن عماراً كان صادق اللهجة، وكان لا تستخفه الخصومة الى أن ينتقص خصمه، فانه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب" وعلق شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كذلك قائلاً "ومع هذا فقد شهد لها عمار بأنها من أهل الجنة، وزوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومع هذا دعا الناس الى دفعها بما يمكن من قتال وغيره".

وما النهج النبوي ببعيد بل هو خير دليل علمي وعملي في ذلك، أفليس الذي كان يقول "إنّ فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما إنصبها" هو نفسه كان يقول -صلى الله عليه وسلم- وايمّ الله!: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". أوليس وصيته -صلى الله عليه وسلم- إلى أبو ذر "قل الحق وان كان مرا". منهاج دقيق واضح قائم على معادلة التوازن بين قدسية المبدأ ومكانة الشخص في شتى الظروف والأزمات. وكما قال الكاتب: "إن مكانة الأشخاص بمن فيهم الصحب الكرام بجلهم لا يجوز اتخاذها ذريعة لطمس المبادئ والرواسخ التي يستمد منها أولئك الأشخاص مكانتهم لأنك حينها ستخذل الاسلام من حيث أردنا أن ننصره. نعم لا أنكر بأنه أحياناً أن تجمع بين عمل المحامي والقاضي، ولكن لا يتحول دفاعك عن الاشخاص إلى غص من المبادئ أو تبرير للظلم او الحاجة مثلاً".

إذا اعتاد الفتى خوض المنايا … فأهون ما يمر به الوحول
ومن أمر الحصون فما عصته … أطاعته الحزونة والسّهول الحزون

انظر الى تعاليم السماء فالشمس ثابتة في الشروق وفي الغروب، والليل بظلمته وهدوئه، والجبال بشهاقتها وصلابتها، وهكذا فإن جوهر الأشياء قد نبعت من ثباتها على خصائصها وتمسكها بسلوكها ومبدئها، والإنسان شيء من الأشياء، اذاً الكون يمضي على ناموس لا يتغير. فغياب تلك التعاليم السماوية عن أفكار البشر ضياع في إدراك أهمية المبادئ في الحياة. نعم قد تكون أفضل الطرق أعسرها ولكن عليك اتباعها، إذ أن الاعتياد عليها سيجعل الامور تبدو سهلة للوصول ولكن يكفيك شرف السير "فالسير على طريق الوصول وصول".



حول هذه القصة

العلاج الأنجح يكون بالسفر والاختلاط والتعامل مع مختلف الأجناس والأعراق، ومحاولة لمس الجوانب الإنسانية فيهم التي تجمع بيننا، والتعرّف عليهم لأن أهم أسباب السلوك العنصري هو الجهل وعدم معرفة الآخر.

تنتشر موضة “التفكير الإيجابي” على نطاق لم يسبق له مثيل، آسرة عقول المفكرين، والكتاب، والصحفيين، ورواد وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يعتقدون أنها الطريقة الثقافية الفضلى لمواجهة التداعيات النفسية لهذا الفيروس.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة