أزمة نيويورك وتأخر احتواء كورونا.. ثقافة العبودية للمال

"الأخلاق، احترام الانسان، ودعم الحقوق… الخ" ربما تكون من الأمور الرئيسية التي استخدمت لترويج الثقافة الغربية لتصبح المهيمن على الفكر العالمي في العقود الأخيرة في بروباجاندا متواصلة، وهو ما تلقفه أبناء جلدتنا من العلمانيين والليبراليين بفرحٍ شديد وروجوا له، وسخروا من كل شخص يحاول توضيح خفايا زيف هذه المعادلة. لكن هذه المنظومة يبدو أنها تتعرض لهزة عنيفة في الأيام الأخيرة حينما اصطدمت بالإله الحقيقي لهذه المنظومة "المال".

ربما يظن البعض بأن الحرية المطلقة تكمن في امتلاك الحق بانتقاد المنظومة السياسية المديرة للبلاد، أو انتقاد الجوانب المختلفة للشؤون الداخلية بدون التعرض للاعتقال، لكن هذه النظرة تبدو قاصرة وغير دقيقة، فكل إمبراطورية يكون لها إله خاص يعبد فيها، يُمنع الاقتراب منه أو محاول الإخلال بالمنظومة التي يؤسسها، لذلك إن كان الكثيرون يظنون أن الغرب (وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية) هي مثال للحرية والتعددية السياسية وتقبل الآخر… الخ، فإن هذه المعادلة ستصبح لاغية حينما تقترب من آلهتهم، والتي تتخذ صوراً عدة ويمكن تلخيصها بكلمة "المال". نعم، هم يعبدون المال على ما يبدو، ويستعبدون شعوب الأرض وينهكونها في مشاكل وخالافات داخلية من أجل استمرار التدفق المالي نحوهم.

يصر الليبراليون العرب على الترويج للثقافة الغربية، ورغم أن الوقائع السابقة تؤكد أن الغرب هو من يدعم الديكتاتوريات في دول العالم الثالث لتمرير مصالحهم والحصول على الثروات بثمنٍ زهيد

أزمة نيويورك وكورونا كشفت لنا عن ذلك بشكلٍ واضح، فرغم أن عدد الحالات كان يزداد بشكلٍ ينم عن فاجعة إنسانية محتملة، ورغم وجود سوابق لهذه الفاجعة في إيطاليا والصين في تفاقم الأزمة إن لم يتم احتواؤها سريعاً، إلا أن البيت الأبيض لم يتحرك بشكلٍ جاد لفعل أي شيء، وأصروا على تفويض حكام الولايات وعمدة نيويورك للتعامل مع الحدث، وهو ما أخر عملية الاحتواء، وذلك في ظل الخوف من الانهيار الاقتصادي في حال تم فرض قرارات قاسية تشمل على المباعدة الاجتماعية وتعطيل الشركات الخاصة. نيويورك تُعرف بأنها عاصمة التجارة في الولايات المتحدة الأمريكية بل والعالم أجمع، ويطلق عليها وصف "مدينة المال والأعمال"، وحينما تكون الدولة مبنية على المال يصبح التحرك ضد هذه المنظومة أمر صعب للغاية حتى لو كانت حياة البشر في خطر.

وربما يظن البعض بأن أزمة كورونا كشفت "بشكلٍ مفاجئ" عن الفاجعة الأخلاقية في نيويورك واختلال المفاهيم لدى الثقافة الغربية، لكن الحقيقة ليست كذلك، فالأزمة الأخلاقية وعدم احترام الإنسان متجذر في العقيدة الغربية، فما يطفوا على السطح من احترام للحقوق وتقبل الآخر ليس سوى قشور تخفي حقيقة الإله الحقيقي الذي يعبد، والذي يدهس في طريقه الملايين والمليارات من البشر. مجلة جلوبال ويتنيس أجرت قبل عدة أعوام تحقيقاً سرياً للكشف عن التلاعبات المالية التي تجري في نيويورك، حيث تخفى محققها بشخصية مستشار لحكومة أجنبية وقام بالتواصل مع 13 شركة محاماة في نيويورك، والتي تلعب دوراً هاماً ورئيسياً في سير المعاملات المالية في عاصمة التجارة العالمية.

الصادم في المسألة بأن المحقق أراد الحصول على طرق ملتوية لإدخال الأموال إلى الولايات المتحدة وتقييدها بشكل رسمي وقانوني بدون الكشف عن هوية صاحب المال، ورغم أن هذه عملية غسل أموال واضحة إلا أن 12 شركة من أصل 13 شركة أعطت حلولاً للمستشار الحكومي المزيف للتحايل على هيئة مكافحة الفساد في بلادهم لإعطاء هذه الأموال أصول قانونية. هنا نتحدث عن مستشار لحكومة أجنبية يريد تدوير الأموال لتصبح تابعة لأحد الشخصيات في بلاده بشكلٍ قانوني، وهو يعني بأن هذه الأموال تمت سرقتها من الشعوب بطرق غير قانونية، بما يعني بأن "عاصمة التجارة العالمية" في دولة الحقوق والحريات تعد ملجاً للفاسدين في الدول التي يتم اضطهاد الشعوب فيها بشتى الأنواع، وهو جزء بسيط جداً من أشكال دعم الغرب للحكومات الدكيتاتورية والبلكتوقراطية في دول العالم الثالث لضمان التدفق المالي إلى الولايات المتحدة والذي تشاركهم فيه الجزر التابعة للملكة المتحدة البريطانية. نعم هناك هيئة مكافحة للفساد، لكنها غير فعالة، وغير جدية على ما يبدو، وهو ما يؤكده التحقيق ذاته.

في مسلسل Suits الأمريكي، والذي يعرض قصة شركة محاماة قوية في نيويورك يتم التأكيد في ثنايا المسلسل على العديد من المفاهيم التي لا يمكن أن تتوافق مع احترام الإنسان، حيث يبقى بالنسبة لهم "العميل" هو الأهم، ولا يهم ماذا فعل، أو من أين جلب أمواله، أو هل قتل هذا الشخص أم لم يقتله، المهم فقط أن تبقى أموال العميل في مأمنٍ ويتم توفير الحماية التامة له. الملفت أنه في الموسم الثالث تم عرض إحدى قضايا الرشوة في إحدى دول العالم الثالث وذلك لتمرير صفقة استخراج للنفط تضر بسكان المنطقة صحياً، وادعت السيدة التي تدفع الرشوة بأن هذه هي الطريقة الوحيدة لتسير الأمور في هذه الدولة بشكلٍ طبيعي، رغم أن من تم دفع الأموال لهم هم مجرمي حرب، مما يعني بأن ضمان استمرار المصالح المشتركة يقتضي بأن يتم استعباد الشعوب المنكوبة عبر عديمي الضمير من أبناء جلدتهم لتمرير كل الصفقات المشبوهة وبالقوة. طبعاً، الرشوة تحولت بعد ذلك للقتل حينما تعارضت المصالح، ورغم ذلك لم تكترث شركة المحاماة في نيوروك لكل هذه التفاصيل وقررت الدفاع عن هذه السيدة لكي تحميها من التهم الموجهة إليها!

وربما يندفع هنا العلمانيون – الليبراليون العرب للدفاع عن منظومتهم بالقول أن هذا مشهد من مسلسل درامي غير حقيقي، فكيف يتم الاستشهاد به؟ لكنهم يتناسون أن هذا ما يحدث بالفعل في عالمنا المعاصر. الكاتبة ناعومي كلاين وضحت في كتابها عقيدة الصدمة بأن الانقلاب العسكري في تشيلي أتى عبر مجموعة من "الليبراليين والمحافظين الجدد" الذين درسوا في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، حيث دبروا لهذا الانقلاب الذي قاد بلادهم نحو الهاوية، وأدى لاستعباد الشعب بشكلٍ كامل، وذلك في ظل تدبير وتخطيط للشركات الأمريكية العملاقة بما فيها شركة فورد التي تحولت مصانعها لمعتقلات للتعذيب في تلك الحقبة بالتعاون مع المخابرات الأمريكية، وهي حقيقة أخرى توضح كيف أن الثقافة الغربية التي يدعى بأنها داعمة للحريات، وتحترم الإنسان، ستتخلى عن كل ذلك بل ستعمل على النقيض منه تماماً إن تم الاقتراب من إلههم المعبود "المال"! والسؤال أليس هذا هو "اقتصاد النهب" الذي قيل أن هتلر والنازية اعتمدوا عليه في الماضي؟

الغريب أن رغم كل هذه الحقائق التاريخية الماثلة أمامنا، يصر الليبراليون العرب على الترويج للثقافة الغربية، ورغم أن الوقائع السابقة تؤكد أن الغرب هو من يدعم الديكتاتوريات في دول العالم الثالث لتمرير مصالحهم والحصول على الثروات بثمنٍ زهيد، فأي عبودية هذه؟ اليوم نصل لكارثة كورونا لنرى حقيقةً كل تجلياتها في الثقافة الأمريكية والغربية بشكلٍ عام، فحياة الإنسان ليست سوى ثمن زهيد يمكن دفعه لتحقيق المنفعة المالية للشركات العملاقة، للأسياد، وهو ما يجعلنا نتدبر في قول الله " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ".



حول هذه القصة

أسوأ ما يفعله ترامب حاليا بالنسبة للأمريكيين هو تدمير الحلم الأمريكي فرئيس يهاجم الإعلام ويتهم الصحفيين ويقيد الحريات وينبذ الجيران ويبتز الحلفاء يتسبب بضرر كبير لمنظومة القيم الأمريكية والحلم الأمريكي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة