ماذا علمني الحجر؟!

مرَّ ما يقارب الشهر وأنا في حجر بيتيّ، لكن لدي أنواع الطعام والشراب وتلفاز وجهاز محمول عليه كافة وسائل التواصل، رغم تذمري وضيقي ومللي بين الحين والآخر لكني تذكرت من يعيشون في السجون الضيقة منذ سنين، من لم ترَ جباههم الشمس، من يشتاقون لرؤية الكون الفسيح خارج سياج لعين تحاط أحلامهم وأجسادهم به، أسرى سجون القهر والظلام.

  

تذكرت من يجعلهم المرض طريحي الفراش بلا حراك، من ينامون جائعين في العراء، من يعيشون في بلاد تضيق عليهم، ويعذبون أشد أصناف العذاب فقط لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، تذكرتُ المشردين واللاجئين في الخيام، من علقوا على الحدود، وضاقت الأرض ذرعًا بهم، أما أنا فوجدت هذه الفترة فرصة لقراءة كتاب الله، وكتب كانت تنتظرني منذ سنين، ولم أكن أجد لها الوقت، وجدت وقتًا لأكتب فصولًا من رواية كنت قد بدأت بها سابقًا، وحالت انشغالات الحياة وضجيجها بيني وبين إكمالها، وجدت فرصة ذهبية للتدبر في هذا الكون، والتفكر في نعم الله بممارسة الحياة الطبيعية على هذه الأرض، تلك النعم التي ألفناها واعتدناها حتى ما عدنا نلحظ وجودها، فهذه أنسب فرصة للمجتمع أن يقيم حجرًا على سوء الأخلاق المنتشر، على الكذب والغش والنفاق والاستغلال، فمرض الجسد ليس ما يخيف حقًا بل أمراض الأخلاق والروح.

  

هذا الوباء سيمر وينتهي لا محالة، وسيستجيب الله دعواتنا الصادقة، ويلبي نداءات قلوبنا لكن الأهم أن نخرج من هذا الحال وقد صلحت أنفسنا وأرواحنا، وانتصرنا على ضعفها

ما يخيف حقًا أن تأتي الأزمة وتمر ولا تغير في الناس شيئًا، أن تأتي الأزمة ولا يخشى الناس إلا على مالهم، وتوفر طعامهم وشرابهم، أن يمروا على هول ما يحدث مرور الكرام ليس إلا، ما حل بهذا الكون فرصة للتدبر، والتعقل قبل فوات الأوان، فرصة لا أحد يدري إن كانت فرصته الأخيرة، وإن كان العمر سيمهله ليس لاحتمالية موته في فيروس منتشر بحد ذاته، فاحتمال انتهاء أجل أي منا موجود كل لحظة بأسباب مختلفة، أو بلا سبب سوى قدر الله واختياره.

  

فما يحصل الآن فرصة للبشر على حد سواء لمراجعة أنفسهم وتقييمها، فرصة لمن ظلم أن يتجرد من ظلمه، فرصة لمن أكل مال أحد أن يعيده، فرصة لمن أذنب ليتوب ويستغفر، فرصة لمن جف قلبه من فيض الذكر أن يرطبه به، فرصة لمن ضل عن درب الله أن يطرق بابه من جديد، فرصة لمن أساء لأحد أن يعتذر، وللجار أن يتفقد جاره، ويحسن إليه، ويعينه حسب استطاعته، وللمقتدر أن يعين المحتاج، وييسر على المعسر.

    

فماذا لو كان الصدق هو الشائع وكان الكذب هو النادر! ماذا لو كان وفاء الوعد هو الغالب، وقانون الأخلاق هو السائد! بدلًا من قانون الغاب، يتفشى بين البشر ويزداد، ينخر في عمق البنيان، يُزهق الحق وعليه يُزايد، وباء الأخلاق تفاقم جدًا، والكل يجاهر ويعاند، ومن لم تغيره الأزمات والشدائد فماذا يمكن أن يغيره! كحال الفئة التي تتسلى في هذه الأزمة بنشر الشائعات والتهويل والأكاذيب، أو رفع الأسعار والاحتيال والنصب مستغلة حالة الفراغ السائدة، ومن لم تغيره نائبات الزمان، ومكاتيب القدر عليه أن يراجع قلبه، ويكشف عن رانِ الإصرار على السوء والذنب فيه بالاستغفار، وإعادة الحقوق لأصحابها.

   

فهذا الوباء سيمر وينتهي لا محالة، وسيستجيب الله دعواتنا الصادقة، ويلبي نداءات قلوبنا لكن الأهم أن نخرج من هذا الحال وقد صلحت أنفسنا وأرواحنا، وانتصرنا على ضعفها، فيا رب اجعلنا خير من يستغل الفرص والأزمات حتى لا نكون ممن قيل فيهم "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون"، و"إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ما نَمُرُّ به اليوم يُشابه إلى حَدٍّ ما الأحداث التي حصلت في القرون السابقة، والانقسامات والافتراضات التي نشهدها اليوم ما هي إلا مثال حَيّ على ما شهده العالَم بالماضي.

الأكثر قراءة