هل يتفكك الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء أزمة كورونا؟!

شهدت القارة الأوروبية خلال الفترات القليلة الماضية أياما عصيبة بعد تفشّي فيروس كورونا في أرجائها حاصدا الآلاف من الأرواح ومصيبًا الكثير من الناس في أحدث حرب وأسوئها بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تشهد البلدان الأوروبية أزمة مثل هذه الأزمة، فقد بيّنت هشاشة الاتحاد الأوروبي في مواجهة الأزمات، حيث اكتفت كل دولة بما عندها ونأت بنفسها عن الأخرى، خاصة الدول القوية في الاتحاد كألمانيا وهولندا وبقيت دول أخرى ضعيفة نسبيا تواجه الموت بمفردها، كإيطاليا أكبر الدول المتضررة من آثار فيروس كورونا، وإسبانيا وفرنسا الدولتان المتضررتان تباعا من آثار الفيروس، ورغم نداءات إيطاليا المتكررة للاتحاد بالمساعدة والتدخل الفوري والعاجل إلا أن الاتحاد الأوروبي لم يستجب إلى حد الآن ولم يعبّر عن التكتل الذي كان ينادي به منذ أن تأسّس، ولم يستجب إلى استغاثة الدول من خارج الاتحاد كصربيا مثلا.

وإذا كانت إيطاليا من صلب الاتحاد لم تجد المُعين المناسب في الوقت المناسب من جاراتها الدول الأخرى، وترى جاراتها كيف سقطت إيطاليا في مستنقع الموت كل يوم، وتسمع استغاثتها عن قرب وعن بعد، فمن باب أولى لا يستجيب الاتحاد الأوروبي لدول خارج الاتحاد، فالأزمة عمّت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا في الجنوب وهي الدول التي توصف بأنها أكثر إيذاء وأكثر تعرّضا للأزمة، حتى وصل بالمسؤولين الإيطاليين إلى أن يعلنوا أن الاتحاد حبرٌ على ورق، ولم يعد قائما فعليا بل قائم شكلا، لأنه لا يؤدي خدمة لإيطاليا المنكوبة التي تخسر كل يوم المئات من سكانها، بينما الآخرون في حيرة من أمرهم يراقبون المشهد وكأنه لا يعنيهم، وفي هذا الوقت العصيب الذي لا يسمح لإيطاليا بأن تقف مكتوفة الأيدي أمام إحجام الأوروبيين عن المساعدة الفورية والعاجلة لإيقاف نزيف الموت الذي يترصد الإيطاليين كل يوم، لجأت روما إلى الخارج لطلب المساعدة من الصين وروسيا وهو الأمر الذي لا يحبذه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بل طالب إيطاليا بالتوقف عن هذا الطلب، ورغم ذلك جاءت المساعدة الفورية من الصين وروسيا وأصبحت الشاحنات الروسية تتجول في الشوارع الإيطالية، واستقبلت إيطاليا الوفود الطبية الصينية في المطارات استقبالا كبيرا تعبيرا عن فرحتهم بوصول المدد الصيني.

سيتصدع في الحالتين سواء بقيت إيطاليا داخله أو أصبحت خارجه، لأن هشاشة العلاقات بين الدول، القائمة على المصالح لا على المبادئ هي التي تساهم وبقوّة في تفكك الاتحاد الأوروبي على المدى القصير أو البعيد، وتجعل الاتحاد يعيش أزمة داخلية خانقة

كما عبرت صربيا عن استيائها الشديد عن المعاملة السيئة التي لقيتها من الاتحاد الأوروبي وإحجامه عن المساعدة الفورية، بل وامتناعه عن مدّ يد المساعدة بدعوى أن صربيا ليست دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وليست طرفًا في المنظومة الأوروبية، مما أشعل فتيل الغضب عند رئيس الوزراء الصربي الذي عبر عن امتعاضه الشديد من هذا القرار، وطلب من الصين المساعدة، وجاءته البشرى من الصين فورا فقبّل علمها أمام وسائل الإعلام تعبيرا عن امتنانه لما قدمته الصين لبلده في وقت الأزمة والاحتياج، وانتقد رئيس الوزراء الصربي الاتحاد الأوروبي بشدة واعتبر أن هذا الاتحاد حبر على ورق، وشكلا لا جوهرا، مما يعرض الاتحاد الأوروبي للتفكك مستقبلا بعد انتهاء الأزمة سريعا لأن الخلافات في الأزمة على أشدّها بين الشمال والجنوب، بين ألمانيا وهولندا من جهة وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا من جهة أخرى، حيث ترى الدولتان العظميان في الاتحاد أن العبء كله سيقع عليهما إذا تمت المساعدة باعتبارهما الدولتين الأقوى اقتصاديا، بينما ترى الدول الثانية أنها المتضررة الكبرى من الأزمة وعلى دول الشمال المساندة والمساعدة فورا لتحقيق التوازن والتماسك في الاتحاد الأوروبي.

ويبقى الجدال قائما بين الكتلتين في الاتحاد الأوروبي حتى بعد انتهاء الأزمة، وسيتطور الخلاف بين الجبهتين، وقد نشهد تفككا للاتحاد في الفترة المقبلة، لأسباب قد تراها إيطاليا وإسبانيا مقنعة للخروج من الاتحاد والتعبير عن الامتعاض، والاستعاضة بروسيا والصين بديلين للاتحاد، وإذا استمر التعاون بين إيطاليا وروسيا والصين وقَوِي في الفترة المقبلة فإن إيطاليا قد تنسحب بهدوء من الاتحاد الأوروبي وتخرج منه كما خرجت بريطانيا، لأنها لم تجد ما ترغب فيه عند حاجتها إليه، وربما تتبعها إسبانيا إذا وجدت هي الأخرى من يدعمها، ويصبح الاتحاد الأوروبي مبتورا لأنه قد خسر عضوين من أعضائه إلى جانب بريطانيا.

لكن وفي الوقت نفسه هل يستطيع الرئيس الفرنسي أن يقنع إيطاليا بعد جُرحها الكبير وعدم مساعدة الاتحاد لها، أن تبقى في دائرة الاتحاد مهما حصل من مفاجآت وآلام، وأن تترك تعاملها مع الصين وروسيا لئلا يقع شرخ كبير في العلاقات، أم أن إيطاليا ستبقى مصمّمة على الخروج من الاتحاد مهما كانت النتائج لأن الذي شهدته خلال تفشي فيروس كورونا أكبر وأبشع مما رأته قبله وبالتالي هي أمام أمر واقع لا محالة ولا رجوع في قرار الخروج، وفي كلتا الحالتين حسب رأيي لن يكون الاتحاد الأوروبي كما كان، ولن يكون بمأمن من التفكك، بل سيتصدع في الحالتين سواء بقيت إيطاليا داخله أو أصبحت خارجه، لأن هشاشة العلاقات بين الدول، القائمة على المصالح لا على المبادئ هي التي تساهم وبقوّة في تفكك الاتحاد الأوروبي على المدى القصير أو البعيد، وتجعل الاتحاد يعيش أزمة داخلية خانقة يصعب حلها.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة