القادة العرب والفشل في اعتقال كورونا

blogs كورونا

فيما تصدر العلماء والأطباء المشهد في أمريكا والدول الغربية عموما، اختار القادة العرب كعادتهم استجلاب الحس الأمني والعقلية العسكراتية في مواجهة وباء كورونا. وذهبت الدول العربية للتعامل مع كورونا بالخبرة الوحيدة التي تمتلكها تاريخيا، الوحيدة التي تفوقت وبرزت فيها، وهي المقاربة الأمنية والقبضة العسكرية، حيث أنزلت الجيوش، وأعلنت الاستنفار وعسكرة الحياة العامة والخاصة، ولوح بعضها بالأحكام العرفية، ليشعر المتابع بأن كورونا جماعة متمردة أو جيشا معاديا وليس فايروسا مستجدا. ويبدو أبرز مثال على تلك المقاربة المتبناة عربيا ما أشارت له صحيفة النيويورك تايمز من أن مشكلة الرئيس المصري على سبيل المثال مع كورونا "أنه لا يستطيع اعتقاله وزجه في السجون"، وهو الحل الذي دأب عليه الرجل طيلة سنوات حكمه في التخلص من كل من وما يزعجه.

 

ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا لديكلان وولش تحت عنوان "مأزق المستبدين أنهم لا يستطيعون القبض على فيروس". وقال الصحافي في تقريره إن الديكتاتوريين حول العالم لجأوا إلى أساليبهم المعروفة. وفي الشق الاقتصادي وبعيدا عن السياسة وبينما نكتب هذه السطور كان الاتحاد الأوروبي يقر حزمة مساعدات مالية بعد أن اتفق وزراء ماليته على خطة إنقاذ بقيمة 500 مليار يورو، لدعم الأعضاء الأكثر تضررًا من تداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد، وذلك بعد مناقشات استمرت على مدار ثلاثة أيام، فيما لم نسمع صوتا للجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي أو غيرها من مؤسسات "التضامن العربي والإسلامي".

 

وجد الأوروبي دولة قوية واقفة إلى جانبه، رغم هشاشة نظامها الصحي، دفع لها الضرائب ليجدها بجانبه اقتصاديا وماليا وصحيا وقت الأزمة، حيث لا مظلة تحمي "الجميع" إلا مظلة الدولة

للأسف من جملة ما عرته جائحة كورونا أنها كشفت عن انعدام التضامن العربي العربي وعدم وجوده أساسا، ولعل السنوات الطويلة التي سبقت هذه الجائحة والتي تميزت باقتتال عربي عربي، وصراعات عربية بينية، ومراهقات لدول عربية أوجدت أزمات لا مبرر لها، كل تلك شكلت عوامل أسهمت في تهشيم ما تبقى من التضامن العربي، وتقزيم ثم اختطاف واغتيال الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، وغيرها من مؤسسات رفعت راية التضامن العربي والإسلامي.

 

هذه المؤسسات كلها ينبغي أن يجيب القائمون عليها عن البنود التي صرفوا فيها الميزانيات المقررة لها، ويحق للمواطن العربي أن يطالب كل من تقاضى راتبا يوما ما من تلك المؤسسات أن يعيده، فكلها مؤسسات نشأت باسم خدمة العرب والتضامن البيني بينهم، ورفعت شعارات التضامن والإخوة العربية، إلا أن المحصلة  المؤسفة أن جميعها غاب في جائحات سابقة بقي فيها العربي دون مأوى، ومات العربي جوعا وبردا، ودعمت جامعته قتل عربي لعربي، وشرعنت تل الجامعة حروبا عربية عربية، وإسرائيلية ضد عرب، واليوم تتركه ذات الجامعة وأخواتها من مؤسسات التضامن العربي يموت جراء نقص المعدات الطبية، أو جوعا وهو لا يجد قوت يومه بعد أن عطل الوباء أشغاله، أو بردا في مخيمات اللجوء السوري والعراقي والفلسطيني، والقائمة تطول.

 

ويبدو الحديث عن التضامن العربي العربي ترفا في ظل نظم هي أصلا لا تلقي بالا لمواطنيها قبل أن تمضي نحو تضامن على المستوى القومي، فبينما تسخر الدول الغربية المتقدمة إمكانياتها في تأمين شبكة رعاية اجتماعية، وصرف رواتب لمواطنيها المتضررين جراء الإغلاق التام الذي فرضه وباء كورونا، تطرح تساؤلات مشروعة عن دور الدولة في العالم العربي، وهل وقفت إلى جانب مواطنها؟

 

وجد الأوروبي دولة قوية واقفة إلى جانبه، رغم هشاشة نظامها الصحي، دفع لها الضرائب ليجدها بجانبه اقتصاديا وماليا وصحيا وقت الأزمة، حيث لا مظلة تحمي "الجميع" إلا مظلة الدولة. فيما لو وجهنا النظر نحو التجربة في الدول العربية، فقد بدت الدولة هناك حاضرة لكن بمقاربات متباينة، بعض الدول الثرية وفرت شبكة أمان لمواطنيها، لكن دون استراتيجية واضحة للتعامل مع الوباء، أما الدول الفقيرة غير النفطية، فقد هبت أجهزة الدولة فيها للتعامل مع الجائحة، لكن أيضا دون استراتيجية واضحة المعالم ودون تأمين  شبكة أمان اقتصادي، فقد طالبت تلك الدول مواطنيها  التزام  البيوت، لكن دون أن تجيب على تساؤل بدهي: كيف سيعيش هؤلاء المواطنون دون مدخول مالي، كيف سيشترون الخبز والحليب والدواء، ومن أين سيصرفون وهم بالكاد أصلا كانوا يستطيعون إعالة عوائلهم قبل كورونا، خاصة من يعمل بالمياومة منهم!.

 

حضرت الدولة لكن الدولة الأمنية، وغابت الدولة الأبوية، فلا مظلة أمان اقتصادي ومعيشي للمواطن المكلوم الذي سكت طويلا على تلك الدولة التي ازداد فيها الأثرياء ثراء، وسرق نافذوها ماله، دون حول له ولا قوة، أليس أقل ما يمكن أن تقدمه تلك الدول التي سكت مواطنوها عن سرقتها لهم عقودا من الزمان، أن تطعمهم من جوع وتؤمنهم من خوف!؟ ورغم كل هذا الجفاء من الدولة، يبدو لسان حال المواطن في حديثه لها اليوم: "لا تصرفوا علينا من ميزانية الدولة فقد رجاء أعيدوا جزءا من تلك الأموال التي سرقها كبار رجال المال والأعمال، وسكتت عنهم الدولة أو عاونتهم".

 

أخيرا، الفايروس وباء سينقضي آجلا أم عاجلا حاله حال أوبئة أخرى، لكن ما هو أخطر من كورونا هو ذلك الوباء المزمن المتمثل في عقلية أمنية عسكرية ميليشياوية  تحكم في بعض الدول، وتعتبر الإنسان عبدا للدولة، لا مواطنا في دولة، لها عليه وليس له منها إلا العصا.