"مراقبة كورونا".. كيف فرضت الجائحة تحديات أمن جديدة؟

في الرابع عشر من فبراير انعقد مؤتمر ميونخ للأمن باستضافة العديد من الخبراء الأمنيين الدوليين والشّخصايات السياسة والاقتصادية المختلفة، على رأس الوافدين المدعوين للمؤتمر الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" ورئيس شركة فايسبوك "مارك زوكربيرج"، لبحث العديد من القضايا الجوهرية، كتطور الديمقراطية والليبرالية واقتصاد السّوق والحرية، كما أنّ الولايات المتحدة الأمريكية شاركت بوزيري الدفاع والخارجية إلى جانب مؤسسات دولية أمنية وقانونية وقضائية، مع أنّ المؤتمر ناقش قضايا مهمة ذات صلة بما يحدث في العالم من حروب وهجرة غير نظامية وتراجع مستويات الاستقرار المناخي.

إلا أنّ قرارته كانت استشارية أكثر منها إلزامية، مع ما يتيحه من لقاءات هامشية بين الوفود المشاركة، حضور رئيسة مجلس النواب الأمريكي "نانسي بيلوسي" لفاعليات المؤتمر مع مهندس الاتفاق النووي الأمريكي/الإيراني "جون كيري"، ألقى بالمخاوف الأمريكية تجاه برنامج إيران النووي على المؤتمر، بعد ازدياد التهديدات الإيرانية بسب تصفية الجنرال قاسم سليماني، ومن غريب السياسة الدولية ومؤتمراتها الاستخباراتية، إعلان الولايات المتحدة الأمركية هدنة سارية المفعول مع حركة طالبان الأفغانية، مقرونة بآمال انسحاب القوات الامركية من أفغانستان، وسط تجاذبات أوروبية عن جدية الإدارة الأمريكية في تحقيق رؤية شاملة لانسحابها الأمني، كما أنّ المؤتمر ناقش إنشاء قوة عربية مشتركة لمحاربة الإرهاب والتصدي للتدخلات الإيرانية بالشرق الأوسط والمغرب العربي، ما استدعى طرح سؤال حول حقيقة "المشاريع الاستيطانية الامبريالية" والتوصيات التي تنتجها "الملتقيات الدولية" للمنظومة الغربية، وما مدى فاعليتها في تحقيق السلم العالمي والحفاظ على "الحقوق الإنسانية المشتركة".

باعتبار الأمن ضرورة استرتيجية للحفاظ على بنية الدولة/الإنسان، فإنّ انحرافات الانتفاضات العربية حصدت الكثير من الأرواح، حيث بلغت أعداد الضحايا في سوريا أكثر من 511 ألف قتيل أما ليبيا فقد أعلنت الأمم المتحدة أنّ ما يفوق 15 ألف شخص

وفي الوقت الذي يشارك فيه عدد كبير من المسؤولين الدوليين بمؤتمر ميونخ للأمن، في مقدمتهم الأمين العام لحلف الناتو "ينس ستولتنبرغ"، ورئيس منظمة الصحة العالمية "تيدروس أدهانوم غيبرييسوس"، كانت الصين تكافح وحدها لصد انتشار عدوى فيروس كوفيد-19، بعدما ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 2118 شخص جلهم من المنطقة الموبوءة ووهان، مع تجاهل مؤسساتي للكارثة البيئية التي تهدد "الأمن الصّحي العالمي" ورفض منظمة الصحة العالمية إعلان حالة الطوارىء الدولية، حيث قال رئيسها تيدروس أدهانوم غيبريسوس "درع الصين" كما وصفه أحد كبار المسؤولين البريطانيين، والمتهم بالتستر على وباء الكوليرا عام 2006 بأثيوبيا، أنه من المبكر إعلان حالة الطوارىء، كما يتوجب على العالم أن يبقى في حالة تأهب قصوى إزاء التطوارات المتلاحقة للوباء، في تلك الأثناء كان العالم منشغلا بإعداد وثيقة "درع مشتركة" مع المجموعة العربية لردع التدخلات الإيرانية بمنطقة الخليج العربي، وتكاتف أمريكي/إسرائيلي لتمرير صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، تبعها إعلان رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول "عبد الفتاح البرهان"، السماح للطائرات الاسرائيلية بالعبور فوق الأجواء السودانية، مستبيجة بذلك حق الشعب الفلسطيني في قيام دولتهم واسترجاع ما نهبته المؤسسة الصهيونية طيلة سنوات من التهجير والإبادة.

موضوع مؤتمر ميونخ للأمن 2020 عن "الاهتمام الغربي" بالعالم سلّط الضوء على الدور الأوروبي في قضايا الأمن العسكري السيبراني، وقضايا الشرق الأوسط والنزاعات المسلحة خاصة عقب تهديدات إدارة ترامب وتشديد لهجتها للجنرال حفتر المستغيث بمجموعة فاغنر الروسية، كما أنّ رهانه على تراجع الدور الأمريكي بات من الواضح "كحلم الظهيرة" مع حالة الاستنفار الدولية التي تفشت مع انتشار فيروس كوفيد-19، فهل تركت الآلة الغربية العالم آمنا كي تطلب منه السلام؟ وهل أظهرت المؤسسات الأوروبية وهيئاتها الاستيطانية كفاءتها في معالجة تكاليف "الأمن الصحي" لشعوب أوروبا والتخلي عن التمظهرات العنصرية النيوليبرالية المهيمنة على "القرارات السيادية" لدولها؟ ثمة مواقف مخزية انبرت مع الأرقام المتصاعدة في إيطاليا وإسبانيا ودعوة الحكومات الأوروبية الاتحاد الأوروبي للتكتل لحماية مواطنيه، ومواجهة تداعيات وباء كورونا، غير أنّ الاتحاد الأوروبي الذي تغافل عن ترحيل الآلاف من المهاجرين غير النظاميين قسرا، يدير ظهره لأوروبا المتناسية لمطالب السترات الصفراء، لإصلاح أعطاب "الهيمنة النيوليبرالية" الضاربة مؤتمراتها الأمنية مراكز القرار ببلدان الاتحاد الأوروبي.

ومع توسع بؤرة الجائحة كورونا التي قلبت موزاين الحسابات الأمنية للمؤسسة الغربية بغرض كبح جماح التصاعد الاقتصادي لمنطقة آسيا الشرقية والحد من التدخلات السياسية/الأمنية لروسيا البوتينية، تبيّن أنّ العالم النيوليبرالي لم يتعلم بعد الدروس التاريخية التي تلزمه بقدر لا بأس به من "المسؤولية الأخلاقية" إزاء التحديات الأمنية "للصحة العامة" الناجمة عن الحروب والكوارث الطبيعية، إذ الخوف من الإرهاب وتحرر الشعوب تتجند له المنظومة الدولية بجميع مؤسساتها كي ترسم خططا ودساتير جاهزة لتبرير سياسات الحجر والقمع، فانهيار القوات العراقية بسبب هجمات تنظيم الدولة الإسلامية عقب إعلان جيش الاحتلال الأمريكي انسحابه، كان مؤشرا خطيرا لفاعلية التدريبات والبرامج السّرية للشركات الاستخبارية والأمنية، كما أنّ البعثات الأممية اكتفت برفع التقارير للحالة الاجتماعية المزرية لشعوب تنتظر المعونات الغذائية، بدل التقليل من معاناة الناس الذين فتكت تبعات الإرهاب والتدخلات الغربية، وهذا ما ترجمته هيئة الإحصاء العراقية في تقاريرها، أنّ أعداد القتلى المدنيين فاق الـ 100 ألف شخص حتى مارس/آذار2010، وللمفارقة كان إعصار كاترينا عام 2005 على موعد لحصد أكثر من 2000 ضحية في غضون أيام فقط، ومخلفا وراءه فوضى أمنية وانتشار للأوبئة وخسائر اقتصادية بلغت 108 مليار دولار، الأمر الذي جعل وزير خارجية ألمانيا "يوشكا فيشر" يومها يعلن استعداد بلاده تقديم المعونات لضحايا الإعصار، مع أنّ تصريح الإدارة الأمريكية حينها من أنّها تملك "قدرات بحث أمنية وعسكرية" لمواجهة الظروف الصعبة الناجمة عن الكوارث الطبيعية، إلا أنّها تقف اليوم على أصفار التبادلات البنكية معلنة حجم الكارثة الاقتصادية التي ستعقب زوال وباء كوفيد-19، والمنذر كما يرى مراقبون بتشكل خريطة سياسة جديدة للاتحاد الأوروبي، الذي لم يشف بعد من تبعات الأزمة المالية لدول الجنوب واتفاق بريكست.

وباعتبار الأمن ضرورة استرتيجية للحفاظ على بنية الدولة/الإنسان، فإنّ انحرافات الانتفاضات العربية حصدت الكثير من الأرواح، حيث بلغت أعداد الضحايا في سوريا أكثر من 511 ألف قتيل أما ليبيا فقد أعلنت الأمم المتحدة أنّ ما يفوق 15 ألف شخص كانوا ضحية نزاع داخلي مرفقة أرقام الاصابات والأمراض بقائمة طويلة، أمّا اليمن فسجل حقوق الانسان بات عاجزا عن تقليل المعاناة اليومية لعائلات الضحايا الذين بلغ عددهم 100 ألف مدني منذ تدخل التحالف العربي لإعادة الشرعية، أرقام تقف المؤتمرات الدولية للأمن إزاءها شاهد عيان على ما اقترفته مؤسساتها من خذلان وتماطل لوقف أنهار الدماء في أنحاء المعمورة؛ نتذكر كيف أنّ الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" عندما هدد بشن هجوم مباغت في حال تكرر استخدام "الأسلحة البيولوجية" من طرف النظام السوري وداعميه، قامت حكومة الأسد بالتنازل عن "القدرات البيولوجية الدفاعية/الردعية" لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتدميرها! لتنقل المتحدثة باسم الخارجية الأمركية "هيثر نويرت" في 30 يونيو 2017 بأنّ "الأسد لم يتخلص من كامل الترسانة الكيماوية التي تمتلكها دمشق"!

لم تتوقف آلة العنف عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا بمناطق كثيرة من العالم، كما لم أنّ المؤتمرات الأمنية الدولية سعت "لترشيد القتل" وتوريط أطراف النزاع باتفاقيات تحفظ المصالح الامبريالية، بدل تحقيق تطلعات الشعوب في حقها من "الكرامة الانسانية"، وفي ظل موجات "العنف غير الاعتيادية" تتأتى بوادر الاستشفاء من "سحابة كورونا" في وقت تسترق مجسات الرصد الاعلامية ضحايا كوفيد-19، من دون أن تسلط تحليلاتها وتقييمها "للنظام الصحي العالمي"، كخطوة لتعزيز "الأمن الوقائي والصحي" ضد المخاطر الأزلية التي تهدد البشرية، فمن غير المنصف أن يتكفف العالم المنفق لمليارات الدولارات على "برامج المراقبة" بحدود لا تعترف بها الجوائح الطبيعية، بغرض تقليل الخسائر الاقتصادية متناسيا "تحييده الالتزام الأخلاقي" تجاه المآسي المتكررة، فالإنسانية على مرمى من التخاذل والاستخفاف "المناعي والوقائي" ما إن يتم تداولها كأرقام تتضاربها البورصات العالمية.

ينقضي مؤتمر الأمن بميونخ معززا استراتيجيات المراقبة التي تقودها الحكومة العالمية بمؤسساتها الامبراطورية لإعادة صياغة الكيانات السياسية المناوئة لها، معلنا هشاشة "القانون الأخلاقي" في كبح التنمر الاستعماري للإدارة الأمريكية التي فرضت مزيدا من العقوبات الاقتصادية على جمهورية إيران، التي شهدت تصاعدا مخيفا في أعداد ضحايا فيروس كورونا، كما أنّ الإجراءات المتأخرة للحد من جائحة كوفيد-19 المستخدمة من طرف الحكومة الصينية، فرضت نموذجا شموليا شديد المراقبة للبشر اختصره العالم في كيفية استغلال النظام الصيني "للتقنيات الحديثة" للتكنولوجيا؛ أما الهاجس الذي يقبع خلف المؤتمرات التي تقودها الدول الصناعية الكبرى يتمثل في بلورة رؤية شاملة لما يتوجب على العالم أن يكون عليه في ظل "تناقص التهديدات الإرهابية" وتغافل الإعلام العالمي عن التجاوزات المرتكبة بمناطق النزاعات وحروب الوكالة، ووقف النزيف الاقتصادي بسبب التهافت الدولي خلف صفقات التسليح والتهجير، فآمال البشرية في الحياة و"أمنها الصحي" معقودة بزيادة الانفاق العالمي والمحلي على نظام الرعاية الصحي وأخلقة الاستثمارات الاقتصادية المرتبطة بصحة البشر، ورفض الاستغلال الأمني للمنظمات الإنسانية والمؤسسات الدولية وجعلها دمى سياسية بيد الحكومات.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة