فيروس كورونا.. قسم ظهر ترمب وذكّره بأصله

مع كل مساء، يطّل علينا السيد ترمب بمؤتمر صحفي طويل عريض، يسرد خلاله آخر التطورات لانتشار وباء كورونا المستجد فوق الأرض الأمريكية، ويمكنني القول أنني لم أر ترمب بمثل هذه الجاهزية من قبل، وربما لم يصل إلى هذا المستوى من الظهور الإعلامي حتى إبان فترة ترشحه للرئاسة، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على حجم المأزق الذي يتقلب فيه ترمب وحاشيته، خصوصا وأن عدد الوفيات في ارتفاع كبير، مما يشكل مع كل يوم جديد، صدمة كبيرة للمجتمع الأمريكي غير المتعوّد على هكذا أوضاع، وهو الشعب المدلل المنعم بمستوى عيش رغيد غاية في الرفاهية.

وعندما نقارن بين ملامح ترمب في فترة بداية تفشي فيروس كورونا في الولايات المتحدة، وملامحه في هذه الأيام الأخيرة وقد استفحل الوباء في البلاد وأحكم قبضته على الأمريكيين، نجد اختلافا جوهريا لا تخطئه العين، يبدو جليّا أن الاضطراب ضرب أطنابه فيه، والارتباك باد على وجهه، فأزاح عنه سحنة الهيبة والكبر والشعور بالعظمة، وأما الغطرسة التي أراد أن يواجه بها الفيروس منذ البداية، متحديا خطورته، فقد انقلبت إلى تضرّع وخيفة، ورهبة مما تحمله الأيام القادمة، وحديثه الذي كان يقدّم فيه الاقتصاد الأمريكي المهيمن على العالم على كل أولوية أخرى رغم تهديد الفيروس، تراجع إلى الخلف، لتصبح الأولوية الكبرى هذه المرة المواطن الأمريكي قبل الاقتصاد القومي، بعد الضغط الرهيب الذي مارسه الإعلام في هذا الصدد، ليدخل هذا الأخير في مفترق حاسم، ويتكبد خسائر لا تقدّر برقم.

هذه الطبيعة العادلة عدالة خالقها ومدبرها، رفضت كل هذه الأشياء المخالفة للفطرة السويّة، تحدّت الإنسان، بمخلوق صغير دقيق لا يرى بالعين المجرّدة، يدعى كوفيد 19 أو فيروس كورونا، فقط لتوقفه عند حدّه، ولتذكّره بأصله العاجز الضعيف

أصبح أكبر اقتصاد في العالم يتحدث الآن عن مصانع الكمامات والمعقّمات والجافيل وأجهزة التنفس، وقد كان عماده الغواصات والطائرات الحربية الذكية وصناعة الفضاء والروبوتات وتكنولوجيا النانو، وتحولت الخزينة الأمريكية في طرفة عين من طاحونة تبتلع ميزانيات ضخمة لدول العالم الثالث وتتحكم فيها، سواء برضاها أو رغما عن أنفها، إلى أكبر خزينة منفقة في العالم بثرليونات الدولارات، وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحصد كعادتها المراكز الأولى المتقدمة في شتى المجالات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، فهي هذه المرة تحصد المركز الأول في العالم في عدد الإصابات بفيروس كورونا مع إمكانية ارتفاع عدد الوفيات بشكل مهول في الأيام القليلة القادمة، لتتخطى إيطاليا والصين، وانقلبت فجأة تلك النغمة المعهودة للبيت الأبيض التي لا تتوانى عن النبش هنا وإشعال الفتن هناك، وتهديد هذا وتوعّد ذاك، إلى نبرة دافئة مرهفة الأحاسيس، تشارك الأمريكيين أحزانهم وتعزّي العالم في ضحاياه.

هذا درس قاس شنته الطبيعة المسيرة من القدرة الإلهية، الطبيعة التي تكره الظلم والطغيان والاستبداد المتفشي فوق هذه البسيطة، تكره الاحتلال الذي يطرد أصحاب الأرض من أرضهم ويجرّدهم من حقوقهم ويحاصرهم في بؤرة ضيقة بلا حياة، تكره من يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وهي التي لم تتنفس منذ عهدها بالوجود غير الهواء الفلسطيني المقدسي الطاهر الأصيل، الطبيعة التي تصرخ من هول ما يصنع الإنسان بأخيه الإنسان، من قتل وترويع، وإبادة وحشية وحصار وتجويع، وتعذيب في السجون وحرمان من الحرية وتبييت للمكائد والدسائس، كل هذا لم تتحمل الطبيعة بشاعته وفظاعته فتمردت على الإنسان وثارت عليه.

هذه الطبيعة العادلة عدالة خالقها ومدبرها، رفضت كل هذه الأشياء المخالفة للفطرة السويّة، تحدّت الإنسان، بمخلوق صغير دقيق لا يرى بالعين المجرّدة، يدعى كوفيد 19 أو فيروس كورونا، فقط لتوقفه عند حدّه، ولتذكّره بأصله العاجز الضعيف، ولتنبّهه بخطورة واقعه وفداحة مآله إن هو تمادى في طغيانه ولم يتّعظ، ولأن هذه الطبيعة لا يمكن لقوة على وجه الأرض بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية في شخص ترمب أن تحاصرها اقتصاديا، أو تسلبها هيمنتها وسيادتها، أو تعاقبها عسكريا بضربات جوية وبحرية، أو تفرض عليها إتاوات دورية، أو تغتال شخصياتها ورموزها، أو تجوّع شعبها حتى الموت، فقد أعادت ترمب وكل المتعجرفين أمثاله ممن غرّهم نفوذهم وجبروتهم إلى حجمهم الطبيعي، والذي لا يعدو أن يكون حجم مخلوق عاجز ذليل أمام أصغر جنود الله.



حول هذه القصة

أسوأ ما يفعله ترامب حاليا بالنسبة للأمريكيين هو تدمير الحلم الأمريكي فرئيس يهاجم الإعلام ويتهم الصحفيين ويقيد الحريات وينبذ الجيران ويبتز الحلفاء يتسبب بضرر كبير لمنظومة القيم الأمريكية والحلم الأمريكي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة