logo

تتويج الخرافة في موسم كورونا

يتعالى منسوب الزّيْف والتزييف والتلفيق والتدليس في الشاشات والشبكات في موسم الجائحة المعولمة، وقد صارت "كورونا" عنواناً لمرحلة تشهد تتويج الخرافة، بما يعبِّر عن الحيرة والاضطراب والقلق والمخاوف والبحث عن تفسيرات سهلة أو تأويلات شيِّقة لما يجتاح العالم ويعطِّله. تجد الخرافة فرصتها في أحداث كبرى داهمة وتطوّرات جارفة مُحيِّرة تستثير شغف الجماهير بالفهم وتُغري باندفاع النُّخَب إلى الشّرح، بعد أن أدرك الجميع انكشافهم لسطوة التحوّلات التي لم تحذِّر منها حصون الفكر ولم تستشرفها مراكز البحث ولم ترصدها قلاع الأكاديميا. فأهمية حدث ما وسرعة تفاعله وغموض ملابساته مما يُطلِق العنان لتفسيرات جامحة وتأويلات مُغالية، على النحو الذي يشهده موسم "كورونا" الذي يشغل العالم ويعطِّله.

     

تكشف الخرافات المتداولة من حول الفيروس التاجي المستجدّ عن نزعات الجماهير وتُسفِر عن منطق النخب وتشي بمدى استقامة أهل العلم والرأي والخبرة والتخصّص في نظراتهم ونزعاتهم؛ بما يفرض الشكّ بسلامة الوثوق بأحكام بعضهم وتقديراته وتأويلاته. فهل يصحّ الركون إلى رأي خبير أو تقدير مختصّ أو فتوى عالِم بشأن الواقع من حوله؛ إن استولت على أيّ منهم خرافات مبثوثة أو جمحت به فرضياتٌ مُتخيّلة؟

     

فرصة مثالية للخرافة

من المعتاد أن يختلف البشر بشأن الأحداث الكبرى وبواعثها، وأن يضطربوا في تقدير طبيعتها وانتشارها، وأن يتعارضوا في استشراف أبعادها وتداعياتها، بما يفتح الباب على مصراعيه لخرافات محبوكة تروق لبعض الجماهير وتطيب لبعض النُّخَب؛ فتسري بها الرُّكبان في الشبكات والشاشات، بما يسدّ جوعة الناس إلى إجابات سهلة حاسمة تقطع حبال الحيرة أو يوفِّر لها تأويلات تخترع الواقع ليُطابق التوقّعات المُسبقة والأمانيّ المنعقدة.

   

لا عجب أن تغرق المنصّات الشبكية وتطبيقات التواصل بروايات شيِّقة عن منشأ الجائحة ومَن دبّروها ونشروها، أو عن الذين أعادوا الكرّة وانقلبوا على أعقابهم، أو عن الذين انفلت منهم الفيروس التاجي وتجرّعوا كؤوس الخيْبة. جاءت روايات الشهور الأولى من موسم الوباء مشبّعة بتفاصيل مذهلة ومشفوعة بمقاطع وشهادات واقتباسات تزعم الشيء ونقيضه. انقلبت بعض المنصّات من الانجراف مع رواية إلى استساغة نقيضها، ولم تعجز عن استدعاء "شواهد" و"إثباتات" يُراد منها أن تدعم كلّ موقف أو تنقض ما يعاكسه.

    

  

احتُفِي على الملأ بمزاعم عن اكتشاف علاجات حاسمة للفيروس التاجي المستجدّ "كوفيد 19″، منسوبة إلى دول وحكومات وأطباء وعطّارين وشخصيات مزيّفة. حقّقت تسجيلاتٌ صوتية مجهولة المصدر رواجاً ملحوظاً في هذا الشأن، فهي تمنح وعود الخلاص من الجائحة بالتشخيص الذاتي والعلاج التلقائي؛ دون حاجة إلى طبيب أو مشفى أو حجر صحي. ولإتقان الحبكة يدفع بعضهم بتعبيرات دينية أو إيحاءات ثقافية أو خصوصية محلية تدغدغ الوجدان وتُلجِم التمحيص. أوحى بعضهم، مثلاً، بأنّ الحلّ مُتاح بخلطة شعبية "مجرّبة" لم تفطن لها مخابر العالم، وزعم آخرون أنه سرّ مكتوم لا ترغب شركات الدواء بتداوله، وأنّ منظمة الصحة العالمية ذاتها ضالعة في مؤامرة كونية. ثمّ تسلّلت ذيول الرواية إلى البيت الأبيض فانخرط سيّده في الهجوم على المنظمة واتهمها بالتواطؤ مع الصِّين، وقرّر إفقار الوكالة الدولية بحجب الدعم عنها.

  

لا تقتصر المعضلة على بثّ مواد مزيّفة أو مضامين مضلِّلة؛ فهي تمتدّ إلى التهاون مع التزييف والتدليس والسذاجة ضمن بيئة حاضنة تتفشّى فيها هذه المواد، وما مِن بيئة سلمت من مثل هذا. لا تتفطّن كثير من النخب إلى خطورة هذا المنحى وعواقبه على وعي جماهيرها وصحّة مجتمعاتها، وقد تستسيغ تبادل هذه الموادّ بمفعول تواطؤات وأواصر تفرض الإحجام عن المكاشفة بالخلل والمصارحة بالزّلل، أو لأجل تملُّق القوالب النمطية الرائجة وطلباً للحظوة بمنطق ما يطلبه الجمهور الذي يكافئ هذه المزاعم بإشارة الإعجاب وإعادة التغريد.

 

سرديات الحبكة المدبرة

لا ينبغي استبعاد فرضية الحدث المدبّر، ولا القطع بنفيها المُطلَق؛ لكنّ استساغة فكرة الحدث المُدبّر لمجرّد أنّ الصين التي مسّها الضُرّ ابتداءً كانت في مرمى الاستهداف الأمريكي المُحتمل قبيل ظهوره، أو لأنّ فرضية الحرب البيولوجية لا يمكن استبعادها عموماً، أو لأنّ مسار الجائحة عبر أقاليم الأرض يثير الاشتباه؛ ممّا يقتضي وقفات مراجعة نقدية لا هوادة فيها لمنطق اجتراح الأحكام وتركيب الخطابات.

  

واقع الحال أنّ هذه الفرضيات في جملتها أو في تفاصيلها لا تتجاوز في أفضل حالاتها احتمالاتٍٍ لا يصحّ القطع بها بلا بُرهان أو البرهنة عليها بلا دليل، وهو ما لا يتوفّر غالباً في مثل هذه الحالات ولن يتوفّر على الأرجح. يبقى التدبيرُ المحبوك احتمالاً قائماً في تقاليد الصِّراع الأممي وإنْ تضاءلت فرصه أو لم يكن وارداً في الحسبان؛ لكنّ المتشبّثين برواية أحادية لا تبديل لها عن التدبير البشري لكل ما جرى؛ إنّما يمنحون الانطباع أحياناً بأنّ العالم كان يقف بمنأى عن الأوبئة أو الجوائح أساساً؛ أو أنّ الفيروسات لا تتفشّى بين البشر إلاّ بحبكة منسوجة أو بحيلة مُدبّرة.

  

لن تكفّ الخطابات الأحادية الوثوقية عن استدعاء تأويلاتها السخيّة في أي موسم وبائيّ لاحِق قد تشهده البشرية، وقد تُعيد تأويل ما عرفه العالم من قبل بأثر رجعي أيضاً، وكأنّ الإنسان يقف في مأمن من كائنات مجهرية تحيط به وقد تتسلّل إلى جوفه. تبقى شروط الأحكام الصارمة سارية المفعول عند هؤلاء إلى أن يَرِث الله الأرضَ ومَن عليها؛ لأنّ الصراع الذي يفسِّرون به كل شيء لن ينتفي عن ظهر الكوكب بطبيعة الحال؛ بما يتيح للمُغرَمين بهذا المنطق تفسير التطورات الداهمة من خلاله على حساب احتمالات أخرى وإنْ بدت راجحة.

   

  

يتجلّى الغلوّ في اعتناق تأويل أحادي واستبعاد غيره، ثم في إخضاع هذا التأويل لتفصيل فرعيّ محدّد لا تبديل له كي يبدو وجيهاً. لا يتوقّف القوْلُ عند بعضهم بأنّ جائحة "كوفيد 19" عملٌ مدبّر، فهم يجزمون فوق ذلك بأنّ الذي دبّره طرفٌ معيّن على نحو مخصوص وبكيفية محدّدة مع تفاصيل مثيرة يحشدونها كما يروق لهم لخدمة السّردية، مع استبعاد فرضيّات فرعية أخرى وإن احتملتها روايتهم ذاتها. يأتي هؤلاء بما يطيب لهم من شواهد انتقائية لتدعيم أحكامهم الوثوقية المُسبقة؛ ويغفلون عن غيرها من الشواهد الماثلة للعيان، وقد يتّكئون على مزاعم لم تَثبُت أو أنصاف حقائق هشّة أو موادّ مزيّفة جزئياً أو كلياً؛ رجاء أن يعضِّد بعضُها بعضاً، رغم أنّ ضعفها ووهنها يشيان بخلاف ما يرغبون به.

 

لهذه الخطابات منطقها الساذج، فمِن عادته أن يعقد ارتباطاً بين متغيِّريْن مُفترَضيْن بصفة انتقائية، وأن يتجاهل ما سوى ذلك من المُعطيات والسياقات التي لا تنسجم مع السردية، فيُصَوَّر أحدُ المتغيِّريْن تابعاً لغيره بشكل مؤكّد أو مفسِّراً له بصفة حصرية. يكفي عند بعضهم أن تطرأ جائحةٌ في زمن تجاذبت فيه قوّتان لتصير مُدبّرة من طرف معيّن لم تمسّه الجائحة ابتداءً، فإنْ مسّت الآخر ظهرت نسخةٌ جديدة من التأويل لترقيع الخطاب وإطالة أمده.

 

ذهب بعضهم إلى تفاصيل ربطت وباء "كورونا" المستجدّ بالنزاع على شبكة اتصالات الجيل الخامس مثلاً، حتى افترض بعضهم أنّ الجوائح الكبرى التي شهدتها البشرية عبر قرنيْن ما تلازمت إلاّ مع تطوّرات تقنية واتصالية معيّنة أشعلت المنافسة بين أمم الرِّيادة. لا يفطن المأخذون بهذه الرواية إلى أنّ التطوّرات التقنية المتعاقبة في حقول الاتصال وغيْره لم تنقطع عن البشرية منذ أواخر القرن التاسع عشر أساساً، وأنّ تفسير الجوائح بمقولة الصراع التقنيّ يفتح على هذا الخطاب تساؤلاتٍ لن يصمد إزاءها.

 

يتهاوى منطق القوم على صخرة التمحيص، كأنْ يتبيّن أنّ بعض القائلين بالتدبير المحبوك ينزعون المصداقية عن البلاغات الرسمية بشأن الجائحة؛ ثمّ يحتجّون ببعض التصريحات دون سواها لأنها تُلقي باتهاماتٍ صوب أطراف مخصوصة بالوقوف خلف انتشار الوباء. تصير هذه التصريحات وحدها هي الموثوقة، فيُعتدّ بها انتقائياً ويحُتجّ، لمجرد أنها تعزِّز روايتهم وتخدم موقفهم. ألا يحتمل الأمر أن تُعدّ هذه التصريحات والاتهامات محبوكة أيضاً أو مُوجّهة بالأحرى في سياق التراشق الدعائي أو الحملات السياسية أو التعبئة الداخلية؟!

 

معطف "الخبير" ونظارته

يصعد بعض "الخبراء" بقوّة الخرافة ويُحتفى بمزاعمهم، ويُمارِس بعضهم شعوذةً تأويلية على رؤوس الأشهاد. لا عجب أن يحظى أحد رموز جماعات الهوَس بالكائنات الفضائية والأطباق الطائرة باهتمام واسع من خلال تفسيراته الحاسمة لموسم كورونا. يجسِّد ديفيد آيك، لاعب كرة القدم البريطاني السابق، هذه الحالة، وقد رأى في موسم الجائحة مصداقاً لتوقّعاته المُسبَقة، وعنده أنّ كلّ ما يحدث لا يخرج عن نبوءات جاء بها من قبل. ليس ديفيد آيك استثناءً من "خبراء" مزعومين يُخضِعون التطوّرات المُتلاحِقة لمقولاتهم المُسبقة حسب تفسيرات أحادية حتمية لا تبديل لها عندهم، وهو ما يتّضح في تكراره عبارات من قبيل: "كتبتُ هذا سنة كذا، توقّعت هذا مسبقاً سنة كذا، ذكرتُ في كتابي أنّ هذا سيحدث"، وكأنّ ما يجري لا يخرج عن مرمى تقديراته أو لا ينفلت من نطاق توقّعاته.

   

  

لا تقوم هذه المزاعم، منهجياً، على تشخيص يستند إلى الوقائع والتحليل والاستخلاص على بصيرة؛ وإنّما على تسخير بعض الوقائع والتطوّرات والتداعيات بصفة انتقائية لأحكام مُسبَقة مع التعامي عن غيرها. ويقع التحيُّز في بعض التفاصيل لتأويلات معيّنة أو احتمالات محدّدة دون سواها، كي لا تفقد الروايةُ اتِّساقها. فإنْ قيل إنّ حكاية "كورونا" وقع تضخيمها؛ اقتضى هذا تفسيرَ المأساة الإيطالية المشهودة عن كثب، فيوتى بتأويلات ترقيعية من قبيل إنها نسخة مخصوصة من الفيروس لا تشبه غيرها، وهو "احتمالٌ" يُحتفى به لأنه يخدم السردية فقط.

 

ينطوي التسليمُ بخطاباتٍ وُثوقية كهذه على مجازفات جسيمة، لأنها تُصادِر أحداثاً كبرى لتفسيرات متحيِّزة إلى قناعات راسخة، وتنتقي شواهد معينة دون غيرها كي تبدو المقولات مُقنِعة ومُتماسِكة. يتجلّى المنطق الأحادي السطحي الساذج عندما يتبنّى أحدُهم احتمالاً واحداً في تأويل حدث معيّن أو موقف مخصوص؛ مع استبعاد احتمالات أخرى لا يصحّ إغفالها وقد تبدو أرجح في ميزان المفاضلة.

 

مَن بوسعه في عالم اليوم أن يستبعد احتمالات العبث البيولوجي أو التدبير المحبوك للأوبئة؛ لكنّ الجزم بها أو تحديد مواصفاتها يتجاهلان أنّ مثل هذا إن وقع لن يترك توقيعاً خلفه على الأغلب، وأنّ القطع بكيفيّاته متعذِّر أساساً بدون شواهد مُحقّقة وبراهين مؤكدة؛ وهذه لن تتوفّر على الأرجح عاجلاً أم آجلاً؛ بما يُبقى بعض الأسئلة معلّقة أبد الدّهر بلا إجابات حاسمة.

 

تتمكّن الخطابات الجامحة من الهيمنة في غضون ذلك على مُدرَكات جمهورها، وقد يقع هذا من خلال مداخل تبدو عقلانية أو سويّة؛ وقد يأتي هذا عبر افتعالٍ في هيئة المتحدثين وأدائهم بما يشي بالموثوقية ويُوْحي بالرصانة، فيُستدرَج المتابعون إلى جموح في التفكير أو يقعون في قبضة الخرافة. من شأن استساغة بعض ما يأتي به متحدِّث بليغ إلى حدّ الإعجاب والانبهار أن تُغري بتعطيل الحسِّ النقدي مع باقي المضامين التي يأتي بها؛ وإنْ خالطها غلوّ ظاهر أو اضطرابٌ جسيم أو تطرُّف جامح.

 

سطوة النبوءات وهيمنة التوقعات

من وجوه الخرافة أن تبلغ الحفاوة مبلغها بمقاطع وإطلالات أو بكُتب ومقتطفات استُلّت من مراحل خلَت، يُزعَم أنها "تنبّأت" بجائحة كورونا أو استشرفتها على وجه التحديد. يُغري التعاملُ الانتقائيّ مع هذه المقتطفات بتجاهل سياقها، فبعضها جاء مثلاً في موسم وباء سابق بما انعكس على الفحوى، وبعضها يحفل بحشد من "توقّعات" أخرى فحدث أن وافق بعضُها الواقعَ وخاب بعضُها الآخر. ثم إنّ وجوه الموافقة لا تبدو بمنظار التمحيص مُطابقة في بعض هذه الشواهد لما يجري في موسم كورونا أو غيره، خلافاً للانطباع الأوّل المأخوذ بالاكتشاف. ويبقى توقّع الخطر الفيروسي قائماً أساساً، وهو ما ظلّت الهيئات الدولية المختصة تحذِّر منه وترصد تطوّراته مع تسارُع العولمة التي شهدت مواسم سابقة من الجوائح السارية بين الكائنات.

 

ومِن عادة بعض "الخبراء" و"المؤثِّرين" أن يخرجوا على قومهم في الشبكات والشاشات بمضامين وثوقية تجزم بما سيقع في السياسة أو الاقتصاد أو الأمْن أو غير ذلك، متحدِّثين عن "حدث كبير سيقع"، أو "تطوّر مهمّ ينتظر العالم"، دون أن يُقدِّم أحدُهم بين يديْ ذلك علّة محدّدة أو سبباً واضحاً؛ أو مؤشِّراً استباقياً أو توطئةً تفسيرية؛ أو مصدراً يُعتدّ به أو إحالة موثوقاً بها. لعلّ بعضهم يُراهنون بهذه الحيلة على كسب مصداقية فائقة إنْ وقع شيء مما يتوقّعونه، مع إمكان تنصُّلهم من المزاعم بتأويلات مُتذاكية إنْ لم تصدِّقها الأيّام. وقد يجزم بعضهم بشكل المستقبل من وَحي ما هو راجح عند بعض الخبراء أساساً أو متضمّن في بعض التقارير الاستشرافية؛ مثل القول بحدوث "أزمة اقتصادية خلال سنوات". وقد يستقوي أحدهم بالمستقبل لفرض قناعة معيّنة على الجماهير في حاضره؛ بدعوى أنّ ما يقوله هو الصحيح وأنّه يرى في الأفق كذا وكذا، وأنّ "ذلكم سيتبيّن لكم من بعد، وستذكرون ما أقول لكم!".

   

  

لا يصحّ التسليم بمنحى التوقّع المستقبليّ أو الركون إليه إنْ لم يأتِ مشفوعاً بشواهد ومؤيِّدات ومؤشِّرات بوسع النظر الفاحص المستقلّ أن يَخلص معها إلى اختبار الطريقة وتمحيص الاستنتاج. بغيْر هذا سيتلبّس التوقّعُ المزعومُ بشبهة كتمانٍ معرفيّ أو سيشي بالاعتماد على حدس شخصيّ في تقدير المستقبل أو رؤى منامية في تَشَوُّف الآتي؛ وهذا في الشؤون العامّة ومصائر الأمم والمجتمعات مما يُذمّ ويُستنكَر، لا تنتفي المعضلة لدى حدوث ما توقّعه أحدهم. فقد ينطوي الرُّضوخ لتوقّعات مجرّدة عن شواهدها ومؤيِّداتها على مخاطرة جسيمة لدى التسليم بمآلاتٍ ترسمها؛ لمجرّد ظهور توافُق مع تطوّرات أوّلية. تفرض التوقّعات التي تصحّ في بواكيرها سطوة جسيمة على أذهان النُّخَب والجماهير لأنها تحاصر أذهانهم ووجدانهم ضمن مآلاتٍ مخصوصة في الأفق؛ على طريقة زرقاء اليمامة؛ دون احتمالات أخرى تبقى واردة أو قد تكون راجحة بالأحرى، فصحّة التقدير في البدايات لا تقضي بصواب التوقّع في المآلات.

   

خرافات دعائية محبوكة

دفعت التعبئة الدعائية في دول عربية بمضامين محدّدة في التعامل مع موسم كورونا، جاء في بعضها، مثلاً، أنّ "تغذيتنا فريدة عالمياً بما يجعلنا في مأمن"، وأنّ "طبيعتنا مختلفة ولدينا مناعة ضد الأوبئة"، وأنّ الحل مُتاح بوجبات شعبية وخلطات تقليدية. وظّفت هذه التعبئة تقارير إعلامية عن تعثُّر القطاعات الصحية في دول غربية فأوحت أنّ "نظامنا الصحي متقدِّم على دول حسبناها متطوِّرة". وجاء في المزاعم أنّ "خبراتنا الفعّالة ساعدت الصين وأوروبا على التعامل مع الجائحة"، وأن "حلولنا العبقرية ضد فيروس كورونا ستُبهر العالم"، أو هكذا تقريباً.

 

لا يُقال هذا بصفة رسمية غالباً، فكثير منه يأتي صريحاً أو إيحائياً على ألسنة متحدِّثين ومتحدِّثات يرتدون معاطف الاختصاص ونظّارات الخبرة، ويتصرّفون بصفة تبدو مستقلّة ويُؤتى بهم على شاشات البلد لضخّ الخرافات على رؤوس الأشهاد. كما تعمل خطوطُ التعبئة الدعائية في مسارات رديفة عبر بثّ مضامين مضلِّلة تدفع بها مجموعات منسّقة في الشبكات الاجتماعية ومنها الذباب الإلكتروني الذي لا يستثني "كورونا" من أولويّاته. يُراهن هذا المجهود على إذكاء السذاجة لدى الجماهير بمواد مزيّفة ومضامين مُلفّقة، مع محاولة احتواء الوعي الجماهيري بشأن الحالة الداهمة التي تهدِّد بإهلاك الحرث والنّسل.

 

تستغلّ بعض الخطابات الدعائية هذا الظرف في خدمة صراعات وتوتّرات سابقة على الجائحة. ثمة تفسيرات سياسية وإثنية وطائفية لكلّ ما جرى، على أساس منطق يرى أنّ الخندق المقابل، في البلد أو الإقليم أو العالم، ضالع في تفشِّي الوباء. توظِّف هذه المزاعم موادّ مزيّفة ومقاطع محيِّرة وأخباراً ملفّقة لخدمة مقولاتها، أو تمضي إلى تفسير مشهد أممي كبير بواقعة جزئية شوهد فيها شخص غريب الأطوار يلوِّث مكاناً عامّاً بطريقة مقززة، دون اتضاح تفاصيل عن ذلك. يؤتى بشواهد كهذه برهاناً حتمياً على مؤامرة حيكت، حتى وإن كان المشهد من مرحلة سابقة أو بيئة أخرى، واستبعاد أن يكون ذلك وقع بمفعول مؤثرات عقلية أو بدافع الانتقام من المجتمع من فرط القنوط.

 

وقفة مع تجارب الخرافة

للخرافة تجاربها أيضاً. من ذلك أنّ ناشطاً شبكياً أفصح عن "تجربة" خاضها بنفسه، بأن افتعل مادة مزيّفة وباشر بثّها فحقّقت رواجاً في أوساط معيّنة. ادّعى الناشط أنّ القرآن الكريم تضمّن إشارات محدّدة إلى الفيروس التاجي المستجدّ، وعمد إلى تلفيق شواهد ساذجة تتّصل بجائحة كورونا. أعلن الناشط في مقطع مرئي لاحِق أنه أراد بهذه الحيلة اختبار وعي الجماهير ومدى جاهزيّتها لتداول مضامين خرافية كالتي نسَجَها، وتمحيص تعامُل النُّخَب مع مزاعمه المحبوكة. لاحظ المتحدِّث أنّ الادعاء المزيّف لاقى رواجاً ولم يُقاوَم، فخرج محذِّراً من سطوة التفكير الخرافيّ على الجماهير وبعض النخب أيضاً.

    

  

لا تبدو هذه التجربة ومثيلاتها مُفاجِئة في بابها، فشواهد هذا المنحى ماثلة للعيان مع رواج الموادّ المزيّفة عبر مجتمعات الأرض، فمن عادتها أن تتملّق قناعاتٍ راسخة لدى كلّ أمّة وكأنّها تعزِّز معتقداتِها وتوافِق مشاربها وتؤيِّد نزعاتها وتستهوي رغائبها. ويُفترَض أنّ بعض هذه المواد تأتي محبوكة أساساً لزعزعة المعتقدات والقناعات الراسخة عبر حيلة تقوم على تدعيمها بالخرافة التي ستتهاوى في العاجل أو الآجل.

   

لكنّ التجارب التي راهنت على اختبار جاهزية الجمهور لتصديق الخرافات على هذا المنوال؛ تسبّبت هي الأخرى بإنتاج مضامين مزيّفة ليس بالمقدور انتزاعها من التداول الشبكي أو من الأذهان والوجدان بالأحرى؛ لأنّ المبثوث ينفكّ عن مصدره بمجرد انطلاقه. وثمة نقد ينبغي توجيهه لأسلوب تلفيق مواد مزيّفة لاختبار الجماهير، لأنّ هذا النمط يحمل شبهة تلاعُب أيضاً فكيف به إن جاء في مساحة الاعتقاد أو الدين أو العلم؟

   

اتّضح مِثْلُ هذا في حالات أخرى، لم يدرك بعض الجمهور، ومنه نُخَب متصدِّرة أيضاً؛ أنّ بعض الموادّ التي يُحتفى بها تقوم على التندّر والفكاهة أو التمثيل والسفاهة، بصفة أُريد منها أن تكون ظاهرة للعيان لكنها راجت على أنها موثوقة ويُعتدّ بها. تحتفي الجماهير ببعض هذه المواد وتتداولها نخب متصدِّرة، كما جرى مثلاً مع مقطع مزعوم خرجت فيه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل على قومها للإعراب عن فائق الشكر والامتنان لمساهمات "الدكتور كمّون"، في اكتشاف علاج حاسم للوباء. هو مقطع أُريد من ترجمته العربية المزيّفة أن يبدو ساخراً ربما؛ لكنّه أحرز ذيوعاً يُغبَط عليه لدى جمهور – بعضه نخبوي متصدِّر في الحقيقة – وهو الجمهور ذاته الذي يحتفي بتسجيلات صوتية مجهولة المصدر عن علاجات حاسمة للجائحة؛ بالقرنفل تارة، وبخلطة السمسم تارة أخرى، وبقطرات من زيت الزيتون لم تهتدِ إليها البشرية بعد.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة